ست شهور بحوش منى السيد

لمحة نيوز

حاجة يا أمي.. أنا بس رجعت بيتي. الحساب اتقفل، وأحمد طلع يدفع الفاتورة.
أما على الناحية التانية.. في شركة أحمد في التجمع الخامس..
أحمد كان قاعد في مكتبه، وشه أصفر زي الليمونة، ولابس الترينج القديم المبهوق وسط زمايله اللي كانوا بيبصوا له باستغراب وتهامس.
الموبايل في إيده ما كانش بيبطل رن.
أمه بتمسح بكرامته الأرض في التليفون وتصرخ فيه وتقول له يا خايب يا فضيحتنا وسط الناس!..
وأخته هبة بعتت له رسالة بتهدده إنها مش هتدخل بيته تاني..
ونهى شريف.. الزميلة اللي كان طالع معاها.. دخلت عليه المكتب فجأة وهي ماسكة موبايلها وشها أحمر من الغضب، وقالت بصوت واطي بس يرعب
أحمد! هو إيه الإيميل اللي جاي لي على ميل الشركة ده من محامي مراتك؟! هو إنت مجنون؟! إنت مدخل اسمي في قضايا ومحاضر تبديد بسبتك؟!
أحمد بص لنهى، وبعدين بص لموبايله اللي جاية له عليه رسالة إنذار قضائي على إيميله الشخصي..
حس إن الدنيا كلها بتلف بيه، وإن السحر انقلب على الساحر بسرعة ما كانش يتوقعها أبداً.
مريم ما اكتفتش بتدمير خطته.. مريم بدأت الحرب الحقيقية، وأحمد ما كانش حاسب إن الست اللي كانت بتحسب كل جنيه عشان تريح جيبه.. ممكن تحسب كل ثانية عشان تاخد حقه منه بالمثل!
لكن اللي أحمد ما كانش يعرفه.. إن مريم كانت شايلة له مفاجأة تالتة.. مفاجأة في الشغل بتاعه نفسه، هتخلي رحلة العين السخنة دي.. هي آخر رحلة يقدر يفكر فيها في حياته!
الجزء الرابع والأخير
اليوم التالي، الساعة تسعة الصبح.
الشمس كانت طالعة صافية فوق القاهرة، بس جوه مبنى الشركة الاستثمارية الكبيرة في التجمع الخامس، الجو كان أشبه بعاصفة ثلجية بتضرب المكان.
أحمد كان قاعد على مكتبه، يحاول يركز في شاشة الكمبيوتر قدامه، بس عينيه كانت مجهدة زايغة، وجفونه منتفخة من قلة النوم. طول الليل وهو قاضيها لف في الشقة الفاضية زي المجنون، ينط من أوضة لأوضة، يدور على أي هدوم صالحة للبس ملقاش غير شورتات بحر وقمصان صيفية قديمة من أربع سنين. اضطر يلبس قميص كستور قديم كان معلقه ورا الباب، وياخد بعضه وينزل عشان ميفوتش الميعاد.
بس مشكلته مكنتش في الهدوم بس.. مشكلته كانت في الهدوء المريب اللي سببه محامي مريم.
فجأة، الباب الخشب التقيل بتاع قسم الموارد البشرية HR اتفتح، وخرجت منه نهى شريف. وشها كان جايب ألوان، وشفايفها بملامح مشدودة وهي شايلة شنطتها على كتفها وتلمح أحمد بعينين مليانين غل وقرف.
مشيت ناحيته بخطوات سريعة، وضربت بكعب جزمتها على الأرض بصوت يرن في الطرقات، وقفت قدام مكتبه وقالت بصوت واطي وبحيح مليان تهديد
إنت حسابك معايا مش هنا يا أحمد.. حسابك معايا بعدين. إنت فاكر لما تتدبس في مصيبة وتسحب اسمي معاك إنها هتعدي؟ الإيميل اللي بعته محامي هانم هانمك لل HR النهاردة الصبح حطني في موقف زبالة قدام الإدارة!
أحمد اتنفض من كرسيه وبص حواليه برعب، يوشوشها
وطي صوتك يا نهى يخرب بيتك! إيميل إيه اللي راح لل HR؟!
الإيميل اللي فيه صور الحجز بتاع العين السخنة!
نهى قربت منه أكتر وقالت بفحيح
المحامي بعت إخطار رسمي للشركة بيبلغهم إنك بتستغل ميزانية الانتداب والسفريات الخارجية وتستعمل الفيزا المحاسبية بتاعة العمليات في حجز رحلات شخصية واستجمام تحت بند سفريات عمل! إنت متخيل إنت عملت إيه؟! إنت مش بس فصحتنا وفضحت نفسك.. إنت دخلت الشركة في حيطة سد بسبب نمرة الغباء اللي عملتها!
أحمد حك جبهته بإيده وهو بيحس إن دماغه بتتفرتك
فيزا العمليات؟! أنا محجزتش بفيزا العمليات! أنا حجزت بفيزتي أنا!
لأ يا فالح!
نهى هزت رأسها بسخرية قاسية
إنت من كتر لغبطتك وغباءك وأنت بتعمل الحجز الشهر اللي فات، استعملت كارت الفيزا المربوط بالحساب البنكي المزدوج اللي الشركة عملتهولك عشان مصاريف المبيعات والعملاء! ومريم لما فتحت اللابتوب بتاعك وطبعت كشف الحساب، طبعت رقم الكارت المربوط بالشركة! المحامي بتاعها ذكي.. ذكي أوي للدرجة اللي تخلي الإدارة تراجع كل السحبيات اللي عملتها من الحساب ده خلال الست شهور اللي فاتوا!
أحمد اتسمر مكانه. ركبه خارت وقعد على الكرسي تاني زي الشوال.
أحمد كان فعلاً بياخد مبالغ صغيرة من كارت مصاريف الشغل تحت بند ضيافة عملاء وانتقالات ميدانية، ويحولها لحسابه الشخصي بالتدريج عشان يقفل مبلغ ال 134 ألف بتوع الرحلة، وهو متأكد إن الحسابات مش هتدقق في الفراقات الصغيرة دي طالما البيزنس شغال. كان فاكر إن محدش هياخد باله.. بس مريم لما جمعت الدفتر وبصت في صور الشاشة، سلقت البيانات كلها وأدتها للمحامي اللي قدر بنظرة واحدة يفهم إن الأرقام مش راكبة مع مرتب أحمد الفعلي!
قبل ما أحمد ينطق أو يفتح بوقه، صوت التليفون الداخلي الإنتركوم على مكتبه رن.
صوت سكرتيرة المدير العام جاء جاف وصارم
أستاذ أحمد.. الباشمهندس طارق طالبك في مكتبه فوراً.. ومعاك أستاذة نهى.
أحمد بص لنهى، ونهى بصت له بقرف، ومشيوا الاتنين ناحية مكتب المدير العام زي اللي رايحين حبل الإعدام.
في نفس الوقت، في شقة المقطم..
مريم كانت قاعد على ترابيزة المطبخ، قدامها طبق فول دافي وفنجان شاي بالنعناع. أمها كانت رايحة جاية في المطبخ، تبص لها بشفقة وحيرة، ومش قادرة تستوعب الهدوء الصادم اللي مريم فيه.
يا بنتي فهميني.. إنتِ بجد مش زعلانة؟ مش حاسة بحسرة على السنين اللي ضاعت؟ الست شهور دول إنتِ كنتِ بتموتي نفسك فيهم من الجوع والتوفير!
مريم أخدت رشفة شاي بالراحة، حطت الفنجان على الطبق وقالت بابتسامة هادية
الزعل يا أمي بيبقى على حد يستاهل. على راجل كان بيبني معاكي بجد واتهدم البيت بظروف غصب عنه. بس أحمد؟ أحمد مكنش بيبني معايا.. أحمد كان بيسرقني. كان بياكل من عرق حيرتي وتوفيلي عشان يروح ينبسط. عارفة يا أمي؟ ال 96 ألف جنيه دول كانوا ثمن غشاوة نزلت من على عيني. أنا دفعتهم عشان أشتري حريتي وأعرف حقيقة البني آدم اللي كنت مأمنة له.
الموبايل على الترابيزة رن. كان الأستاذ أشرف المحامي.
مريم فتحت السبيكر
أيوة يا متر، خير؟
صباح الفل يا مدام مريم. حبيت أطمنك.. الإنذارات وصلت للشركة ولبيت أمه، والمحضر بتاع تبديد المنقولات اتسجل برقم رسمي في قسم الشرطة التابع لشقتكم.
وموضوع الشركة يا متر؟
الأستاذ أشرف ضحك بصوت مرتفع
موضوع الشركة ده بقى القاضية! الإيميل اللي بعثناه لقسم المراجعة المالية والشؤون القانونية عندهم عمل حريقة. المدير المالي راجع الحسابات بنفسه ولقى إن أحمد كان بيلعب في فواتير الانتقالات وضيافة العملاء من ست شهور، والمبلغ المتبدد من حساب الشركة غير الفلوس اللي خدها منك طالع حوالي 85 ألف جنيه كمان!
مريم سكتت ثانية، وبعدين سألت
وإيه اللي هيحصل دلوقتي؟
الشؤون القانونية في الشركة استدعوه فوراً للتحقيق. قدامه خيارين لا ثالث لهما يا إما يدفع المبالغ دي كلها كاش خلال 48 ساعة، يا إما الشركة هترفع عليه قضية اختلاس وخيانة أمانة وتفصله فصل تعسفي بدون أي مستحقات!
أم مريم شهقت وحطت إيدها على صدرها
يا ساتر يا رب! يفضحه في شغله ومستقبله يضيع؟!
مريم بصت لأمها بثبات وقالت للمحامي
خليه يدوق من نفس الكأس يا متر. هو مفرمتش قلبي ولا حرحش كرامتي لما حط اسم أمه في حجز مشبوه عشان يغطى على قذارته. خليه يتحمل نتيجة أفعاله.
مضبوط يا مدام مريم. وبكرة الصبح هنعمل طلب تمكين واسترداد للمنقولات بالقوة الجبرية لو مفرغش الشقة وسلمك حاجتك بنفسه.
نرجع لمكتب المدير العام في التجمع الخامس..
الجو جوة كان أحر من النار. الباشمهندس طارق، راجل في الخمسينات، شعره أبيض وجاد جداً، كان قاعد ورا مكتبه الفخم، وقدامه الملفات المالية الخاصة بأحمد وكشوف الحسابات.
جنبه كان قاعد المدير المالي ومدير الموارد البشرية.
أحمد كان واقف وركبه بتخبط في بعضها، الترينج المبهوق والقميص الكستور مخلين شكله زي الشحاتين وسط المكتب الفخم، ونهى واقفة جنبه مربع إيديها وبتبص في الأرض بعيد عنه.
الباشمهندس طارق رمى القلم على المكتب بصوت عالي
أنا مش قارد أصدق! إنت بجد يا أحمد بتستغل ثقتنا فيك والفيزا المفتوحة بتاعة الانتقالات عشان تحجز رحلات استجمام شخصية للعين السخنة؟! وعامل الحجز باسم والدتك ومقضيها مع زميلتك في الشركة؟!
أحمد اتكلم بصوت مرعوب وبيقطع
يا فندم والله العظيم سوء فهم! الفلوس دي أنا كنت هردها للحساب تاني.. أنا بس كان عندي زنقة مالية و
المدير المالي قاطعه بحزم
رد الفلوس ده لما تكون واخد سلفة بعلم الإدارة! مش لما تزور فواتير ضيافة عملاء وتكتب إنك كنت مع وفد أجنبي وأنت كنت بتحول المبالغ دي لحسابك الشخصي عشان تقفل حجز ال 134 ألف! حركة المحامي بتاعة مدام مريم كشفت التلاعب كله، وبناءً عليه الشركة مش هترحمك!
الباشمهندس طارق بص لأحمد بصرامة
قدامك خيارين يا أحمد.. ومافيش خيار تالت.
المبلغ الإجمالي اللي اتسحب من فيزا الشركة بدون وجه حق 85 ألف و جنيه. تدفعهم بالكامل في خزانة الشركة قبل الساعة واحدة ظهر بكرة.. وتقدم استقالتك فوراً وبدون أي مكافأة نهاية خدمة.
أحمد اتصدم وصرخ
استقالة؟! يا باشمهندس أنا بقالي خمس سنين في الشركة!
ولو مادفعتش واستقلت بنفسك..
الباشمهندس طارق كمل وهو بيشاور للمدير القانوني
البلاغ بتهمة الاختلاس وخيانة الأمانة هيتقدم للنيابة العامة الساعة واحدة والدقيقة خمسة. إنت ونهى!
نهى أول ما سمعت اسمها اتنفضت وقالت بانهيار ودموع
أنا ماليش دعوة يا باشمهندس! هو اللي حجز وهو اللي قال لي إن دي رحلة مكافأة من الشركة للموظفين المتميزين! أنا مكنتش اعرف إنه ساحب الفلوس دي من حساب العمليات! والله العظيم أنا اتخدعت فيه زي مراته بالضبط!
أحمد بص لنهى بذهول، مش مصدق إنها بتبيعه في ثانية عشان تنقذ نفسها
نهى؟! إنتِ بتقولي إيه؟! إنتِ كنتِ معايا في كل خطوة وعارفة إن الفلوس دي
نهى صرخت فيه بغضب
أخرس يا نصاب! إنت ضيعت مستقبلي ودمرت سمعتي في الشركة! أنا أصلًا مش عايزة أعرفك تاني، ويا باشمهندس أنا مستعدة أقدم استقالتي فوراً وأشهد ضد أحمد في النيابة لو التحقيق اتفتح!
الباشمهندس طارق هز رأسه بقرف وقال
اتفضلوا برة المكتب أنتم الاتنين. قدامك لليوم بكرة يا أحمد.. الفلوس تسترد والاستقالة تتقدم.. يا إما هتبات في القسم بكرة بالليل.
خرج أحمد من المكتب ومشي في الطرقات زي الميت. زمايله في القسم كانوا بيبصوا له بفضول وتهامس، الأخبار انتشرت في الشركة زي النار في الحطب. نهى سابته وجريت على مكتبها تلم حاجتها وتعيط، وأحمد مشي لحد أسانسير العمارة وهو حاسس إن السقف بيقع عليه.
85 ألف جنيه للشركة..
و ألف جنيه لمريم..
وقائمة المنقولات اللي بتتقدر ب 250 ألف جنيه..
غير قضايا المؤخر والنفقة!
منين؟ أحمد مكنش حيلته غير ال 134 ألف اللي محجوزين في المنتجع الصحي في العين السخنة.. والرحلة نفسها غير قابلة للاسترداد!
الساعة أربعة العصر، أحمد كان واقف قدام شقة أمه في شارع الميرغني.
فتح الباب بالمفتاح ودخل. الشقة كانت ظالمة ورائحة البخور فيها تقيلة.
في الصالة، كانت الكراتين الأربعة بتوع هدومه مرميين في النص زي الزبالة. الحاجة نوال أمه كانت قاعدة على الكنبة ولابسة طرطة سودا، وجنبها هبة أخته اللي كانت باصة له بنظرات مليانة قرف واشمئزاز.
أول ما أمه شافته بالترينج القديم والقميص الكستور ووشه الأصفر، رميت المسبحة من إيدها وقالت بصوت مكسور ومليان غضب
أهلاً بالبيه.. أهلاً بالبار بأمه! أهلاً باللي استغل اسم أمه المريضة عشان يغطي على الخياسة بتاعته!
أحمد قرب من أمه وحاول
تم نسخ الرابط