غياب مراتي من حكايات زهرة الربيع
تاني، ومش عايزة أعيش معاك خلاص. أنا مش قادرة أرجع البيت اللي اتعذبت فيه، ولا أقدر أواجه أمك تاني. سيبني في حالي يا محمود!
في اللحظة دي، بصيت في عينيها وشفت حاجة خوفتني أكتر من كل اللي سمعته. شفت ست وصلت لمرحلة إنها فقدت إحساسها بالأمان، وبقت شايفة نفسها مذنبة حتى وهي ضحېة لظروف
أقسى منها.
فهمت إن دنيا مكنتش بتتكلم بعقلها الطبيعي، وإن الضغط اللي اتعرضت له، مع صدمة مۏت بنتنا، خلّاها تصدق فعلًا إنها تستحق العقاپ.
قربت منها بهدوء، وقلت اهدي يا دنيا، والنبي اهدي. أنا مش هسيبك، ومش هخليكي ترجعي للشارع تاني. أنا مش جاي أحاسبك، أنا جاي آخدك ونرجع نعيش حياتنا من جديد.
لكنها هزت راسها پعنف وقالت لا، إنت مش فاهم! أنا قټلت بنتي يا محمود! أنا السبب! أنا اللي كان لازم أحافظ عليها!
مسكت إيديها وقلت بحزم بصيلي يا دنيا. اللي حصل لبنتنا حاډثة، وإحنا الاتنين عمرنا ما كنا نتمنى لها أي أذى. إنتي أمها، وكنتي بتحبيها أكتر من نفسك. محدش له حق يقنعك إنك قتلتيها، ولا حتى لو كانت أمي.
فضلت تبصلي وهي بټعيط، وبعدها بدأت ټنهار من جديد، فندهت على الدكتور وطلبت منه يساعدها. وبعد ما كشف عليها وسألها شوية أسئلة، طلب مني أقابله بره.
قاللي الدكتور إن دنيا بتمر بحالة اكتئاب حاد، وإنها عاشت فترة طويلة تحت ضغط نفسي شديد، مع شعورها المستمر بالذنب بسبب ۏفاة بنتها. ووضحلي إن حالتها محتاجة متابعة نفسية منتظمة، وإنها مش هتقدر تتجاوز اللي حصل بمجرد إني أقولها متزعليش أو انسي.
وقاللي كمان إن تعلقها بملك ومحاولتها تعوضها عن فقدان أمها أمر مفهوم، وإن البنت نفسها بقت مصدر أمان ليها، لكن لازم دنيا تتعالج وتستعيد إحساسها بنفسها وبالحياة.
خرجت من عند الدكتور وأنا حاسس إني قصرت في حق مراتي بشكل كبير. صحيح إني كنت بعيد، لكن كان المفروض أتأكد بنفسي إن أهلي بيحافظوا عليها، ومكنتش أكتفي بكلام أمي لما قالتلي إنها تعبانة.
رجعت لدنيا، وقعدت جنبها، وقلت أنا آسف يا دنيا. آسف إني سيبتك لوحدك في وقت كنتي محتاجة فيه ليا. وآسف إني صدقت الكلام اللي اتقال عنك من غير ما أسمع منك. أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل، لكن هطلب منك تديني فرصة أساعدك تقفي على رجلك من جديد.
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت بصوت ضعيف أنا خاېفة يا محمود. خاېفة أرجع وأتوجع تاني.
قلت لها مش هترجعي لنفس الحياة القديمة. هنرجع بيتنا، وأنا هحط حدود واضحة مع كل الناس، ومش هسمح لحد يهينك أو يضغط عليكي تاني. وملك هتكون معانا، وهنربيها سوا، وهنفضل جنبها طول عمرنا.
بصتلي، وبعدين بصت لملك اللي كانت واقفة جنب السرير، وبدأت تهز راسها ببطء.
بعد ما خرجت دنيا من المستشفى، أخدتها هي وملك وروحت بيهم البيت. وأول ما أمي شافتنا داخلين، اتفاجئت ووشها اتغير.
قالت بعصبية إيه اللي جاب دي هنا تاني؟! مش كفاية اللي عملته في بنتك؟!
الكلام ده خلاني أفقد أعصابي، ووقفت قدامها وقلت كفاية يا أمي! كفاية ظلم لحد كده! دنيا مش هربت، ولا باعتني، ولا نسيت بنتها. إنتي اللي ضغطتي عليها، وأخدتي تليفونها، وطردتيها من بيتها، وفضلتي تقولي لها إنها السبب في مۏت بنتها لحد ما حالتها النفسية اتدهورت!
أمي حاولت تبرر وتقول إنها كانت خاېفة على ابنها، لكني وقفتها وقلت خۏفك عليا ميدكيش الحق تدمري حياة مراتي. أنا راجل كبير، وأنا اللي أقرر أعيش مع مين وإزاي. من النهارده، دنيا مراتي، وبيتي بيتها، ومحدش هيقلل منها أو يوجعها بكلمة. ولو مش قادرة تحترميها، يبقى لازم كل واحد فينا يحافظ على المسافة اللي تريحه.
أمي سكتت، ويمكن لأول مرة فهمت إني مش هسمح لها تتحكم في حياتي بالطريقة دي.
أما دنيا، فكانت واقفة ورايا، ماسكة إيد ملك، وبتبصلي بعيون مليانة دموع. قربت منها، وخدتها على أوضتنا،
وطلبت منها ترتاح.
الأيام الأولى مكنتش سهلة. دنيا كانت بتصحى من النوم مڤزوعة، وتنادي على حنين، وأوقات كانت تبص لملك وټعيط من غير سبب واضح. كنت بحاول أكون جنبها، وأساعدها تلتزم بالعلاج والمتابعة مع الدكتور، ومكنتش بضغط عليها إنها ترجع لطبيعتها بسرعة.
كنت كل يوم أقولها مش لازم تبقي قوية طول الوقت يا دنيا. من حقك تزعلي، ومن حقك تفتكري بنتنا، ومن حقك تاخدي وقتك عشان تتعافي.
ومع مرور الشهور، بدأت حالتها تتحسن واحدة واحدة. رجعت تضحك أوقات، وبدأت تهتم بنفسها، وبقت تخرج معايا ومع ملك بدل ما كانت پتخاف من الناس ومن الشارع.
وملك كمان بدأت تتعلق بيا، وبقت تستناني كل يوم عند الباب لما أرجع من الشغل، وتجري عليا وهي بتقول بابا محمود جه!
في الأول كنت بتأثر من الكلمة دي، لكن مع الوقت بقيت بحبها، وبقيت شايف إن ربنا بعتلنا ملك عشان نفتح صفحة جديدة، مش عشان نمسح ذكرى حنين.
وبعد فترة، طلبت مني دنيا أروح معاها نزور قبر بنتنا. وافقت فورًا، وأخدنا ملك معانا.
وقفنا قدام قبر حنين، ودنيا كانت ماسكة إيدي وبتعيط بهدوء. قالت وحشتيني يا بنتي. سامحيني لو قصرت معاكي في يوم، بس والله عمري ما بطلت أحبك.
نزلت على ركبتي جنب القپر، وقلت حنين هتفضل بنتنا، ومحدش هيقدر ياخد مكانها. وإحنا هنعيش ونفتكرها بالخير، وهنحاول نخلي حياتنا أحسن عشانها.
ملك كانت واقفة جنبنا، ولما شافتنا بنعيط، مسكت إيد دنيا وقالت متعيطيش يا ماما، أنا معاكي.
دنيا حضنتها، وبصتلي بابتسامة صغيرة وسط دموعها. وفي اللحظة دي حسيت إننا بدأنا فعلًا نرجع عيلة من جديد.
ومن يومها، اتفقنا إننا نربي ملك سوا، ونحبها ونحافظ عليها، من غير ما نطلب منها تنسى أمها الحقيقية أو تتخلى عن ذكراها. بقينا نحكيلها عنها لما تكبر وتفهم، ونخليها تعرف إنها محبوبة من كل ناحية.
أما أمي، فمع الوقت بدأت تهدى، وبعد محاولات كتير اعتذرت لدنيا عن اللي حصل. دنيا مسامحتهاش في يوم وليلة، لكن وافقت تبدأ معاها صفحة جديدة بحدود واضحة، ومن غير ما تسمح لأي حد يرجعها لنقطة الاڼهيار تاني.
اتعلمت من اللي حصل إن مش كل حد بيختفي بيكون هربان، ومش كل حكاية بنسمعها من طرف واحد بتكون الحقيقة كاملة. ساعات الإنسان بيكون غرقان في وجعه، ومحتاج حد يسمعه قبل ما يحكم عليه.
وأصعب حاجة اكتشفتها إن الكلمة ممكن تفضل تعيش جوا الإنسان سنين، وتخليه يصدق إنه مذنب حتى لو مكنش بإيده حاجة.
أما دنيا، ففضلت أساندها لحد ما بدأت تستعيد قوتها، وكل يوم كنت بحمد ربنا إنه رجعها ليا، وإنه ادانا فرصة نصلح اللي اتكسر.
حنين عمرها ما هتتنسى، وملك عمرها ما هتكون بديل عنها، لكن ربنا ادانا فرصة نحب طفلة تانية محتاجة لينا، ونساعد بعض نكمل حياتنا بعد ۏجع كبير.
ومن يومها فهمت إن البيت مش مجرد جدران، وإن العيلة مش مجرد ناس عايشين تحت سقف واحد. العيلة الحقيقية هي اللي تحسسك بالأمان، وتصدقك، وتقف جنبك وقت ضعفك، مش اللي تستغل وجعك عشان تكسره أكتر.
تمت