بشرى امانى سيد
المحتويات
عادلة جداً وتضمن إن الشغل يكمّل على أرض صلبة. أنا وافقت عليها، والنسخ جاهزة للإمضاء.
على الجانب الآخر، كانت بشرى تتلقى مكالمته بثبات، شعرت بانتصار صغير بداخلها، لكن نبرتها ظلت مغلفة بالبرود المهني ده العشم برضه يا باشمهندس. إحنا بندور على نجاح مستمر، والوضوح من البداية هو اللي بيعيّش المشروعات. المعاد يناسبك امتى؟ بكرة الساعة اتناشر في موقع المشروع نفسه.. أحب دايماً نبتدي الشغل والتراب في رجلينا والورق في إيدينا.
في اليوم التالي، كان شمس الظهيرة قوية، وموقع المشروع عبارة عن خلية نحل من المهندسين والعمال. وصلت بشرى بسيارتها، وترجلت مرتدية بدلة عملية مريحة تخلو من البهرجة، لكنها تحمل ذات الهيبة. كان جبريل في انتظارها، يقف برفقة كبير مهندسيه، مرتدياً قميصاً أبيض شمر أكمامه، وخوذة الحماية البيضاء فوق رأسه حين رأى سيارتها، اعتذر من مهندسيه وتقدم نحوها بخطواته الواسعة. أهلاً يا مدام بشرى، خطوة عزيزة.
الموقع نور. بنورك يا باشمهندس. جاهزة للمعاينة ومراجعة البنود على أرض الواقع قبل ما نمضي طوال ساعتين كاملتين، لم تكن بشرى مجرد صاحبة رأس مال تتفرج من بعيد. كانت تتحرك بين الخرسانات، تراجع الرسومات الهندسية، وتسأل عن جودة المواد ومواعيد التسليم بدقة أبهرت مهندسي جبريل أنفسهم. كان جبريل يراقبها بصمت؛ يتدخل فقط ليجيب على استفساراتها الصعبة أو ليوجه العمال في لحظة ما، تعثرت قدم بشرى بطرف سيخ حديدي بارز وكادت تفقد توازنها، وبسرعة خاطفة وبحافز رجولي تلقائي، امتدت يد جبريل لتمسك بذراعها بقوة حامية ومنعها من السقوط.
تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة؛ كانت يده قوية وثابتة، ونظرة عينيه تحمل خوفاً حقيقياً عليها لم تعهده من قبل في عيون رجال العمل. استعادت بشرى توازنها سريعاً، وانسحبت برفق وهي تعدل هندامها، وقالت بنبرة حاولت جاهدة أن تظل هادئة شكراً لحضرتك يا باشمهندس.. مخدتش بالي تراجع جبريل خطوة للوراء احتراماً، ووضع يده في جيبه قائلاً بابتسامة دافئة وهادئة الشغل في المواقع محتاج عين في وسط الراس، وأنا يهمني سلامة شريكي قبل سلامة الشغل نفسه.
أرتاحى شوية في المكتب المؤقت ونمضي العقود داخل المكتب المتنقل المكيف، وبعد أن تم توقيع العقود وتبادل النسخ، قدم لها جبريل كوباً من القهوة السادة بنفسه. جلس أمامه ونظر إليها بجدية مشوبة بالفضول أنا بقالي سنين في السوق ده يا بشرى.. اسمعي مني، انتي خسارة للقعاد ورا المكاتب بس. عقليتك دي لو اتسابت في السوق هتاكل نص الشركات المنافسة ابتسمت بشرى ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تحمل مرارة قديمة لم يستطع جبريل تفسيرها. نظرت لكوب القهوة وقالت ساعات الوجع بيعلم يا باشمهندس.
. وبيخلي الواحد يشوف الحاجات اللي كان عميان عنها. أنا كنت قافلة على نفسي في مكان مش مكاني، وجه الوقت اللي أرجع فيه لنفسي ولشغلي التقط جبريل الكلمة، وشعر بغريزته أن وراء هذه القوة حكاية خذلان كبيرة، لكنه ذكي بما يكفي ليعلم أن المرأة مثل بشرى لا تقبل الشفقة ولا تحب أن تظهر ضعيفة. هز رأسه بتفهم وقال بصوت خفيض ونبرة صادقة المهم إنك رجعتي.. والسوق مبيفتكرش اللي غاب، بيفتكر بس اللي واقف على رجليه دلوقتي. وأنا اتشرف إن أول خطوة كبيرة ليكي بعد الرجوع ده تكون معايا.
نظرت إليه بشرى، ولأول مرة تشعر بأن هناك رجلاً ينظر إلى عقلها وقيمتها ككيان مستقل، وليس كجزء من صفقة أو مجرد واجهة عائلية. أحست بأن الأسوار التي بنتها حول نفسها بدأت تواجه اختباراً حقيقياً أمام هذا الرجل الذي يجمع بين قسوة العمل ونبل الأخلاق، وأدركت أن رحلتها مع جبريل الجيار لن تتوقف عند حدود هذا المشروع فحسب.
في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من ال
في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من التوتر والمشاحنات التي لا تنتهي مع زوجته الجديدة نهى الإنبهرار الأول والمشاعر المزيفة التي دفعته للتخلي عن بشرى بدأت تذوب تحت وطأة الواقع الضاغط. لم تعد نهى تلك المرأة الحالمة التي لا تطلب شيئاً، بل ظهرت حقيقتها الاستهلاكية؛
طلباتها لا تنتهي، ومقارناتها بغيرها أصبحت عبئاً يومياً على كاهله في إحدى الليالي، جلس رشاد في الصالة ممسكاً بهاتفه، يتابع صفحة أخبار السوق والمقاولات، ليتسمر مكانه فجأة وهو يقرأ الخبراً شراكة استثمارية ضخمة بين مجموعة الشناوي ومجموعة الجيار لإعمار منطقة الأصول المشتركة.. والمدير العام بشرى الشناوي تؤكد الخطوة القادمة ستغير موازين السوق .انقبض قلبه وجف حلقه وهو يرى صورتها؛ كانت تقف بكامل أناقتها وثقتها، وبجانبها لفت انتباهه ذلك الرجل، جبريل الجيار، بهيبته ونظرته المليئة بالفخر الموجهة نحوها في هذه اللحظة، خرجت نهى من الغرفة وهي تلوح ببطاقة مشترياتها وتتحدث بنبرة حادة رشاد.
. أنا كلمتك الصبح وقلتلك إن الليميت بتاع الفيزا مش مكفي، وعايزة أشتري الفستان والشنطة اللي قلتلك عليهم عشان فرح صاحبتي الأسبوع الجاي. إنت مبتردش عليا ليه؟أغلق رشاد الهاتف بعنف وقام واقفاً، وقد فاض به الكيل فستان إيه وشنطة إيه دلوقتي يا نهى؟! إنتي مابتشبعيش؟ ما لسه جايبلك طقم الأسبوع اللي فات! إنتي فاكرة جيبى ده مبيفضاش؟لوت نهى فمها بضيق وقالت بنبرة مستفزة جرى إيه يا رشاد؟ ما إنت اللي كنت بتدلع وتقوللي اؤمري يا حبيبتي وكل اللي عايزاه هيجيلك.. إيه اللي اتغير دلوقتي؟ ولا هي الحجج بدأت عشان توفر؟نظر إليها رشاد وكأنه يراها لأول مرة على حقيقتها. قفزت إلى ذاكرته فوراً صورة بشرى؛
بشرى التي تحملت معه في بداياته، التي كانت توازن الأمور بحكمة، التي ضحت بطموحها وسنة كاملة من عمرها في بيته دون أن تشتكي أو تطلب ما يفوق طاقته، بل كانت هي السند والأمان الذي لم يدفعه مليمًا واحدًا لشرائه قال بصوت مخنوق بالندم والغضب اللي اتغير إني فقت.. فقت وعرفت إن فيه ناس بتعوز بني آدم عشان يسندها، وناس تانية بتعوز بنك يصرف عليها!
صاحت نهى بحدة وعيناها تتسعان قصدك إيه؟ قصدك مين يعني؟ لو مش عاجبك طلقني ورجع ست بشرى بتاعتك اللي كنت مابتسمعش صوتها! بس افتكر إنها هي اللي رمتك، والكل في السوق بيتكلم عن نجاحها دلوقتي ومحدش فاكرك أصلاً!ض رب رشاد الطاولة بيده بعنف أهتزت له أركان الغرفة، وصرخ فيها اخرسي! ماتجبيش سيرتها على لسانك!تركها ودخل غرفته وأغلق الباب وراءه بقوة، وجلس على طرف السرير يدفن وجهه بين كفيه.
كلمات نهى الأخيرة أصابت منه مقتلاً؛ الكل بيتكلم عن نجاحها ومحدش فاكرك. أخرج هاتفه مجدداً ونظر إلى صورتها مع جبريل. شعر بغيرة تحرق ضلوعه، ليست فقط غيرة رجل على امرأته السابقة، بل غيرة إنسان فاشل يرى من تركها تصعد إلى القمة بخطوات ثابتة، بينما هو يهبط إلى القاع مع امرأة اختارها بهواه.
أدرك رشاد، وهو يستمع إلى صوت بكاء نهى المصطنع في الخارج، أن حبل العلاقة بينهما بدأ يتآكل سريعاً، وأن طيف بشرى ونجاحها الجديد لن يتركا له مجالاً ليعيش بسلام في خياره الخاطئ وفي نفس الوقت الذي كانت فيه جدران شقة رشاد تهتز بالمشاحنات، كانت هناك جدران أخرى تشهد ولادة مشاعر من نوع مختلف تماماً.داخل أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل، كان الضوء خافتاً والموسيقى الكلاسيكية تنساب في الخلفية لتعزل المكان عن صخب القهوة والموقع.
كان هذا أول عشاء عمل يجمعهما بعيداً عن المكاتب الخرسانية، لمناقشة التقرير الربع سنوي الأول للمشروع الذي حقق أرقاماً فاقت التوقعات كانت بشرى تجلس بكامل أناقتها الهادئة، تراجع بعض الأرقام على جهازها اللوحي، بينما كان جبريل يتابعها بنظراته الدقيقة التي لم تعد تخلو من الدفء والاهتمام أغلقت بشرى الجهاز، ونظرت إليه بابتسامة عملية وبكدة يا باشمهندس، نقدر نقول إننا قفلنا المرحلة الأولى من المشروع قبل وقتها بأسبوعين، ونسبة الأرباح المبدئية تخطت ال 20 وضع جبريل فنجان قهوته، وسند بظهره إلى الكرسي، وقال بصوته الرخيم ونبرة تحمل تقديراً عميقاً أنا مابقتش مستغرب الأرقام دي يا بشرى.
. أنا بقيت مستغرب إزاي السوق ده كان محروم من عقليتك دي كل الفترة اللي فاتت؟ انتي إضافة لأي مكان بتدخليه، والحقيقة.. إضافة ليا أنا شخصياً.شعرت بشرى بنبضة سريعة في قلبها، لكنها سارعت برفع دروعها الدفاعية كالعادة، وقالت بنبرة حاولت جعلها حيادية ده توفيق من ربنا يا باشمهندس، ودعم بابا ليا، وشغلي هو الحاجة الوحيدة اللي مابتخذلنيش.
لاحظ جبريل حذرها المعتاد، وكلمتها الأخيرة مابتخذلنيش لم تمر عليه مرور الكرام. مال بجسده قليلًا نحو الطاولة، وتحدث بنبرة هادئة وصادقة تماماً بشرى.. إحنا بقالنا شهور بنشتغل مع بعض، وأعتقد إننا عدينا مرحلة زملاء العمل. أنا شايف الحصون اللي انتي بتبنيها حوالين نفسك كل ما الكلام يخرج برة الشغل. أنا مش رشاد.. ولا عمري هكون شخص بيقيس البني آدم بصفقة أو بيستخسر في شريكته نجاحها اتسعت عينا بشرى بصدمة وخفق قلبها بعنف، لم تكن
متابعة القراءة