مرات ابنى

لمحة نيوز

بعصبية وهو بيفتح باب الشقة بقولك قومي البسي يا أمي! بلاش كلام كتير، مش هروح لوحدي وأسيبك، يلا! 
حسيت إن شكوكه زادت، وإن إصراره بقى يعورني من جوه، فما لقيتش قدامي حل غير إني ألبس عبايتي وأنا بجر في رجليا من كتر الخوف والكسفة اللي مستنياني هناك. ركبنا العربية طول السكة وأنا قلبي بيدق ألف دقة ودقة، لحد ما وصلنا بيت أهلها. 
الشارع كان مليان ناس، وطلعنا الشقة اللي كانت كلها صريخ وعياط. أول ما دخلنا، قابلنا أخوها أو حد من أهلها بالدموع، وابني دخل قدامي بخطوات مكسورة. دخلنا جوه، ولقيتها قاعدة على الأرض، وشها باهت وعنيها حمرا ورموشها لازقة من كتر العياط، وحولها الحريم بيحاولوا يهدوها. 
أول ما عينيها جت في عيني، وطلت في وشي، كأن شرارة ولعت فيها. نطت من مكانها كأن لدغها عقرب، وقفت قدامي وهي بتترعش، وبصوت مجروح ومبحوح صرخت في وسط الكل إنتِ جيتي هنا تاني؟! إيه اللي جابك هنا ؟! جاية تشمتى فيه صح ؟! 
جاية تشوفي إيه اللي حصل بعد ما حرمتيني منه؟! امشي من هنا.. امشي مش عايزة أشوف وشك! إنتِ السبب.. إنتِ اللي مو. تيه بحسرتي عليه!الكل في الشقة اتجمد، والستات بصلولنا بذهول واستنكار، وابني وقف في النص باصصلي وباصص لها، عيونه متسعة من الصدمة، ومش فاهم حاجة خالص من اللي بيتقال! 
قرب منها ابني بخطوات بطيئة، وشه أصفر ونبرة صوته بتترعش من الخضة والهول اللي شافه اهدي يا حبيبتي... اهدي واطلعي من اللي إنتِ فيه، وفهميني بالراحة.. إيه اللي حصل؟ وليه بتقولي الكلام ده لأمي؟رفعت عينيها ليه، وعيونها كانت بتطلع شرار من القهر، ودموعها نازلة بغزارة، وصوتها المبحوح هز القلوب أمك يا محمود. 
.. أمك منعتني أجوف أبويا وهو بيمو. ت عشان أخدمها هي وبناتها، وأنضف البيت بعد ما ياكلوا، كأني خُدامة جابتها بالفلوس!وقفت وهي بتصرخ بصوت بيقطع في قلب الكل، وشارت عليّ بإيدها فضلت تذلني طول اليوم وتستعجلني، وكل ما أمي تتصل بيا وتستنجد بيا وتقولي الحقيه بيمو. 
ت، أمك خطفت التليفون من إيدي غصب عني وقفلته وحطته جنبها! 
حرمتني من أبويا وهو بيحتضر.. حرمتني أقبله وأودعه وآخر نظرة في وشي.. أبويا مات وأنا محبوسة هنا بمسح ورا بناتك يا محمود! مات من غير ما أسمع صوته ولا أقوله سامحني!وقعت الكلمات على ابني زي الصواعق المتتالية.
وقف مكانه متجمد، عينه اتسعت لحد ما كادت تنط من مكانها، وبصلي بذهول مش مصدق اللي ودانه سامعاه. لف وشكلي، وبصلي بنظرة ما انكسرتش فيها بس، دي انطفى فيها كل احترام وحب، وقال بصوت واطي وخشن من كتر الصدمة كلامها صحيح ياما؟! عملتي فيها كده وهي أبوها بيطلع في الروح؟ 
!وقفت مكاني، لساني اتشل في بقي، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. بصيت لابني اللي عيونه كانت بتطق شرار، والكل حوالينا بيبصلي بنظرات لوم وقرف قطعت في قلبي. بلعت ريقي بصعوبة وبتلجلج في الكلام يا... يا ابني اسمعني... أنا كنت... كنت... 
قاطعني بصوت عالي هز حيطان الشقة كلها، صوت لأول مرة في حياتي أسمعه منه، كأن روحه بتطلع مع كل كلمة أسمع إيه؟! أسمع إيه تاني ياما؟! إنتِ دمرتي مراتي وحرمتيها من أبوها وهي حتة من قلبها! 
إنتِ قسيتي عليها لحد ما اتحرقت بالمنظر ده؟!بصلي بنظرة أخيرة مليانة كسرة وقهر، وقال ببرود وجعني أكتر من صراخه ليكي حق تقعدي لوحدك... ويوم ما تحسي باللي عملتيه ابقي افتكري إنك خسرتي ابنك كمان. 
سابني واقفة في وسط الشقة، والكل بيبصلي بوعيد، ووطى على مراته اللي كانت منهارة في العياط، شالها بحنية وطلع بيها عشان تهدا بعيد عن وشي، وأنا بقيت واقفة لوحدي في وسط الناس، 
والكلمات بترن في ودني، وحسيت ساعتها إن الندم جه متاخر أوي، وإن القسوة مابتجيبش غير الخراب والوحدةفاتت الأيام، لكن المذلة والوحدة كانوا هما الضيف الثقيل اللي ما بيروحش. 
حاولت أطلع لمرات ابني كذا مرة عشان أعتذر لها وأحايلها، وأقول يمكن قلبها يلين وتسامحني، بس أول ما كانت تشوفني كانت تبصلي بنظرة باردة وتقولي بصوت قاطع ارتاحي .. مفيش بينا كلام تاني. ولا أنا هقدر أخدمك ولا أدخل بيتك تاني، اكتفي باللي عملتيه زمان، وسيبيني في حالي. 
قفلت بابها في وشي نهائي، ورفضت تخدمنا أو تحط إيدها في البيت عندنا تاني كأنها كانت طيف وراح. اللي صدمنى بجد هو بنتي الصغيرة؛ دي اللي كانت مرات ابني بتشيلها في عينيها وتجهزها للمدرسة، طلعت بتحبها بجد وبقت تسيبني لوحدي وتطلع تجري على شقة مرات ابني عشان تقعد معاها وتساعدها في اللي تقدر عليه، وكأنها لقت الأمان هناك بعيد عن قسوتي. 
أما ابني... فده اللي وجع قلبي بجد. بقى طول الوقت قاعد في شقته فوق، نازل على شغله وطالع على بيته ومراته، كأنه مش شايفني أصلاً. لا كلمة حلوة، لا قعدة صفا، ولا حتى بيبص في وشي وهو نازل. 
حتى بناتي الكبار، اللي كنت مفكراهم سند ليا، بقوا ييجوا زي الغربا، قاعدين متجهمين، وبیعاملوني بجفاء وعتاب صامت لأنهم شافوا عملتي السودا بعينهم، ولما بطلب منهم طلب صغير بقوا يتهربوا مني. لقيت نفسي لوحدي تماماً في بيت واسع، بشرب من كاس القسوة اللي دستها بإيدي. 
بقيت أخدم نفسي بنفسي، أعمل لقمة لوحدي، وأكلم الحيطان من
تم نسخ الرابط