غرفه العمليات أمانى السيد
المحتويات
في النار عشانك وعشان طيبتك مع أهلك!
شهيرة بصتلي ببرود يحرق الدم، وعدلت وقفتها بكل ثقة، وقربت خطوة وهي بتهز إيدها بمسكنة متقنة مخلوطة بسم قاتل وقالت
اسمعني بس واهدى وبلاش العصبية دي، الدكتور قايلك ضغطك ميعلاش عشان نفوخك لسه طري.. أنا مش طمعانة فيك ولا بقولك اقعد في البيت ومتشتغلش، الشغل ده شغلك وأكل عيشنا كلنا.
بلعت ريقي وأنا مش مصدق الوش التاني اللي ظهر فجأة، وسألتها بصوت مخنوق
أومال عايزة إيه يا شهيرة؟ يعني إيه أرجع للشغل وكل حاجة محجوزة باسمك؟
ابتسمت بخبث وردت بنبرة هادية كأنها بتقدملي خدمة العمر
إنت تفضل شغال زي مانت بالظبط.. تنزل الصبح، تفتح المحلات، تمشي السوق، وتتحكم في العمال وتزعق وتأمر وتنهي محدش يقدر يكسرلك كلمة.. أصل العمال والتجار متعودين عليك إنت ومش هيفهموا يتعاملوا معايا. بس الورق، الفلوس في البنك، العقود، والأملاك.. تفضل باسمي أنا وابنك، عشان نبقى ضامنين بكرة وماسكين حبل النجاة في إيدينا لو جرالك أي حاجة تاني، ساعتها لا أهلك يعرفوا يلووا دراعنا ولا مراتك الأولى تقدر تاخد قشاية مننا!
الكلمة نزلت عليا زي الكرباج.. شهيرة كانت بتفصّلني على مقاسها؛ عايزاني شغال عندها، مجرد أجير بيدير مالها هي وابنها، أطلع عيني من الفجر للمغرب وأعرق عشان هي تقبض في الآخر وتديني مصروفي بإيدها وتحت رحمتها!
صرخت فيها والدموع بتغلي في عيني من شدة القهر
يعني أنزل أشتغل عند مراتي؟! أطلع شحات في مالي وشقا عمري؟! إنتي اتجننتي ولا اتعميتي من القرشين؟!
ردت بجمود ومن غير ما يتهز فيها رمش، وكأنها كانت مجهزة الرد من شهور
سميها زي ما تسميها.. شحات، شغال، أمين على مال ابنك.. المهم إن ده اللي عندي، والورق في الخزنة ومفيش توكيل واحد هيتعمل، عاجبك على كدة أهلاً وسهلاً، مش عاجبك.. المحاكم مفتوحة يا أبو ابني، وإنت أكتر واحد عارف إنك بايع وشاري بمزاجك وكامل قواك العقلية وممعكش حتى إيصال أمانة بربع جنيه يثبت عكس كدة!
اتسمرت مكاني وبصيت لحيطان الشقة اللي فرشتها من خير نسمة، بصيت للصالون والشاشات والديكورات اللي دفعت فيها دم قلبي عشان أرضي غروري بالولد..
في اللحظة دي بالذات، حسيت بصفعة الزمن بتنزل على وشي بكل قسوة.. داين تدان، والذنب اللي ركبته في حق نسمة وبناتي، ربنا ردهولي في نفس الدايرة ومن نفس الإيد اللي بعت الدنيا عشانها!
مقدرتش أستحمل ثانية واحدة زيادة في الشقة، حسيت الحيطان بتطبق على نفسي، وخنقة الموت اللي هربت منها رجعت تخنقني بس على إيد الست اللي سلمتها روحي ومالي. سيبتها واقفة ببرودها، ونزلت أجر رجليا في الشارع زي التايه، مش شايف قدامي والدم بيغلي في نافوخي مكان العملية، ومعرفتش أروح فين إلا على بيت أمي.
طلعت السلم وأنا ساند على الحيطة من كتر الضعف والخزي، خبطت على الباب بإيد مرتعشة. لما أمي فتحت وشافتني بالمنظر ده، اتخضت لحظة كأي أم، بس ملامح الجمود رجعت على وشها بسرعة.
دخلت ورميت نفسي على الكنبة، وانفجرت في العياط زي العيل الصغير، وحكيتلها كل كلمة شهيرة قالتهالي، حكيتلها إنها بتساومني على شقا عمري وعايزاني أشتغل أجير عندها وتحت رحمتها ورافضة ترجعلي مليم.
كنت فاكر أمي هتصرخ معايا، أو تقول لأخويا ينزل يبهدلها وياخد حقي، لكن أمي فضلت قاعدة مكانها، باصة في الأرض بهدوء مرعب، اتنهدت تنهيدة طويلة كلها وجع وقالتلي بصوت هادي وميت
استعوض ربنا في فلوسك يا بني.. الفلوس راحت خلاص، زي ما إنت روّحت حق بناتك زمان. إنت خسرت فلوسك، وخسرت مراتك، وخسرت بناتك من قبلهما.
رفعت راسي مذهول ولساني مش قادر ينطق، فكملت أمي بنفس النبرة المكسورة
حماك كلمني أنا وإخواتك من كام يوم، الراجل اتكلم بأدب وأصل يكسف، وقالنا نبلغك عشان مبقاش طايق حتى يسمع صوتك في التليفون.. نسمة رافعة قضية خلع، ومش عايزة منك ولا مليم، ولا مؤخر، ولا نفقة، ولا عايزة تلمح طيفك تاني. قالت لأبوها أنا متجوزتش راجل عشان استنى منه ورث، دهبي وشقايا فدا بناتي، بس الراجل ده لو دخل من باب هدخل من التاني.
حسيت كأن سكينة باردة نزلت شقت صدري، بصيت لأمي بدموع بتكوي عيني
خلع يا أمي؟! نسمة تخلعني ومستنيانيش حتى أروحلها أعتذرلها وأبوس رجلها؟
أمي بصتلي نظرة قطعت آخر حبل أمل في قلبي وقالت
تعتذر على إيه ولا إيه يا ابني؟ على الكسرة اللي كسرتها لبنتك على باب العمليات؟ ولا على الغدر بست وقفت جمبك وصنعتك من الهوا؟ نسمة نفضت إيدها منك للأبد، والست التانية قفلت عليك الباب وخدت الجمل بما حمل.. إنت دلوقتي واقف في الهوا، لا طايل ولد ولا طايل بنات، والذنب اللي ركبته طلع عليك في الدنيا قبل الآخرة.
أمي كملت كلامها بنبرة حاسمة وصوت مفيش فيه ذرة تردد
طلقها يا ابني.. طلقها بالمعروف وبلاش تبهدلها في محاكم بعد كل اللي عملته فيها، إنت متستاهلهاش ولا تستاهل ضفرها. أخدت شقاها وفلوسها ودهبها وصرفته على واحدة تانية، وكسرت خاطرها وخاطر عيالها. حتى مصبرتش عليها، ما الست كانت لسه صغيرة وكان ممكن تجيبلك الولد اللي هوسك ده! روحت استعجلت وشوفت حياتك في السر ورَميت حمولك وراك.. من حقها هي كمان تطلق وتشوف حياتها وتبعد عن القهر اللي عاشته معاك!
كلام أمي كان بيدق في راسي زي المطارق، مقدرتش أقعد دقيقة تانية أسمع حقيقتي اللي بتهرب منها. قومت مفزوع، نزلت السلالم جري وأنا مش شايف الطريق، وركبت أول تاكسي وقولتله على عنوان بيت حمايا القديم.. البيت اللي نسمة راحتله بعد ما سابت شقتنا.
وصلت العمارة، طلعت السلالم وأنا بنهج وروحي بتتسحب مني. وقفت قدام الباب وفضلت أخبط بخبطات متتالية، مرتعشة ومفضوحة
نسمة! افتحي يا نسمة عشان خاطري، اسمعيني بس.. أنا غلطان والله غلطان، افتحي يا أم البنات!
فضلت أخبط لحد ما إيدي وجعتني، البيت كان ساكت خالص، وفجأة سمعت حركة خفيفة ورا الباب، وصوت نسمة طالع من جوا حاد وناشف زي الحجر
امشي من هنا يا أستاذ.. وجودك ملوش أي معنى ولا كرامة، الباب ده اتقفل في وشك ومش هيتفتح تاني، والمحامي هو اللي بيني وبينك.
صرخت بضعف ودموعي نازلة تحرق خدي
متعمليش كدة يا نسمة، أنا اتعاقبت وربنا جابلك حقك تالت ومتلت، شهيرة خدت كل حاجة ورمتني.. اسمعيني بس ونرجع لعيالنا!
كنت مستني نسمة تشمت أو تزعق، لكن اللي صدمني وقطع قلبي حتت كان صوت صغير قرب من فتحة الباب.. صوت بنتي نور.
قالت بنبرة طفولية بس مليانة جفا ووجع سنين
امشي يا بابا.. إنت نسيتنا هناك عند العمليات وقولت إنك مش عايزنا، وإحنا كمان خلاص نسيناك ومش عايزينك.. متخبطش على بابنا تاني!
رجعت لورا خطوة، ساند ضهري على الحيطة في مدخل السلم، الدموع مغرقة وشي، وصوت بنتي بيرن في وداني زي الحكم بالإعدام. حسيت بسواد ملوش آخر بيقفل عليا، واقف في الشارع خالي الوفاض، لا بيت، ولا مال، ولا عيال، أدركت ساعتها إن اللي بيخسر بناته وأصله عشان وهم.. بيفضل طول عمره غريب ومكسور، ومفيش باب في الدنيا
متابعة القراءة