حادثه منى السيد

لمحة نيوز

الجزء الأول
لو قولتي إن كريم هو اللي كان سايق، هيتسجن. لو فعلًا إنتِ بنتي، هتقولي إنك إنتِ اللي كنتِ سايقة.
صوت أمي نادية كان أبرد من صوت الأجهزة اللي حوالي سريري في العناية المركزة.
كنت بالكاد قادرة آخد نفسي. عندي ضلعين مكسورين، وكتفي الشمال متثبت، وارتجاج في المخ مخلي نور المستشفى الأبيض يدخل في عيني زي السكاكين.
ومع ذلك، كنت فاهمة كويس جدًا هي عايزة مني إيه.
كانت عايزاني أكذب.
أشيل ذنب حادثة أنا ما عملتهاش.
أنقذ ابن جوزها الجديد، بعد ما هو سابني جوه عربية خارجة عن السيطرة وقفز منها قبل ما تخبط.
اسمي سارة محمود، عندي 24 سنة، وبشتغل منسقة مبتدئة في شركة شحن ونقل في القاهرة.
قبل سنتين، أبويا محمود كان خلّص تصليح عربية دودج تشالنجر حمرا كان بيجهزها لي بنفسه في ورشته الصغيرة في شبرا.
العربية كانت حلمه قبل ما تكون حلمي.
كان بيشتغل فيها بإيده، وكل ما أروح له الورشة كان يقعد يحكيلي عن كل قطعة غيرها، وكأنه بيربي العربية معايا.
لكن بعد ما سلّمهالي بشهرين بس، أبويا مات بأزمة قلبية مفاجئة.
ومن يومها، وأنا بتعامل مع العربية دي كأن كل جزء فيها لسه شايل أثر إيده.
كنت أنا اللي بدفع الأقساط اللي كانت فاضلة، وسددت حوالي 150 ألف جنيه، وكنت شايلة مصاريف البيت، والأكل، والفواتير والتصليحات.
بعد وفاة أبويا بست شهور، أمي اتعرفت على عادل.
وبعد أقل من شهر، كان عادل بقى عايش معانا في البيت، ومعاه ابنه كريم، عنده 19 سنة.
كريم كان سايب دراسته، مش بيشتغل، ورخصته كانت متسحوبة بعد ما اتقفش قبل كده وهو سايق وهو شارب.
ومن أول يوم شاف فيه العربية، اتعلق بيها بشكل غريب.
طب ما تديهالي لفة واحدة بس يا سارة.
كان دايمًا يقولها وهو بيبص للعربية.
لأ يا كريم.
يعني إيه لأ؟ دي عربية في البيت!
العربية دي بتاعة أبويا، وبعدين إنت أصلًا رخصتك مسحوبة.
من هنا بدأت المشاكل.
عادل كان دايمًا يلمح إني شايفة نفسي عشان عندي شغل وفلوس.
وأمي بدأت تطلب مني فلوس أكتر بحجة مصاريف البيت.
أما كريم، فكان بيتعمد يركن موتوسيكل قدام العربية، ويضحك لما أطلب منه يبعده عشان أعرف أخرج.
كل يوم كان بيعدّي، كنت بحس إن البيت اللي أبويا سابهولي بيتحول لحاجة غريبة، وأنا بقيت فيه مجرد ضيفة.
لحد ما كل حاجة انفجرت في ليلة من ليالي الشتاء.
كنا رايحين نتعشى في مطعم ناحية العين السخنة بمناسبة عيد ميلاد كريم.
الجو كان سيئ جدًا، والمطر نازل بغزارة، والطريق كان زلق والرؤية ضعيفة.
بعد ما خرجنا من المطعم، كريم كان ريحة الكحول طالعة منه بوضوح.
مد إيده وقال
هاتي المفتاح، أنا اللي هسوق وإحنا راجعين.
بصيت له باستغراب.
مستحيل.
أمي مسكت دراعي وقالت بعصبية
بلاش تعملي مشكلة في عيد ميلاد أخوكي.
أخويا إيه يا ماما؟ ده مش أخويا، وبعدين هو شارب ومش معاه رخصة!
عادل ضحك وقال باستخفاف
يا بنتي ما تكبريش الموضوع. هو هيسوق شوية وخلاص.
هزيت راسي وقلت
لأ. العربية دي مش هتتحرك من هنا غير وأنا اللي سايقة.
وفجأة، كريم خطف المفتاح من إيدي.
خلاص بقى!
فتح باب العربية، ركب مكان السواق، وقفل الأبواب بسرعة.
جريت ناحية الباب.
كريم! افتح الباب!
أمي بصتلي وقالت ببرود
يا تركبي معاه يا سارة، يا تفضلي هنا لوحدك.
عادل ابتسم وقال
هي مش هتقدر تعمل حاجة.
دخلت العربية من ناحية الراكب، وأنا كل تفكيري إني أمنعه ياخدها لوحده.
كان ده أسوأ قرار خدته في حياتي.
كريم ضغط على البنزين بقوة، وطلع على طريق القاهرةالعين السخنة بسرعة جنونية.
المطر كان بيخبط في الزجاج، والطريق زلق، وأنا كنت ماسكة في الكرسي بإيدي.
هدي السرعة يا كريم!
ضحك.
متخافيش، أنا بعرف أسوق.
إنت شارب! وقف العربية!
إنتِ بس اللي جبانة.
وبدأ يزوغ بين العربيات، ويضغط على البنزين أكتر.
صرخت فيه
كريم! إنت هتقتلنا!
لكنه كان بيضحك.
وفجأة، في واحدة من المنحنيات، العربية فقدت السيطرة.
العربية بدأت تلف حوالين نفسها.
صرخت بكل قوتي.
يا ماماااا!
كنا متجهين مباشرة ناحية الحاجز الحديدي.
وفي اللحظة دي، كريم عمل حاجة عمرها ما هتطلع من دماغي.
فك حزام الأمان.
فتح باب العربية.
وقفز منها وهي لسه ماشية.
أنا ما كانش عندي حتى ثانية أستوعب اللي حصل.
فضلت محبوسة في ناحية الراكب.
وبعدها
العربية خبطت في الحاجز بكل قوتها.
آخر حاجة فاكرها كانت صوت الحديد وهو بيتكسر، والزجاج وهو بيتناثر حواليا.
وبعدها كل حاجة اسودّت.
لما فتحت عيني، كنت في المستشفى.
وجسمي كله بيوجعني.
كان عندي ضلعين مكسورين، وكتفي الشمال مصاب، ودماغي مليانة دوخة وألم.
كنت متوقعة إن أول حاجة أمي تقولها تكون
إنتِ كويسة؟
لكنها ما قالتش كده.
ولا حتى سألتني إذا كنت محتاجة حاجة.
قربت مني، وبصت في عيني، وقالت بصوت واطي
إنتِ هتقولي للدكتور إنك إنتِ اللي كنتِ سايقة.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
إيه؟
سمعتي.
بس يا ماما كريم هو اللي كان سايق!
وشها اتغير.
قربت أكتر، ومسكَت كتفي المصاب وضغطت عليه بقوة.
صرخت من الوجع.
آآآه!
في نفس اللحظة، جهاز المراقبة بدأ يطلع صوت إنذار.
لكن أمي ما اهتمتش.
وقالت
عندك خمس دقايق بس تعدلي كلامك.
بصيت لها وأنا دموعي نازلة.
إنتِ عايزاني أدخل السجن بدل كريم؟
قالت ببرود
لو قولتي الحقيقة، كريم هيتحبس.
سكتت ثواني، وبعدين قالت الجملة اللي كسرت حاجة جوايا
ولو إنتِ فعلًا بنتي هتضحي عشانه.
حاولت أستوعب كلامها، لكن الألم كان أكبر من قدرتي على التفكير.
قربت من ودني وهمست
لو اتكلمتي، بالنسبة لي إنتِ مش بنتي من النهارده.
خرجت من الأوضة وسابتني لوحدي.
فضلت باصة للسقف، والدموع بتنزل على وشي.
في اللحظة دي، حسيت إن الحادثة ما كانتش أصعب حاجة حصلتلي.
الأصعب كان إني اكتشفت إن أمي مستعدة تبيعني عشان تنقذ ابن جوزها.
لكن أمي ما كانتش تعرف حاجة واحدة.
قبل الحادث بيوم، كنت ركبت كاميرا مراقبة صغيرة داخل العربية عشان كنت بدأت أشك إن كريم بياخدها من غير إذني.
والكاميرا
كانت بتسجل كل حاجة.
فتحت الموبايل بإيدي السليمة، ودخلت على التسجيل.
شغلت الفيديو.
ظهر كريم وهو بياخد المفتاح مني بالقوة.
ظهر وهو بيركب مكان السواق.
ظهر وهو بيسوق بسرعة.
وظهر بوضوح
وهو بيفك حزام الأمان وبيقفز من العربية قبل لحظات من الحادث.
ابتسمت رغم الألم.
لأول مرة من ساعة ما فتحت عيني في المستشفى، حسيت إني مش ضعيفة.
لأن كذبة أمي كانت لسه ما بدأتش تقع
لكن أنا كنت على وشك أخليها تقع كلها.
الجزء الثاني
الممرضة دخلت الأوضة تجري بعد ما جهاز المراقبة فضّل يزرّق ويطلع صوت الإنذار العالي. كانت مخلوعة وبيباين على وشها القلق، جِت ناحيتي بسرعة وصوتها متوتر
خير يا سارة؟ في إيه؟ حاسة بألم شديد؟
غمضت عيني لحظة وأنا بحاول أخد نفسي بالعافية، ضلوعي المكسورة كانت بتخلّي كل نَفَس يدخل صدري زي نار بتكويني، غير وجع كتفي اللي أمي ضغطت عليه ببشاعة من غير ما يرف لها جفن. بلعت ريقي بصعوبة وهزيت راسي لورا على المخدة وقلت بصوت مشحون بالدموع مكتوم
مافيش.. ألم شديد بس جه فجأة، أنا كويسة دلوقتي.
الممرضة بصت لجهاز القلب، وظبطت محلول المحافظة على الضغط، وقالت وهي بتهديني
ما تتكلميش كتير، ولا تتصبي بالتوتر ده، الضغط عندك عالي جدًا وده خطر على جرح الكتف والارتجاج. أنا هسكنلك الألم شوية، وناصحة ليكي اهدى خالص.
أول ما خرجت وقفلت الباب وراها، الأوضة رجعت للسكون المرعب تاني. صوت أجهزة العناية البيب.. بيب المنتظم كان هو الصوت الوحيد، ومعه صوت أفكاري اللي كانت بتغلي زي البركان. مسكت الموبايل بإيدي اليمين السليمة اللي كانت بترتعش، مش من الخوف، لكن من قمة الصدمة والوجع. الفيديو كان لسه شغال على شاشة الموبايل، واضح بنقاء شديد.. صوت كريم وهو بيزعق ويخطف المفتاح، صوته وهو بيضحك باستهتار على الطريق، ووشه البشع وهو بيفك الحزام وبيفتح الباب عشان يرمي نفسه ويسيبني لمصيري.
اللقطة دي بالذات كانت كفيلة إنها تمحي أي طرة رحمة أو حنية كانت فاضلة في قلبي ناحية أمي. لو إنتِ فعلًا بنتي.. هتضحي عشانه؟ الكلمة دي كانت بتتردد في ودني زي صدى صوت

تم نسخ الرابط