وجد ابنه نائمًا في السيارة.. والسر كان داخل عائلته | بقلم لونا أحمد

لمحة نيوز


واستخدمت أموالًا خرجت من حسابات مشتركة بيننا.
ثم استثمرت بصورة غير مباشرة في شركة سيف.
وعندما بدأت قيمة براءة الاختراع ترتفع، دفعت زهراء إلى مساعدتها على السيطرة على حصص أكبر.
وفي المقابل، كان من المفترض أن تحصل زهراء على المنزل ومبلغ مالي.
سأل سيف
وأمي ماذا ستحصل؟
قال حيدر
السيطرة.
سأل
فقط؟
رد
والسيولة المالية.
كم؟
نظر إلينا حيدر.
وقال
إذا تمت صفقة بيع البراءة بالشروط التي كانوا يتفاوضون عليها، فمن الممكن أن تتجاوز حصتهم ثمانية مليارات دينار عراقي.
شحُب وجه سيف.
وقال
أنا رفضت تلك الصفقة.
قال حيدر
ولهذا كانوا بحاجة إلى إبعادك.
عندها أصبحت الصورة كاملة.
الشائعات.
الديون التي لم يعرفها.
تعطيل وصوله إلى الحسابات.
الاتهامات.
المنزل.
ومحاولة تصويره كرجل غير مستقر وغير قادر على إدارة شركته.
لم يكونوا يريدون مجرد أن ينتهي زواجه.
كانوا يريدون أن يبدو غير مؤهل لإدارة شركته.
ثم ظهر أسوأ شيء.
تسجيل صوتي.
لم نحصل عليه بأنفسنا.
بل جاء من زهراء.
فعندما فهمت أن الحسابات والعمليات بدأت تخضع للمراجعة، حاولت حماية نفسها.
وقدمت رسائل.
وتسجيلات.
وبريدًا إلكترونيًا.
في أحد التسجيلات، كان صوت نوال واضحًا وهي تقول
ما دام سيف مشغولًا بالطفلين، فلن يقاتل بقوة. هو دائمًا عاطفي.
استمعت إلى الجملة ثلاث مرات.
كانت زوجتي تتحدث عن ابننا كما لو كان عقبة.
وفي تسجيل آخر قالت
أبو سيف يجب ألا يعرف. إذا عرف أنني استخدمت المال من استثماره القديم، فكل شيء سيتغير.
عندها انتهى زواجي.
ليس بشجار.
ولا باعتراف مباشر.
بل بتسجيل صوتي لم يتجاوز سبع عشرة ثانية.
عدت إلى أربيل بعد أسبوع.
كانت نوال جالسة في المطبخ.
قالت
أين كنت؟
قلت
مع سيف.
تغير وجهها.
قالت
قلت لك ألا تتدخل.
وضعت حافظة فوق الطاولة.
زرقاء.
نفس الحافظة التي كان ابني يحملها داخل السيارة.
نظرت إليها نوال.
ثم نظرت إليّ.
قالت
ما هذا؟
قلت
أنت تعرفين.
قالت
أبو سيف...
قاطعتها
هل زورت توقيعي؟
سكتت.
قلت مرة أخرى
سألتك سؤالًا.
قالت
أستطيع أن أشرح.
شعرت بشيء ينطفئ بداخلي.
بعد ستة وثلاثين عامًا، كانت هذه العبارة هي ما اختارته.
لم تقل لا.
ولم تقل هذا مزور.
قالت فقط
أستطيع أن أشرح.
قلت
اشرحي.
جلست نوال.
وقالت
سيف كان سيضيّع فرصة ضخمة.
قلت
إنها شركته.
قالت
لكنها أموال العائلة.
قلت
لا.
وضربت بيدي على الحافظة الزرقاء.
إنها شركته.
قالت
نحن استثمرنا فيها.
قلت
أنا لم أستثمر.
قالت
المال كان مالنا نحن الاثنين.
قلت
لكن توقيعي لم يكن ملكك.
خفضت عينيها.
وقالت
ظننت أنك ستفهم لاحقًا.
قلت
وطرد ابنك من منزله كان جزءًا من الخطة أيضًا حتى يفهم؟
قالت
زهراء هي من اتخذت ذلك القرار.
قلت
لكنك تسيطرين على الشركة التي تملك المنزل.
صمتت.
سألتها
هل كنت تعرفين
ينام داخل سيارة؟
اتسعت عيناها.
ماذا؟
قلت
إحدى عشرة ليلة.
ولأول مرة بدا عليها الذهول الحقيقي.
قالت
لا.
قلت
مع علي وحسن.
وضعت يدها على فمها.
زهراء قالت لي إنه يقيم في فندق.
قلت
إذن كذبت عليك.
قالت
لم أكن أريد أن يصل الأمر إلى هذا.
قلت
وما الذي كنت تريدينه؟
قالت
أن يتنازل.
قلت
عن البراءة؟
نعم.
قلت
مقابل أكثر من ثمانية مليارات دينار؟
لم تجب.
قلت
وبعدها؟
قالت
كان كل شيء سيتوزع.
بين من؟
قالت
العائلة.
ضحكت.
رفعت رأسها.
ما المضحك؟
قلت
الغريب أن العائلة لم تظهر عندما كان ابنك يحتاج إلى سرير ينام عليه.
بدأت نوال تبكي.
وقالت
أبو سيف...
قلت
لا.
اسمعني.
قلت
أنا أسمعك منذ ستة وثلاثين عامًا.
نزعت خاتم الزواج من إصبعي.
ووضعته فوق الحافظة الزرقاء.
قلت
الآن أنت من سيستمع.
بقيت بلا حركة.
قلت
حيدر بدأ بالفعل إجراءات قانونية لمراجعة العمليات.
شحُب وجهها.
وقالت
حيدر السامرائي؟
قلت
نعم.
كانت تعرف الاسم.
والخوف الذي ظهر في عينيها أكد لي ذلك.
قالت
لا يمكنك فعل هذا.
قلت
فعلته بالفعل.
قالت
ستدمرنا.
قلت
لا.
ثم نظرت إليها مباشرة.
أنت بدأتِ تدميرنا عندما حولتِ ابننا إلى صفقة.
مرّت أشهر قبل أن تبدأ المحاكم بإلغاء بعض العمليات وإعادة النظر في بعضها.
لم يكن الأمر سريعًا.
الأشياء المهمة لا تُحسم بسرعة.
استعاد سيف السيطرة على شركته بعد أن أثبت أن عددًا من الوكالات والصلاحيات استُخدم خارج الحدود التي وافق عليها.
أما قضية المنزل فاستغرقت وقتًا أطول.
وفي النهاية، قرر سيف ألا يعود إليه أصلًا.
قال
لا أريد أن يعود الطفلان إلى بيت أُخرجا منه وكأنهما لا يساويان شيئًا.
استأجر منزلًا آخر.
أصغر.
وأبسط بكثير.
لكن التوأمين أحبّاه.
أما الشركة فنجت.
وبراءة الاختراع بقيت كذلك.
رفض سيف عرض شراء آخر بعد مدة.
وهذه المرة كان يبتسم عندما أخبرني.
سألته
متأكد؟
قال
نعم.
حتى لو كان المبلغ ضخمًا؟
ضحك.
أبي...
ثم قال
بعد أن نمت داخل سيارة، فهمت أن امتلاك مليارات على الورق لا يعني شيئًا إن لم يكن لديك مكان تضع فيه طفليك ليناما بأمان.
واجهت زهراء عواقب قانونية، وفقدت السيطرة على عدد من الأصول.
أما ترتيبات حضانة الطفلين فكانت معقدة.
ومع ذلك، لم يحاول سيف أبدًا أن يمنع طفليه من أمهما تمامًا.
قال لي
هما لا ذنب لهما.
أما أنا ونوال، فانتهى زواجنا بالطلاق.
ستة وثلاثون عامًا.
ولا أقول إنها كانت سنوات ضائعة.
لو قلت ذلك فسأكون أكذب على نفسي.
كانت هناك لحظات حقيقية.
وكان هناك حب.
وكانت هناك عائلة.
لكنني تعلمت شيئًا لن أكرره أبدًا
لا تخلط بين طول السنوات التي عشتها مع شخص، وبين حقك في أن تثق به ثقة عمياء.
بعد عام من عيد ميلاد سيف، عدت إلى بغداد.
وهذه المرة لم أحمل ساعة غالية.
حملت كعكة فقط.
عندما وصلت، فتح علي الباب.
صرخ
جدي!
ظهر حسن خلفه.
ثم خرج سيف من المطبخ.
وكان على قميصه بعض الطحين.
قال
وصلت مبكرًا.
قلت
أردت أن أفاجئك.
ضحك.
وقال
ليس مرة أخرى.
دخلت.
كانت الرسومات معلقة على الجدران.
والألعاب مبعثرة في أرجاء البيت.
ودراجة صغيرة موضوعة قرب الأريكة.
لم يكن المنزل مما يثير حسد أحد.
ولم يكن يصلح لصورة في مجلة فاخرة.
ولم يكن مليئًا بالأثاث الغالي.
لكن حفيديّ كانا ينامان في سريريهما.
وابني كان يبتسم.
ناولته علبة.
قال
ما هذا؟
قلت
ساعة العام الماضي.
فتحها.
ونظر إليها.
ثم هز رأسه.
لا أحتاجها.
قلت
لا؟
رفع معصمه.
كان يرتدي ساعة بلاستيكية رخيصة.
وقال
علي هو من أهداها لي.
ومن آخر الممر، صاح حفيدي
اشتريتها بأحد عشر ألف دينار!
ضحك سيف.
وقال
وتعمل بشكل ممتاز.
أغلقت علبة الساعة الغالية.
وقلت
إذن سأعطيها لشخص آخر.
قال
افعل.
ساد الصمت بيننا للحظات.
ثم قال سيف
أبي.
قلت
نعم؟
قال
شكرًا لأنك طرقت الزجاج.
نظرت إليه.
ماذا؟
قال
في تلك الليلة.
ثم خفض صوته.
لا أعرف كم ليلة أخرى كنت سأبقى أنام في السيارة من دون أن أخبر أحدًا.
شعرت بعقدة في صدري.
قلت
وأنا كان يجب أن أتصل بك أكثر.
قال
لا.
قلت
نعم.
قال
أنا كنت أكذب عليك في كل مرة تسألني فيها هل كل شيء بخير؟
وكان محقًا.
قلت
إذن نتفق على شيء.
قال
ما هو؟
قلت
لا نقول بعد اليوم كل شيء بخير عندما لا يكون كل شيء بخير.
ابتسم سيف.
اتفقنا.
بدأ الطفلان يغنيان أغنية عيد الميلاد قبل موعدها.
جلسنا جميعًا حول الطاولة.
ونظرت إلى ابني.
قبل عام واحد، كنت أعتقد أنه يعيش حياة مثالية.
منزل.
شركة.
زواج.
مال.
وبينما كنت أنظر من بعيد إلى الواجهة وأعجب بها، كان هو ينام مع طفليه داخل سيارة، لأن شخصًا من عائلتنا كان يسلب منه كل شيء بهدوء.
المنزل.
السيطرة.
الثقة.
الكرامة.
لكنهم لم يتمكنوا من أخذ أهم ما بقي له.
طفلاه.
قدرته على البدء من جديد.
وقدرتُه على قول الحقيقة.
أفكر أحيانًا في تلك الليلة.
في علبة الكعكة فوق ساقي.
في حسن وهو نائم تحت البطانية.
وفي سيف وهو يقول لي
كنت أشعر بالخجل يا أبي.
ولا تزال تلك الكلمات تؤلمني.
لأن أي ابن لا ينبغي أن يشعر بالخجل من الاتصال بوالده عندما يجد نفسه يغرق.
هذا هو الدرس الذي بقي معنا.
قد يستطيع الناس أن يأخذوا منك المال.
وقد يخدعونك بالمستندات.
وقد يغيرون أقفال بيتك.
وقد يحولون توقيعًا واحدًا إلى فخ.
لكن الصمت أحيانًا يُكمل ما لم يتمكن خصومك من إكماله.
في تلك الليلة، لم أكن أنا من أنقذ ابني.
كل ما فعلته أنني طرقت زجاج السيارة.
هو من فتح الباب.
وأحيانًا، هذا وحده يكفي حتى يتوقف الإنسان عن النجاة مختبئًا...
ويبدأ أخيرًا طريق العودة إلى البيت.

 

تم نسخ الرابط