دهبى امانى السيد

لمحة نيوز

بتعلن بداية جديدة، مش بس لرجوع حقي، لكن لكسرة كل ظالم فاكر إن حق الغلابة بيضيع بالفهلوة.
مرت شهور طويلة كانت المحاكم فيها بيتي التاني، مشاوير ومذكرات وجلسات مابتخلصش، بس كان عندي يقين إن ربنا مش هيضيع شقايا. وبعد معارك قانونية حامية كشفت كل تلاعبه، المحكمة أصدرت حكمها النهائي بقسمة الأصول والتخارج، أخدت فرعين بحكم قضائي بات الفرع الرئيسي القديم وأكبر فرع فيهم وهو رسي على الفرعين التانيين، غير إلزامه برد قيمة الدهب كاملة ونفقات الأولاد بأثر رجعي.
من أول يوم استلمت فيه الفرعين بتوعي، شمرت عن دراعي ونزلت بنفسي، نسيت التعب وقلة النوم. غيرت اليافطة بالكامل وخليتها باسم والدي الله يرحمه، ورجعت العمال القدامى والصنايعية الشاطرين اللي كان طاردهم عشان يوفر أجورهم، وبدأت أشتغل على خامات نظيفة وتشطيبات على أعلى مستوى وبأسعار عادلة. ثقتي في السوق وأمانتي مع التجار الكبار اللي عرفوا أصل الحكاية خلت المعارض عندي متفضاش، والطلبيات تنزل فوق راسي من كل المحافظات، واسمي كبر وبقى علامة مميزة في عالم الموبيليا.
على الناحية التانية، كانت الدنيا بتلف لعبد الله بطريقة ميعلمش بيها إلا ربنا.
نيرمين أول ما حست إن الفلوس بتقل والبريق طفى، بدأت تعمل خناقات يومية وتطالبه بمصاريف خيالية ومظاهر هو مابقاش قادر عليها. هو دخل في فخ الطمع، بدأ يسترخص في الخامات ويغش في التشطيبات عشان يلحق يسد الشيكات اللي على رقبته، فبدأت البضاعة ترجعله بعيوبها، والزباين يشتكوا، وسمعته في السوق بقت في الحضيض.
خلال سنة واحدة بس، التجار قفلوا الحنفية ومحدش رضي يديله متر خشب واحد بالآجل، والعمال سابوا ورشه لما اتأخرت يومياتهم. اضطر يعرض أول فرع للبيع برخص التراب عشان يسدد ديونه، ونيرمين في أول لحظة ضيق رفعت عليه قضية خلع وخدت اللي طالته منه وهربت.
وفي يوم كنت واقفة في الفرع الرئيسي بتاعي، لابسة أرقى ما عندي ووسط العمال والزباين والطلبيات بتتستف على العربيات، لمحته واقف على الرصيف المقابل من ورا زجاج المعرض. كان متبهدل، ضهره محني، ووشه شاحب والهم واكل ملامحه، باصص للنجاح والخير اللي ربنا كرمني بيه بعد ما كان فاكر إنه دَفني.
بصيتله لثواني معدودة، من غير شماتة ولا كره، مجرد شفقة على راجل فكر إن الغدر ممكن يبني بيه بيت أو يصنع بيه اسم، ورجعت أدير ضهري للشباك وأكمل شغلي، بعد ما ربنا كتبلي الرد العملي اللي مفيش أبلغ منه.
ممرتش دقايق ولقيت باب المعرض بيتفتح وصوت الجرس بيرن. دخل بخطوات مترددة، باصص في الأرض، هدومه اللي كانت زمان من أغلى الماركات بقت مبهدلة وباهتة، ووشه شاحب وعينيه مكسورة مفيهاش أثر للغرور اللي كان بيفرده عليا زمان.
العمال أول ما شافوه سكتوا وبصوا لبعض، كان في نظراتهم ألف معنى، نفس العمال اللي طردهم زمان دلوقتي واقفين بكرامتهم وبياخدوا شقاهم أول بأول. شاورت ليهم بإيدي يكملوا شغلهم، ووقفت ورا مكتبي بكل هدوء وثبات.
قرب عبد الله من المكتب، حط إيده المرتعشة على الحافة وسكت لثواني كأنه بيدور على صوت ضاع منه، وبعدها نطق بنبرة ذليلة تقطع القلب ازيك يا أم العيال.. ما شاء الله، ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك ورزق ولادنا.
بصيتله ببرود من غير ما أرد ولا أقطع صمته.
بلع ريقه وصوته انكسر أكتر أنا خسرت كل حاجة يا فوزية.. المعرض التاني عليه حجز خلاص وشيكاتي رايحة للنيابة، ونيرمين باعت كل حاجة حتى الشقة وهربت.. أنا على الحديدة، ومطلوب في ديون توديني ورا الشمس. التجار كلهم قفلوا أبوابهم في وشي، وقولت مفيش غيرك بنت أصول.. شغليني معاكي، أي حاجة، حتى لو هبقى مجرد بياع على باب المعرض ولا مشرف عمال، بس ألاقي لقمة أعيش منها ومترميش في السجن.
الكلمات طلعت منه زي الشحاتة، نفس الراجل اللي وقف وسط معازيمه يقول عليا شغالة وجاية تشحت.
سكت شوية، ورجعت ضهري لورا، وبصيت في عينيه وقولتله بصوت هادي ومسموع وواثق زمان قولتلك إن المال الحرام مبيثمرش، وقولتلك إن حق الغلابة مبيضيعش بالفهلوة.. إنت مكنتش شايف غير المظاهر والنفخة الكدابة، ودلوقتي بتدوق نفس الكاس اللي سقيتهولي، بس بفرق واحد.. أنا لما اتكسرت وقفت على رجلي بشرفي وشقايا، لكن إنت وقعت عشان أساسك كان غدر وخيانة.
قرب خطوة برجاء وقال عشان خاطر العيال يا فوزية.. هيرضيكي أبوهم يتحبس؟
رديت بحسم مفيش فيه رجوع العيال ليهم مصاريفهم ونفقتهم اللي القانون بيجيبهالهم، ميعرفوش عنك غير إنك أبوهم ومش هدخلهم في تفاصيل قلة أصلك.. لكن تدخل شريكتي أو تمد إيدك في لقمتي بعد ما خنت الأمانة؟ ده عشم إبليس في الجنة. باب المعرض ده اتفتح بشقايا، وميدخلوش غير ولاد الأصول اللي بيعرفوا يحافظوا على العيش والملح.
فتحت الدرج، طلعت ورقة بمبلغ صغير يكفيه ياكل بيه كام يوم، وحطيتها قدامه على المكتب ده مش عطف عليك، ده ثواب لله عشان بس اسمك على شهادات ميلاد ولادي.. تاخده وتخرج، ومتعتبش الباب ده تاني.
بص للفلوس وبصلي، شاف في عيني نهاية حكايته، مد إيده المكسورة وأخد الفلوس ولف ضهره وخرج يجر رجليه في الشارع، وأنا وقفت وسط معرضي، سجدت لربنا شكر ، وأنا حاسة بإن كل وجع و
كل كسرة كانت مجرد بداية لعز وكرامة ميتكسروش أبداً.

تم نسخ الرابط