منزل العائلة
المحتويات
أكيد هي اللي ملته وعملت له غسيل مخ! هم أصلهم عالم جحدين، بعد ما أكلت وشربت عندنا وعاشت في عزنا، طالعة تعمل علينا هانم وبتتشرط!
لكن الحقيقة التي كنا نتهرب منها جميعاً هي أننا سلبنا من شيماء كل شيء، حتى خيل لنا أنها لم تعد تملك شيئاً تخسره. وعندما لا يملك الإنسان ما يخسره، يصبح أقوى منا جميعاً.
مرت أيام قليلة، والبيت أصبحت جوه مسموماً. الضرة الجديدة، نادية، التي كنا نرفعها فوق الرؤوس، بدأت تظهر طباعها الحقيقية. لم تكن شيماء الطيعة الهادئة. نادية كانت تطالب بالخدمة، ترفض تنظيف السلم، وتصرخ في وجه حماتي إذا انتقدت طريقة تربيتها للطفل أو طبيعة أكلها.
في أحد الأيام، بعد أسبوعين من خروج شيماء، كانت حماتي تجلس في الصالة، وأنا أعد القهوة في المطبخ. دخلت نادية وهي تحمل طفلها الذي كان يبكي بحرقة.
قالت حماتي بزجر ما تسكتي الولد ده يا نادية! الشقة بقت تجيب الصداع طول النهار والليل! ما تديلو اللبنة ولا اعملي له كراوية!
ردت نادية بجفاف وهي تضع الطفل في حماتي بقسوة أنا تعبانة طول الليل مانمتش! خذيه أنتِ سكتيه ولا اعملي له أنتِ الكراوية، أنا مش شغالة عند حد هنا! أنا المخدومة في البيت ده عشان جيبت لكم الولد اللي بيض وشكم!
ذهلت حماتي من الوقاحة، واتسعت عيناها بغضب انتِ بتكلميني أنا كده؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت؟
ردت نادية وهي تستدير ذاهبة إلى شقتها لا مانسيتش، بس أنا مش شيماء اللي كانت بتسكت لكم وتبلع لكم الزلط وترموا أكلها في الزبالة وتضحكوا عليها! أنا ليا ظهر ويا ويل اللي يجي عليا!
وقعت الكلمات على رأس حماتي كالمطرقة. خرجت أنا من المطبخ وأنا أحمل القهوة، وعيناي معلقتان ببيت الحمات التي بدأت تترنح. لأول مرة، رأيت في عيني حماتي نظرة ندم خفية، أوربما خوف من المستقبل الذي أصبحت فيه نادية هي الآمرة الناهية.
في الأسبوع الثالث، وصلتنا الورقة الرسمية. لم تكن دعوى خلع كما هددت شيماء، بل كانت إنذاراً بطلب الطلاق للضرر، مرفقاً بقائمة من الادعاءات والمستندات، ومصحوبة بطلب لاسترداد كامل مؤخر صداقها وقائمة منقولاتها الزوجية بحسب القانون.
اجتمع أحمد مع إخوته وأمه في الصالة. كان وجهه أصفر كالليمون وهو يقرأ الورقة القانونية.
قال أحمد بصوت مرتعش شيماء رافعة قضية ضرر، ومجهزة شهود من الجيران.. الجيران يا أمي! الجيران اللي كانوا بيشوفوها بتعيط على السلم، والجيران اللي سمعوا صوتك وأنتِ بتقولي لها رمينا أكلك في الزبالة!
صرخت حماتي الجيران؟ الجيران يتدخلوا في بيتنا؟ يتكلموا عن بيت الحاج العتيق؟
رد أحمد بقلة حيلة الجيران شافوا وسمعوا كل حاجة، وشيماء راحت للست أم أمل اللي قصادنا، وأم أمل هي اللي شهدت معاها في المحضر وقالت إن شيماء كانت بتتعامل معاملة العبيد في البيت ده!
تطلعتُ إلى سلفتي الثانية وأخت زوجي، ورأيت الخوف في عيونهن لأول مرة. الدائرة بدأت تدور علينا. الطيبة والهدوء اللذان استغللناهما في شيماء تحولا إلى حصن قانوني وأخلاقي يهدد بتهديم هيبة البيت بأكمله.
وفوق كل هذا، بدأت الإشاعات تنتشر في الشارع الشعبي كالنار في الهشيم. الناس الذين كانوا يشاركوننا الضحك ظاهرياً، بدأوا يتهامسون خلف ظهر حماتي بيت فلان قهروا اليتيمة لحد ما طردوها.. بيت فلان رموا نعمة ربنا عشان يكسروا بخاطر ست مالهاش حد.. ربنا مش بيسيب الظالم.
في إحدى الليالي، بينما كنت أقف في شباك شقتي في الدور الثاني، أرقب الشارع الهادئ في وقت متأخر من الليل، رفعت رأسي ونظرت إلى شباك شقة شيماء المغلق بالأغلال. كانت أضواؤها مطفأة، والهواء يحرك الستارة البيضاء البسيطة التي تركتها خلفها.
تذكرت كم مرة رفعت رأسها من هذا الشباك وهي تبكي، وكم مرة أغلقت الشباك بسرعة كي تداري دموعها عن ضحكاتنا الخسيسة. تذكرت وجهها الباهت وهو يلم الزجاج المكسور في يوم العقيقة، وكلماتها الخالدة قبل أن ترحل اللي ما بيبقاش خايف من الموت، ما بيخافش من تهديدك.
في تلك اللحظة بالذات، شعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي. علمت أن العقاب لم يبدأ بعد، وأن القهر الذي صببناه في قلب تلك المسكينة، سينهمر علينا قطرة قطرة، وأن بيتنا الكبير الذي بنيناه على أنقاض يتيمة، بدأ يتشقق من الداخل، وأن النهاية لن تكون في صالح أي أحد منا.
هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.
تغير كل شيء في البيت بعد رفع قضية الطلاق للضرر. خيم على الأرجاء جو من التوتر والترقب، ولم تعد الضحكات العالية تصدر من صالتنا كما كانت من قبل. كانت نادية، الضرة الجديدة، قد فرضت سيطرتها الكاملة؛ لم تعد تكتفي برفض الخدمة، بل أصبحت تتصرف بصفتها سيّدة البيت الجديدة والوحيدة، مستغلة وجود طفلها الذي طالما انتظرته حماتي.
أما أحمد، فقد أصبح يتردد يومياً على المحامين والأقارب، يحاول إيجاد مخرج يحفظ له هيبته أمام الناس. كان كبرياؤه يمنعه من الاستسلام لطلبات شيماء، لكن الخوف من فضيحة الشهادات والقضايا كان يأكل قلبه.
وفي يوم الجلسة الأولى بالمحكمة، كان الموقف مهيباً وشديد القسوة على الجميع. حضرت حماتي مع أحمد لتسانده، وذهبتُ أنا وأخت زوجي بدافع الفضول والخوف مما قد يحدث. هناك، في ساحة المحكمة المزدحمة، رأينا شيماء.
لم تكن شيماء التي عرفناها. كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة ونظيفة، تقف بجوار أخيها محمود الذي كان يحيطها بذراعه بحماية واضحة. لم يكن على وجهها أي أثر للخوف أو الانكسار؛ كانت ملامحها هادئة، ونظراتها مستقيمة، وكأنها تخلصت من ثقل سنين الظلم بمجرد خروجها من باب بيت العيلة.
عندما وقعت عين حماتي عليها، حاولت الاندفاع نحوها وهي تصيح ناهرة يا بت أنتِ، فاكرة نفسك هتلعبي معانا في المحاكم؟ أنتِ نسيتي أصلك ولا إيه؟
لكن أخاها محمود وقف حائلاً بينهما بصلابة، وقال بصوت حاسم أسمع الحاضرين الزمي حدودك يا حاجة! أختي خلاص بقت في حمايتي، والكلمة هنا للقضاء والقانون. اللي عملتوه فيها أربع سنين هتدفعوا تمنه بالقانون والشرع.
دخل الجميع إلى قاعة المحكمة. وقف المحامي الخاص بشيماء يستعرض الأدلة وشهد الشاهدين؛ حيث حضرت الست أم أمل الجارة القديمة، وأدلت بشهادتها أمام القاضي بثبات، حكية عن الإهانات المستمرة، وعن طرد أكل شيماء في الزبالة علناً، وعن الصوت العالي والتريقة التي كانت تصل لإذني الجيران كل يوم.
حاول محامي أحمد الإنكار والتطاول، واصفاً الادعاءات بأحقد النساء ومشاكل الحموات العادية، لكن القاضي استمع بتمعن ونظر إلى شيماء وسألها مباشرة هل تطلبي الطلاق مع التنازل، أم تتمسكي بالضرر واسترداد كافة حقوقك؟
وقفت شيماء أمام القاضي، وبلعت ريقها، ثم قالت بصوت واضح هز جنبات القاعة أنا يا سيادة القاضي ما ظلمتش حد، ولا اعتديت على حد. أنا دخلت البيت ده يتيمة، وأخلصت لهم وخدمتهم بعيني، بس هم استضعفوني عشان ماليش سند. أنا متمسكة بحقي كاملاً، مش عشان الفلوس، لكن عشان يعلموا إن اليتيم له رب يسند ويجيب له حقه لما البشر يظلموه.
تأجلت النطق بالحكم للجلسة القادمة، لكن الجلسة كانت بمثابة ضربة قاضية لأحمد وحماتي. خرج أحمد من القاعة
متابعة القراءة