ام هاني
فيه بصيص أمل وسط الظلمة اللي حواليها، وبدأت تفكر بجدية إنها تلم هدومها هي وابنها وتمشي في سكة مجهول بس أهون بكتير من قسوة وجبروت اللي شافته.
وفعلاً، بعد سفرها لمحافظة تانية ودوران طويل على لقمة العيش، ربنا دلها على شغل في مزرعة كبيرة وواسعة لصاحب عمل شرطه الوحيد وصارم الشغل هنا ليكي لوحدك، ممنوع منع باتاً دخول الأطفال أو وجود عيال معاكي في المزرعة!
الكلمة نزلت على قلب أم هاني كالصاعقة الأكبر.. وقفت قدام صاحب المزرعة وهي بتبتلع غصتها ودموعها محبوسة في عينها، مش عارفة تعمل إيه ولا تروح فين بابنها الصغير؟ هي سافرت وهربت من كلام الناس عشان تحميه، ودلوقتي الشغل اللي هيسترها ويأكلها رافض وجوده!
رجعت بخطوات مكسورة، وهي قاعدة على جنب في الشارع حاضنة ابنها الصغير وبتعيط بمرارة، مش عارفين يروحوا فين ولا يعملوا إيه، والدنيا ضاقت بيها من كل اتجاه. خرجت أم هاني من باب المزرعة بخطوات ثقيلة ومكسورة، ما كانتش عارفه تروح فين ولا تعمل إيه بعد ما اتقفلت في وشها كل الأبواب.
قعدت على الأرض بالقرب من بوابة المزرعة الكبيرة، وضمّت ابنها الصغير لح. ضنها بقوة، كأنها بتداريه عن قسوة الدنيا وظلمها. نزلت دموعها بغزارة وهي باصة لابنها اللي مش فاهم حاجة وعمال يعيط من الجوع والخوف، حست إنها وصلت لنهاية الطريق، وإنها لا قادرة ترجع لبلدها وذلها، ولا عارفة تحمي ابنها وهي تايهة في محافظة غريبة لوحدها مالهاش سند ولا ضهر.
وبينما هي قاعدة على الأرض، ضامة ابنها لصدرها ودموعها بتغسل وشها من كتر القهر والقلة، عربية صاحب المزرعة وصلت ووقفت عند البوابة. نزل الراجل من العربية، وبص باستغراب للست اللي قاعدة بتهتز من العياط هي وابنها برة المزرعة.
قرب منها بخطوات بطيئة وسألها بنبرة حادة لكن فيها حيرة إنتي مين يا ست؟ وبتعملي إيه قاعدة هنا على البوابة من الصبح؟ مش أنا قلتلك الشغل هنا للوافدة لوحدها ومنعوت الأطفال؟رفعت أم هاني رأسها المكسورة، وبصت له بعيون حمرا دايبة من الدموع، وبصوت مبحوح يقطع القلب قالت أنا يا بيه طريدة من بلدي وأهلي.
. جوزي طردني وظلمني ورماني في الشوارع عشان يتجوز غيري، وماسكتش على كده.. ده حب يكسرني في ابني ويكدب في نسبه كمان! أنا سافرت وهربت من كلام الناس السام عشان أحمي ابني، ولما جيت هنا لقيت رزقي مقفول في وشي عشان طفل مالوش غيري في الدنيا..
مش عاوزة أزعجك ولا أضايقك، بس والله ماليش مكان أروح فيه ولا حتى جنيه واحد أشتري بيه لقمة لابني الغلبان!كلماتها نزلت على قلب الراجل كالصاعقة؛ صاحب المزرعة لمس الصدق والوجع الحقيقي في كلامها، وبص للطفل الصغير المرتعش في حضنها، فحس بغصة حارقة في زوره وتأثر جداً بقصتها وقسوة الدنيا عليها.
سكت ثواني وهو بيفرك لحيته، وبعدين بص لها بعطف وقال بصوت دافئ قومي يا أم هاني.. قومي يا بنتي، اعدلي وقفتك. ربنا ما يرمي عبده أبداً. تعالي معايا.. في غرفة صغيرة منفصلة في طرف المزرعة بعيدة عن الشغل، تقدري تقعدي فيها إنتي وابنك، وتشتغلي وتاكلي عيش حلال وتستري نفسك!
فتحت أم هاني عينيها بذهول وصدمة فرحة مش مصدقة نفسها، وفضلت تترمي على الأرض تدعي له بدموع الامتنان وهي حاسة إن ربنا بعت لها طوق نجاة في أواخر لحظات اليأس. مرّت الأيام، وأم هاني استقرت في الغرفة المنفصلة جوه المزرعة، وكانت بتشتغل بأمانة وإخلاص تفرش وتروح وتخدم بعرقها عشان تربي ابنها بالحلال.
صاحب المزرعة، وكان راجل كبير في السن وطيب القلب، كان عايش لوحده بعد ما ربنا كتب وقدره وتوفي ابنه الوحيد في حادثة زمان، وساب جوه قلبه فراغ كبير ووجع ما بينتهيش. كان كل ما يشوف أم هاني وهي بتكافح عشان ابنها الصغير، وبتفكر بيومه وبكرة، قلبه بيحس بيها وبتفاصيل وجعها اللي شبه وجعه على ابنه.
وفي يوم، وقف قدامها وبص لها باحترام وتقدير كبير وقال لها بنبرة هادية يا أم هاني.. أنا راجل وحداني، وماليش في الدنيا حد، وابني اللي مات ساب مكانه خاوي.. وأنا شايفك إزاي محافظة على شرفك وكرامتك وبتحاربي الدنيا عشان ابنك.. ما تقعديش لوحدك، ولا تشيلي هم بكرة تاني.
. اعتبريني أهل وسند، وأنا جاهز أتجوزك على سنة الله ورسوله، وأبقى أب للولد ده وأربيه في حضني وكأنه ابني اللي راح، وتعيشي في أمان وستر من غير ما تحتاجي لحد. الكلام نزل على قلب أم هاني زي الهدية اللي ربنا بعتها من السما بعد طول عذاب وظلم..
لقت نفسها قدام فرصة جديدة لحياة كريمة وستر وأمان ليها ولابنها الغلبان، فدمعت عينيها من الفرحة والرضا، ووافقت على قفل صفحة الآلام وبداية حياة جديدة ترجع لها كرامتها وضحكة ابنها. وافقت أم هاني على الزواج من صاحب المزرعة، ورغم فرق السن الكبير بينهما، إلا أنه عوضها عن كل القسوة والظلم اللي شافته في حياتها الأولى مع همام.
لم تحسسها كبر سنّه بأي نقص، بل كان نعم الأب والسند؛ احتضن ابنها الصغير وأحاطه بحنان وحب صادق وكأنه قطعة من قلبه وعوضه عن فقدان الأب الحقيقي. لم يبخل عليه بشيء، وكان حريصاً على تعليمه بأفضل الوسائل والسبل حتى أدخله أحسن المدارس وتابع مستقبله خطوة بخطوة، ليعوضه عن كل لحظة خوف وقهر عاشها في صغره، وتنقلب حياتهم تماماً من الضياع والفقر إلى الأمان والعز والاحترام.
مرت السنين وجريت الأيام، وهاني كبر وبقى شاب قد الدنيا، وربنا أكرمه وتخرج من كليته وبقى مهندس شاطر وناجح، الكل بيحلف بأدبه وعلمه وارتفاع شأنه. بس مهما السنين عدت، والخير والنعمة كتروا في عيشته، هاني ما نساش أبداً..
كلمة واحدة ما اتمحتش من عقله يوم ما وقف همام اللي مفروض أبوه في الشارع وطردهم، ويوم ما طعن في نسبه وقاله قدام كل الناس مش ابني وما يخصنيش، ويوم ما كسر قلب أمه وذلها.
الجروح القديمة فضلت حفرة جوه قلبه، وبقت هي الوقود اللي خلاه يثبت نفسه ويطلع، وهو عارف كويس إن الأب مش بالخلفة ولا بالاسم، الأب بالستر والسند والظهر اللي يتسند عليه، زي الراجل العظيم اللي رباه وعوضه عن كل قسوة الدنيا.
مات صاحب المزرعه وساب كل حاجه لهانى وأمه لكن الجرح اللى جوه هانى مكنش قفل وقرر إنه يدور على ابوه عشان يعرف حاله ايه وياخد حقه وحق والدته ويعرفه هانى اللى رفضه وصل لايه