جوزي مسافر

لمحة نيوز

أنت ضربت حسن لما حسيت إنك اتغفلت، مش عشان اتظلمت أنا! أنت اتعصب لكبرياءك وكرامتك لما عرفت إنهم اشتغلوك، لكن لما أنا كنت بترجاك وبقولك اتصل بالبواب وتأكد، زقيتني ورميتني حافية في السلم! أنت ما دافعتش عني ولا لحظة أنت حكمت عليّ وأعدمتني في خمس دقايق!
أمسك إبراهيم برأسه وبكى بصوت عالٍ كالأطفال، يضرب صدره بقبضته
والله العظيم بحبك يا شيماء! والله العظيم أنتِ جزمتك على راسي! أنا مستعد أكتب لك الشقة باسمك! مستعد أكتب لك كل حيلتي! بس ما تسبنيش أنا من غيرك ضايع! القسط تدفع الصبح، وأنا واصل الشركة والورق أهو باسمك، خذي الشقة وخذي كل حاجة بس ارجعي لي!
تدخل الحاج عبد التواب بصوت هادئ، وقال بوقار
يا حاج مصطفى، يا أم محمود أنا عارف إن الجرح كبير، واللي عمله إبراهيم خيبة ثقيلة وما تترفعش بها الراس. لكن الراجل عرف غلطه، وقطع دابر الشر وطرد أهله اللي ظلموا البت، وجاي يشتريها ويحط كل حيلته تحت رجليها. واليمين اللي رمى ده كان في لحظة غضب شديد وإغلاق عقل، ونطلع للمفتي نسأل في فتوى اليمين ده هل يقع أم لا تحت طائلة الغلق والذهول!
رد أبي بنبرة لا تقبل الفصال
المفتي يسأل فيه الشرع يا حاج عبد التواب. لكن قلبي أنا وعقل بنتي هم اللي يحكموا. البت مش لعبة، كل ما حسن يحرمها من حاجة تطرد، وكل ما إبراهيم يزعل يطلق!
هنا وقفت أنا. التفت الجميع إليّ. كنت أحمل في داخلي كبرياء جريحًا، وفي الوقت نفسه كنت أرى أمام عيني إبراهيم وهو يحترق ندماً. لم أكن أريد العدودة له بسهولة، ولا كنت أريد أن أكون الضحية التي تسامح بمجرد كلمة آسف.
قلت بصوت واضح جليّ يفرز الحروف بصرامة
يا طنط يا عمي الحاج عبد التواب إبراهيم طلقني، ولو الفتوى قالت إن اليمين ما يقعش لأن عقله كان مقفول، أنا ليا شروط ما تتغيرش، ولو رفض شرط واحد منها، يبقى المأذون هو الحل بيننا، حتى لو دفع حياته ثمن!
قفز إبراهيم بلهفة وشوق وقال وعيناه بريقتان بالأمل
شروطك أوامر يا شيماء! لو طلبتِ رقبتي وأديهالك! قولي عايزة إيه؟
نظرت إليه ببرود وقلت
أولاً الشقة اللي اتدفعت فلوس قسطها النهاردة، تتكتب باسمي بيع وشراء نهائي وبشكل رسمي في الشهر العقاري. مش عشان طمعانة في شقة، لكن عشان المكان ده شهد إهانتي وطرُدي، وعشان أضمن إن ما حدش من أهلك يحط رجله فيه أو يتجرأ يرفع عينه فيا تاني!
هز إبراهيم رأسه بسرعة جنونية
الشقة باسمك من الصبح! النادي والعقارات والشهر العقاري، بكرا الصبح نطلع ونكتبها لك!
تابعت بصلابة أكبر
ثانياً حسن وأمك مالهمش عتبة في حياتي، ولا في بيتي، ولا في أي مكان أكون موجودة فيه. لو شفت واحد فيهم أو عرفت إنك بتدخلهم بيتي من ورايا، هعتبر ده طلاق بائن ونهائي بيننا، وساعتها مش هتشوف وشي تاني للأبد.
قال الحاج عبد التواب بحزم
دي عندها حق فيها يا إبراهيم! أمك وأخوك عموا عينك وكادوا يربطوا حبل المشنقة حول رقبتك. حسهم يبعد عن البيت ده خالص!
موافق! موافق والعهد قدامكم ربنا يشهد عليّ! صاح إبراهيم بنحيب.
أكملت بشرطي الثالث والأخير، والذي كان الأقسى
ثالثاً أنا مش هرجع معاك الشقة النهاردة، ولا بكرة، ولا الشهر ده. أنا هفضل في بيت أبيا ست شهور كاملين! ست شهور تراجع فيهم نفسك، وتعيد حساباتك، وتتعلم إزاي تبقى راجل يحمي مراته ويقف قدام الدنيا كلها عشانها، مش راجل كلمة توديه وكلمة تجيبه! وفي الست شهور دول، هشوف أفعالك، مش كلامك ولا دموعك! لو ثبت لي إنك اتغيرت بجد، هفكر أرجعلك لو لقيتك زي ما أنت، يبقى كل حي يروح لحاله!
ذهل إبراهيم من قسوة الشرط الثالث. ستة أشهر بعيدًا عني؟ وهو القادم من الغربة مشتاقًا لبيته واستقراره؟
نظر إليّ بتوسل
ست شهور يا شيماء؟ كثير أوي يا شيماء! أنا راجع من السفر عشان أعيش معاكِ ونبدأ حياتنا! بلاش ست شهور خليهم أسبوع، أسبوعين!
لكن أبي ضرب بعكازه الأرض وقال بقوة
كلمة بنتي هي اللي تمشي! شروطها هي شروطنا كلنا! لو عاجبك يا إبراهيم امشِ على الشرط، ولو مش عاجبك، الباب يفوت جمل والمأذون مستني!
نظر إبراهيم للحاج عبد التواب كأنه يستنجد به، لكن الحاج وضع يده على كتف إبراهيم وقال له بلهجة قاطعة
ارضى يا ابني أنت عملت عملة سودا، وده أقل ثمن تدفعه عشان تبني اللي كسرته. امشِ مع الشرط واستحمل عشان تصون بيتك!
نكس إبراهيم رأسه بقلة حيلة، والدموع تقطر من عينيه على السجادة، ثم قال بصوت خافض كأنه يُساق إلى الإعدام
موافق موافق يا شيماء. هعمل كل اللي أنتِ عايزاه المهم ما تضيعيش مني.
في ذلك اليوم، بدأ التنفيذ فورًا.
ذهب إبراهيم مع أبي ومحمود إلى دار الإفتاء المصرية. وبعد سرد التفاصيل الكاملة للمفتي، والتأكد من حالة الذهول والأغلاق الغضبي الشديد التي كان فيها إبراهيم بعد مسرحية السرقة المزعومة، أفتى الشيخ بأن اليمين الأول في السلم لم يقع لعدم توفر الإرادة والقصد، ولأن العقل كان مستغرقًا بالكامل في ثورة الغضب الناتجة عن الخديعة. ومع ذلك، وجه الشيخ لإبراهيم تقريعًا شديدًا وزجرًا حادًا على تسرعه وازدرائه لزوجته دون تثبت.
وفي ظهر اليوم التالي، ذهب إبراهيم برفقة أخي محمود إلى مقر شركة العقارات وإلى الشهر العقاري، وقام بتنازل رسمي ونهائي عن الشقة الجديدة لصالحي، ونُقلت ملكيتها باسمي كعقد بيع وشراء نهائي لا رجعة فيه.
أما عن حسن وأمه، فقد تحولت حياتهما إلى جحيم مصغر في الحارة.
انكشفت الفضيحة بالكامل بفضل شهادة عم أحمد البواب الذي لم يسكت، وأخبر كل سكان العمارة والشارع بحقيقة ما حدث؛ كيف خطط حسن وأمه لسرقة أموال إبراهيم وتلفيق تهمة الشرف لي لطردي من البيت. أصبت حماتي بحالة من العزلة، واضطرت للنزول بأسفل رأسها بين النساء بعد أن كانت تتباها بشرفها وعائلتها.
أما حسن، فإن صاحب الكمبيالة لم ينتظر؛ إذ تقدم بالكمبيالة المستحقة للشيكات إلى النيابة، وصدر ضد حسن حكم غيابي بالحبس لمدة سنتين. تحول حسن إلى طريد هارب من الشرطة، ينتقل بين منازل أصدقائه في أطراف المحافظات، وتبددت كل أحلامه في الاستيلاء على أموال أخيه. وعندما حاولت أمه التوسل لإبراهيم كي يدفع الفلوس وينقذ أخاه من السجن، كان رد إبراهيم جافًا وقاسيًا
الفلوس اللي كانت معايا شيماء كتبتها شقة باسمها، وأنا ما حيلتيش جنيه لحسن خليه يتربى في السجن يمكن يعرف إن أكل حقوق الناس له ثمن!
مرت الأيام والأسابيع، وأنا مقيمة في بيت أبي.
كان إبراهيم يأتي كل يوم مساءً، يقف تحت النافذة في البرد أو الحر، يحمل في يده باقة ورد أو هدايا خفيفة، ويطلب من محمود أن ينادي عليّ لأطل عليه من النافذة فقط!
كنت أنظر إليه من خلف الستارة. أراه يقف هزيلاً، مكسورًا، ينتظر لمحة من عيني. لم أكن أخرج له دائمًا، لكنني كنت أراقب تغيره.
بدأ إبراهيم يتردد على المساجد، واستعاد هدوءه، وصار يتحدث مع أبي بوقار وأدب جم. لم يعد ذلك الرجل المتسرع الذي يستثره أي كلام. صار يدرك أن الأسرة لا تُبنى على عاطفة جياشة وحسب، بل على حماية وقوة وعدل وثبات في وجه الرياح.
وفوق هذا كله، أظهر إبراهيم موقفا حازما حين حاولت أمه القدوم إلى بيت أبي للتوسل والملاينة بعد أن ضاق بها الحال؛ إذ وقف إبراهيم على باب الشارع لمنعها من الصعود، وقال لها بصوت سمعته الحارة كلها
يا أمي، أنتِ أمي وليكِ حق الرعاية والمصروف هبعتهولك لحد عندك، لكن خطوة واحدة في طريق شيماء أو بيتي تاني مش هتحصل! أنتِ حفرتي قبر سعادتي بيدك، وأنا مش هسمح لكِ تهدمي باقي عمري!
كان هذا الموقف بالذات هو القشة التي أعادت ترميم الجسر المكسور في قلبي. رأيت فيه الرجل الذي حلمت به؛ الرجل الذي يستطيع أن يضع حدًا لأهله إذا ظلموا، ولا يترك زوجته فريسة لأهوائهم.
ومع انقضاء الشهر الخامس من المهلة، جاء إبراهيم إلى بيت أبي ومعه كبار المنطقة مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن آتيًا بالدموع والتوسل، بل بالاحترام والكرامة.
جلس أمام أبي وقال له
يا عمي الخمس شهور اللي فاتوا كانوا أصعب فترة في حياتي، لكنهم علموني الدرس اللي ما حيتنسيش طول ما أنا بتنفس. أنا عرفت قيمة شيماء، وعرفت إن الراجل الحقيقي هو اللي يكون درع لمراته مش أول سهم ينغرس في ظهرها. الشقة بقت شقتها، وحقها محفوظ، وأنا جاي أطلب منك ترجعها لي، وأعدك قدام ربنا والجميع، إن لو شعرها واحدة منها اتضرت بسببي تاني، أكون مش راجل ولا أستاهل أعيش.
نظر أبي إليّ، وابتسم ابتسامة دافئة تحمل كل الحب والدعم، وقال
الرأي رأيك يا شيماء أنتِ اللي دقتي المر، وأنتِ اللي تقرري لو جرحك التأم ولا لسه.
نظرت إلى إبراهيم. رأيت في عينيه رجلاً جديدًا، صقله الألم والندم، ورأيت حباً صادقاً نُزع منه طيش التسرع وخفة الشك.
ابتسمت ببطء، وقلت بصوت هادئ ومطمئن
العافية بتيجي بالتدريج يا بابا وإبراهيم أثبت إنه اتعلم الدرس. أنا موافقة أرجع بيتي.
في تلك الليلة، عدت إلى شقتي.
لم تكن العودة مجرد دخول لبيت، بل كانت دخولاً لعهد جديد. فتحت الباب بنفسي بالمفتاح الذي أصبح ملكي، ودخلت الشقة التي أصبحت باسمي. كان كل شيء فيها نظيفًا ومرتبًا، وإبراهيم يسير خلفي بخطوات خاشعة كأنه يدخل معبدًا مقدسًا.
توقفت في الصالة، عند النقطة ذاتها التي شهدت هجوم حسن وأمه وصرخاتي العاجزة، والتفتُّ إلى إبراهيم.
أقترب مني، وأمسك بيدي بكلتا يديه، وقال بنبرة ملؤها الصدق
نورتي بيتك يا ملكة البيت والله العظيم ما هتدخلي المكان ده تاني إلا وأنتِ مرفوعة الراس ومصونة.
أومأت له برأسي، وأنا أشعر بأمان حقيقي نبع من القدرة على أخذ الحق بالصبر والعقل والكبرياء، وليس بالضعف أو الاستسلام.
عشت في بيتي عزيزة المكرمة، وسددنا قسط الشقة كاملًا، وتخلصنا من ديون الماضي وشروره. أما حسن، فقد ألقي القبض عليه بعد أشهر قليلة ليمضي عقوبته خلف الأسطار، وعاشت حماتي في عزلة نادمة على ما اقترفته يداها، بعد أن خسرت ب ظلمها عطف ابنها الكبير وهيبة ابنها الصغير.
تعلمتُ من تلك التجربة القاسية أن الأمانة لا تُضيع صاحبها أبداً، وأن الظلم مهما بلغت قوته وتدبيره، يرتد في النهاية على صاحبه ليهدمه، وأن المرأة التي تحمي كرامتها وتتمسك بحقها بصلابة وعقل، تجبر الجميع في النهاية على احترامها والخضوع لعدالتها.
لم تكن العودة إلى بيت أبي نهاية ، بل كانت شرارة لاندلاع أشرس، فتح أبوابًا من المواجهات التي لم تكن في حسبان أحد. لم يعلم حسن وأمه أن خروجي من البيت لم يكن اعترافًا بالهزيمة، بل كان خطوة لتجريدهما من كل الأوراق التي ظنا أنهما يمتلكانها.
في صباح اليوم التالي ، كان الجو في حارتنا القديمة مشحونًا بالترقب. لم أكن أستطيع النوم، وجلست في الصالة بجوار أبي وأخي محمود. كان أبي يرتدي جلبابه الأبيض وسبحته في يده، وعيناه تشعان بصرامة تشبه صلابة الجبال.
قال محمود وهو يفرك يديه بغضب
الشارع كله بيتكلم يا شيماء. الناس تحت العمارة بيسألوا إزاي إبراهيم يرمي مراته كده، والبواب عم أحمد مش ساكت، حكى للي طالع والحي كله عرف إن حسن وأمه هما اللي طبخوا المسرحية.
رد أبي بنبرة قاطعة
الكلام في الشارع ما بيبنيش حق ولا بيرجع كرامة. إحنا مش هنستنى لما إبراهيم يجي يعتذر أو يجيب ناس. إحنا هنمشي في السكة اللي تكسر عين كل واحد اتجرأ وشكك في أمانتك يا بنتي.
قبل أن يكمل أبي كلمته، سمعنا صوت حافلة صغار وركض على السلم، يعقبه طرقات متخبطة على الباب. فتح محمود الباب بسرعة، لنجد إبراهيم واقفًا، وشكله يبعث على الشفقة والرعب في آن واحد. كانت عيناه حمراوين كالجمر، وشعره متشعثًا، ويرتدي نفس الملابس التي جُررتُ بها بالأمس. لكنه لم يكن وحده؛ كان معه الحاج عبد التواب خاله الكبير، واثنان من كبار المنطقة.
دخل إبراهيم وارتمى عند قدمي أبي قبل أن يسلّم عليه أحد، وجسده ينتفض بالبكاء
يا حاج مصطفى اقطع رقبتي! ارميني في الشارع! اعمل فيا اللي أنت عايزه بس ما تحرمنيش من شيماء! أنا اتعميت الشيطان عمى عيني وعقلي!
وقف أبي ببطء، واستند على عكازه، ونظر لإبراهيم بنظرة سردت كل سنوات الشرف والنزاهة التي عشناها.
أقف يا إبراهيم أقف على حيلك، الراجل ما يترماش عند رجليين راجل تاني إلا لما يكون عمل عملة سودا ومش قادر يشيل ثمنها. أنت طردت بنتي حافية، واتهمتها في شرفها، وصدقت فيها كلام أختك وأخوك الصايع! جاي دلوقتي تعيط؟
تدخل الحاج عبد التواب وهو يمسك بكتف أبي
صلي على النبي يا حاج مصطفى. إحنا جايين ونعترف إن إبراهيم غلط غلطة عمره. بس والله يا حاج، الولد جه من السفر مهدود، ودخل لقيت أمه بتلطم وأخوه

تم نسخ الرابط