مرات المدير اماني السيد
المحتويات
مسكت شنطتي وحاجاتي الخاصة في هدوء تام، ويوسف كان واقف في نص المكتب بيبصلي بذهول، مش مستوعب التغيير المفاجئ اللي حصل في رد فعلي. كان فاكر إن التهديد بالطرد هيخليني أركع وأعتذر لصفا عشان أحافظ على أكل عيشي، بس النظرة اللي في عيني خلت لسانه يتلجم. صفا اتكلمت بنبرة مليانة تشفي وهي بتبتسم بنصر براحتك خالص.. الشركة مش واقفة عليكِ، وألف مين يتمنى ييجي يشتغل مكانك!
بصيت لصفا ببرود، ومن غير ما أرد عليها كلمة واحدة، التفتّ ليوسف اللي كان وشه بدأ يصفر وشايف كل حساباته بتبوظ قدام عينيه. بصيت له بثبات وقولتله بصوت واطي ومسموع له هو بس الورق اللي أنت عايزه، هتلاقيه في البيت.. استناني هناك سيبتهم وخرجت.. مشيت في الطرقة ورأسي مرفوعة لأول مرة من شهور. حسيت كل خطوة بتبعدني عن المكتب ده كأنها حجر بيتفاوك من على صدري.
يوسف حاول يداري توتره قدام صفا ويهديها، وبين بينه وبين نفسه كان بيقنع روحه إنها مجرد حركة طايشة مني، تمثيلية بضغط بيها عليه عشان ألوى إيده، ومصيره لما يرجع البيت هيلاقيني قاعد بكي وبستسمحه يرجعني شغلي. مرت الساعات ثقيلة.. يوسف رجع البيت في الميعاد، فتح الباب بالمفتاح ودخل وهو بيحاول يظهر بروده المعتاد. أول ما دخل الريسيبشن، لقى النور مطفي والهدوء تام، بس الشنط كانت متكومة جنب الباب. خرجت له من الأوضة، كنت لابسة هدوم الخروج، ومفيش في وشي أي أثر للدموع ولا للضعف. يوسف حط إيده في جيبه وحاول يبتسم استخفاف وهو بيقول إيه الجو ده؟
أنتِ فاكرة نفسك بتمثلي مسرحية؟ شغل الأطفال ده ما يمشيش معايا.. هتلمي شنطتك وترجعي شغلك بكرة من غير كلمة زيادة، وبلاش حركات التهديد الرخيصة دي عشان مش هتجيب معايا نتيجة قربت منه ببطء، ووقفت قصاده بنفس الثبات اللي مرعبه، وطلعت ورقة الجواز العرفيالرسمي من شنطتي وحطيتها على الترابيزة بيننا. بصيت له وقولت بنبرة حاسمة ومفيهاش أمل واحد للرجوع أنا مش بهددك يا يوسف.. ولا بضغط عليك. أنا القرف وصل معايا لآخره. الورقة دي تنتهي حالاً.
. أنت تطلقني بالثلاثة، وكل واحد يروح لحاله يوسف برّق بذهول، نبرة الاستهتار اختفت تماماً من وشه واستبدلت بصدمة حقيقية أنتِ بتقولي إيه؟! طلاق إيه؟ أنتِ تهبلتي؟! لأ، أنا عقلت.. رديت عليه وأنا بتكلم بكل هدوء ..عقلت لما عرفت إني رخصت نفسي لما قبلت أكون في الضلمة، وعقلت لما شفتك بتبيعني وتهينني عشان خايف على قرشين صفا وشراكة باباها. أنا مش نص زوجة، ولا لعبة تسد بيها وقت لحد ما تظبط أمورك.
. رميت لك شغلك، ورجعت لك حياتك اللي خايف عليها، ودلوقتي تطلقني بالمعروف زي ما اتجوزنا يوسف قرب مني بسرعة وحاول يمسك إيدي، ونبرته اتغيرت التماس وقلق أنتِ أكيد مش في وعيك.. استهدي بالله كده واقعدي نتكلم! أنا عملت كده عشان الشركة وعشان صفا ما تشكش في حاجة ونهد كل اللي بنيناه! أنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه ومستعد...قاطعت إيده وزقيتها بعيد عني بقلة صبر وصرخت فيه لأول مرة ما تنطقش الكلمة دي! الحب اللي يخلي صاحبه يذل مراته ويهينها قدام الناس مش حب.
. ده رخص! وأنا مش رخيصة يا يوسف بص ليوسف في عيني لقي فيها حاجة جديدة عليه.. لقى باب مقفول للأبد، لقى ست اتكسرت بس لمّت قسائمها وصحيت على كرامتها. عرف إن أي كلمة تانية مش هتغير الواقع، وإن اللعبة اللي كان فاكر إنه مالكها، خسرت بالكامل. أخد نفس مكسور، وصوته بقى واطي ومكسور وهو حاسس إن كبرياءه كله اتداس عليه أنتِ متأكدة إنك عايزة تنهي كل حاجة بالشكل ده؟
أنا متأكدة إن دي أول خطوة صح أعملها من ساعة ما عرفتك.. طلقني يا يوسف سكت لثواني كانت أطول ثواني في حياتنا، وبعدها ينطق الكلمة اللي كانت نهاية الكابوس وبداية حريتي أنتِ طالق يا... طالق بالثلاثة وبعدها روحنا للماذون ونهينا كل حاجه
نزلت السلالم خطوة خطوة، وكل خطوة كانت كأنها بتفك قيد من إيدي. الشارع كان هادي، والنسيم البارد ضرب في وشي يفك التشنج اللي كان في ملامحي. وقفت لحظة على الرصيف، أخدت نفس عميق للآخِر.. لأول مرة من شهور حسيت إن صدري بيتوسع بالهوا مش بيتخنق بيه. أجّرت عربية وطلبت منه يطلع على المحطة. طول الطريق كنت باصة من الشباك على أنوار المدينة اللي ظلمتني، مش حاسة بندم ولا حتى بوجع، كان الجرح لسه ناضج آه، بس كان فوقيه طبقة حماية جديدة اسمها الكرامة.
وصلت المحطة وركبت أول قطر رايح محافظتي. قعدت جنب الشباك، وحطيت راسي على الإزاز.. ومع حركة القطر السريعة وشريط السكة الحديد اللي بيتسحب تحتنا، بدأت ذكريات الشهور اللي فاتت كلها تتسحب ورايا وتسيبني في حالي. نمت من التعب النفسي، نوم عميق مادوقتوش من يوم ما خرجت من بلدنا. تصحيح الصبح كان على صوت كمساري القطر وهو بينادي باسم المحافظة.. فتحت عيني، وشفت الشمس طالعة فوق بيوت بلدنا، نفس الشمس اللي غابت عني وأنا عايشة في ضلمة السر. نزلت من القطر، وطلعت على بيت أهلي مباشرة.
أول ما فتحت الباب وشفني بابا وماما، اتفاجئوا بوجودي وبشنطتي، بس المحبة والأمان اللي في عينيهم كانوا المصل اللي صلح كل حاجة انكسرت جوايا. ماما جرت عليا حضنتني وهي بتسأل بقلق يا حبيبتي! إيه المجيء المفاجئ ده؟ ويوسف فين؟بصيت لبابا وماما، وبابتسامة هادية ورسيّة، قولت لهم أنا رجعت بيتي يا بابا.. رجعت لحضنكم ولأهلي. الجوازة دي انتهت، اتطلقت.
والدي اتصدم، وقام وقف مكانة بس لما شاف ثباتي ووشي المرفوع، قرب مني وحط إيده على كتفي وقال بنبرة أب حقيقي المهم إنك بخير يا بنتي.. وطالما رجعتِ وعلى وشك الضحكة دي، يبقى اللي حصل هو الصح. بيتك وأهلك ضهرك وسندك، والصفحة القديمة دي تقفليها وترميها ورا ظهرك مرت الأيام..يوسف في المحافظة الثانية كان فاكر إن الدنيا هتمشي زي ما هو مرتب لها، بس الواقع ضربه في مقتل. استقالتي وسحبي لكل الملفات والمعادلات الحسابية اللي كنت شغال عليها سابت فراغ قاتل في الشركة.
صفا ما كنش عندها أي خبرة، وعكت الحسابات وتسببت في لخبطة كبيرة في تقارير مجلس الإدارة، والشركة بدأت تخسر عقود مهمة بسبب العشوائية. حاول يوسف يتصل بيا عشرات المرات، كان بيبعت رسايل كلها ندام واستعطاف، بيترجاني أرجع حتى ولو عشان أظبط أوراق الشركة وأحط الشروط اللي أنا عايزة، بس أرقامه كلها دخلت القائمة السوداء من أول يوم.. ما بقاش له وجود في عالمي. أنا من ناحيتي، لميت شتات نفسي. قدمت سي في لشركات كبيرة في المحافظة هنا، وبفضل الخبرة الصعبة والمجهود اللي بذلته زمان، اتقبلت في شركة استثمارية كبيرة بمرتب أحسن وبمكانه تحترمني وتحترم مؤهلاتي.
في يوم، كنت قاعدة في مكتبي الجديد، الشباك بيكشف منظر المحافظة كلها والشمس مالية المكان. السكرتيرة دخلت وحطت قدامي ملف جديد عشان أراجعه. رفعت راسي، بصيت للملف، وبعدين بصيت لنفسي في المراية اللي على المكتب.. شفت
متابعة القراءة