بنت جوزى امانى السيد
المحتويات
قطع آخر خيط أمل كانت ماسكة فيه.
عرفت إن مفيش حد هينقذها غير نفسها، وإن الاستسلام مش هيجبلها غير ذل فوق ذل. مسحت دموعها بسرعة لما سمعت صوت خطوات شمس بتقرب من باب المطبخ، وبصت حواليها في المكان الضيق اللي بقت محبوسة فيه، وبدأ عقلها يدور على أي ثغرة..
رغم كلام حسام اللي كان بيحاول يطمنها بيه، إلا إن قلب الأم مكنش مرتاح.. غريزة الأمومة وخوفها على البنت اللي ربتها وكبرتها على إيدها خلوا الشك ينخر في عقلها. مر يومين بعد المكالمة وشيماء برضه مكلمتهاش، وهنا مقدرتش تصبر أكتر، جهزت نفسها وقررت تروح زيارة مفاجئة من غير ما تبلغهم، علشان تطمن بعينيها وتشوف عيشتهم عاملة إزاي.
وصلت قدام باب الشقة، دقات قلبها كانت سريعة وغريبة، رفعت إيدها ورنت جرس الباب.
جوه الشقة، كان حسام نازل مشوار سريع ومش موجود، وشمس كانت قاعدة في الصالة بتتفرج على التليفزيون، وشيماء راكعة على الأرض في الصالة بتمسح البلاط بهدوم مبهدلة ووش شاحب وخاسس بشكل يخض.
شمس سمعت الجرس، وبصت لشيماء بنفاذ صبر وقالت بحدة
قومي افتحي الباب شوفي مين بيخبط.. وبطلي برود!
قامت شيماء بصعوبة وضهرها محني، مسحت إيديها المبلولة في طرف عبايتها وفتحت الباب ببطء.. أول ما الباب اتفتح، رفعت عينيها ولقت حماتها واقفة قدامها بابتسامة ولهفة، لكن الابتسامة دي اتجمدت على وش الأم في ثانية واحدة.
الأم رجعت خطوة لورا من هول الصدمة، عينيها بتتنقل بين وش شيماء المجهد اللي باين عليه أثر الدموع والقهر، وعينيها الدبلانة، وبين لبسها المبهدل وإيديها المتشققة من المية والكلور.. وفوق كل ده، شافت شمس قاعدة وراها في الصالة بأريحية ولابسة هدوم شيماء وماسكة في إيدها مج نسكافيه.
الأم شهقت بصوت عالي وهي حاطة إيدها على صدرها
شيماء؟! إيه اللي جرى لك يا بنتي؟! إنتي مالك شكلك عامل كده ليه؟ ومين الست اللي قاعدة جوه دي؟!
شيماء أول ما شافت الست اللي كانت ليها أم وأمان سنين، مقدرتش تمسك نفسها، انفجرت في عياط هستيري وانهارت على ركبها عند عتبة الباب، من غير ما تنطق بحرف، والدموع بتنزل تحكي كل الذل والقهر اللي عاشته الأيام اللي فاتت.
ياترى رد فعل ام حسام ايه
الأم وطّت على الأرض في ثانية، حضنت شيماء ورفعتها من الأرض بإيديها وهي حاسة بجسم البنت كله بيرتعش.. بصت لشمس اللي قامت وقفت ببرود وتكبر، وبصت للبيت اللي مقلوب، وشافت المطبخ المفتوح اللي مفروش فيه على الأرض، وفهمت كل حاجة في لحظة واحدة؛ غدر ابنها وعقده القديمة اللي حرق بيها بنت بريئة.
شمس اتكلمت ببرود واستحقار
إيه يا طنط؟ داخلة كده من غير إحم ولا دستور ليه؟ وبعدين سايبة العروسة ورايحة تحضني الخدامة؟!
الأم عينيها طق منها الشرر، وقفت قدام شمس زي الصخرة، وصوتها طلع قوي ومزلزل هز حيطان الشقة
اخرسي خالص واقطعي لسانك! خدامة إيه يا نكرة إنتي؟! دي ست البيت وبنت الأصول اللي ربيتها على إيدي.. أنتي مين أصلاً وإزاي تدخلي بيت ابني وتتجبري على لحمي ودمي كده؟!
في اللحظة دي اتفتح باب الشقة، ودخل حسام وكان ماسك أكياس طلبات، أول ما شاف أمه واقفة وشيماء منهارة وراها، اتجمد مكانه والأكياس وقعت من إيده.. وش حسام اصفر وقال بارتباك
أمي؟! أنتي.. أنتي جيتي إزاي وإمتى؟
الأم لفت لحسام، وبكل قهر وحرقة سنين، قربت منه وضربته قلم قوي رن في أرجاء الصالة، قلم نزل على وشه خلاه يرجع خطوة لورا من الصدمة.
زعقت فيه الأم بصوت يملأه الغضب والاشمئزاز
ده عقاب قلة أصلك وندالتك يا حسام! فاكر نفسك راجل؟! فاكر إنك كده بتنتقم لأمك؟ أنا عمري ما علمتك الخسة ولا الغدر! أبوك زمان خان وسابنا براجلته الناقصة، وإنت النهاردة طلعت أضل منه وأحقر.. استقويت على يتيمة كل ذنبها إنها وثقت فيك، وعيشتها في ذل وقهر تحت رجلين واحدة غريبة علشان تشفي غلك المريض؟!
حسام حاول يبرر بصوت مهزوز
يا أمي أنا عملت كده عشانك وعشاني! أمها دمرت بيتنا و..
قاطعته بحسم وقوة خلت شمس ترجع لورا بخوف
أمها ماتت وراحت للي خلقها، والبنت دي كبرت في حضني ومأذتكش في شعرة! الانتقام ده وسواسك إنت وغلك إنت، مش عشاني.. أنا بتبرأ من اللي عملته ده ليوم الدين، ومش هسمحلك تدوس على كرامتها دقيقة واحدة تانية!
لفت الأم لشيماء، مسكت إيدها بحنان وشدتها لورا ضهرها في حمايتها، وبصت لحسام بنظرة أخيرة كلها احتقار وقالتله بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش
ورقة طلاق شيماء توصلها النهاردة قبل بكرة بكل حقوقها.. والبيت ده ماليش خطوة فيه تاني، وإنت من اللحظة دي مش ابني ولا أعرفك لحد ما ترجع لعقلك وتعرف يعني إيه رجولة!
شدت شيماء من إيدها وخرجت بيها من الشقة، ورزعت الباب وراها بكل قوة، سايبة حسام واقف مكانه مشلول بين صدمة كلام أمه وخسارة كرامته، وشمس بتبصله بذهول وخوف من اللي جاي.
بالليل، الباب خبط خبطات ضعيفة ومكسورة.. فتحت الأم ولقت حسام واقف قدامها، وشه شاحب وعينيه حمرة من كتر الحبس في القهر. أول ما شافها، ما قدرش يصلب طوله، وقع على ركبه في الأرض ومسك إيدها وحط راسه عليها وانفجر في عياط هستيري وشهقات متقطعة، عياط طفل كان محبوس جواه سنين طويلة.
الأم كانت واقفة متجمدة، باصة له بوجع وصرامة، لكنه رفع وشه المبلول بالدموع وقال بصوت مخنوق ومكسور يقطع القلب
إنتي فاكرة إني عملت كده علشان أنا شرير يا أمي؟! والله العظيم لا.. أنا كنت بموت كل يوم ألف مرة وإنتي مش حاسة بيا! إنتي اتخطيتي وكملتي حياتك، بس أنا فضلت محبوس في اليوم اللي أبويا رمانا فيه وسابنا عشان أمها!
مسك في عبايتها برجاء وهو بيكمل كلامه بانهيار
كان نفسي في حضن أبويا يا أمي.. كان نفسي زي بقية العيال ييجي ياخدني من المدرسة، يقف في ضهري، يعلمني، يسندني لما أقع! كنت بمشي في الشارع عيني في الأرض من معايرة أصحابي.. كانوا بيضحكوا عليا في المدرسة ويقولولي أبوك هرب منك وسابك عشان أنت غبي ووحش، أبوك مبيحبكش ومستحملكش!.. الكلام ده كان بيدبحني، كان بيحرق في روحي سنين ومكنتش بقدر أقولك عشان متزعليش!
نزل راسه للأرض وصوته بيعلى بالبكا
كل ما كنت ببص في وش شيماء، كنت بشوف أبويا اللي رماني عشان أمها.. كنت بشوف العيل المكسور اللي اتعاير واتهان بسببهم! الغل عماني يا أمي، كنت فاكر إني لما أكسرها هنتقم لكرامتي وأرجع حقي من الدنيا، بس لما شوفت خيبتك فيا وحسيت إني خسرتك.. حسيت إني ضعت أكتر، ومبقتش عارف أنا مين ولا عملت كده إزاي!
الأم فضلت باصة له والدموع اتجمعت في عينيها؛ شافت قدامها ابنها الوحيد اللي الوجع واليتم شوهوا روحه، ورغم بشاعة اللي عمله، كانت سامعة صرخة طفل اتظلم زمان ودفع تمن غلطة مكنش ليه فيها يد.
نزلت الأم على ركبها قدامه، وحطت إيديها الاتنين على كتافه بحنان أموي غلب قسوتها، والدموع نزلت من عينيها بغزارة وهي بتمسح وشه المبلول بالدموع.. كان صوتها هادي، بس مليان عتاب
متابعة القراءة