لماذا لم تفتتح سورة التوبة بالبسملة

لمحة نيوز

يبدأ كل جزء من كتاب الله العزيز بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم”، وكل سورة من سوره – وعددها 114 – تبدأ بالبسملة، باستثناء واحدة فقط هي سورة التوبة، التي خالفت هذا النمط القرآني المألوف، مما جعلها موضع تساؤل لدى كثير من المسلمين والدارسين على مر العصور. هذا الغياب المتعمد ليس اعتباطيًا، بل يحمل دلالات قوية ورسائل ربانية عميقة، كشف العلماء جزءًا منها، وبقي جزء يترك أثر الهيبة في النفوس. فما الذي يجعل الله يختار ألا تبدأ هذه السورة بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”، تلك العبارة التي تحمل الرحمة والسلام والسكينة؟

أجمع علماء التفسير أن سورة التوبة تحمل طابعًا مختلفًا عن بقية

السور، فهي سورة الحرب والبراءة والإنذار، وقد نزلت في وقت حرج من تاريخ الإسلام، حين كثر النفاق، واشتدت المواجهة بين المسلمين وأعدائهم، وكثر الخداع والغدر بالعهود. جاءت السورة لتفضح المنافقين، وتكشف خيانتهم، وتبرئ النبي ﷺ من عهود المشركين الذين خانوا العهد. فكيف تبدأ هذه السورة بعبارة “الرحمن الرحيم”، وهي تحمل في طياتها إنذارات شديدة، وأوامر بالقتال، وفضحًا لأهل النفاق والخيانة؟

ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “إن البسملة أمان، وسورة التوبة نزلت بالسيف، فلا أمان فيها”. هذه العبارة تلخص الموقف القرآني بدقة، إذ إن سورة التوبة لا تتضمن أي مظهر من مظاهر اللين

في بدايتها، بل تبدأ بكلمة “براءة”، وهي إعلان صريح بالقطيعة من الذين نقضوا العهود وتآمروا على المسلمين. فكان من غير المناسب أن تبدأ بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم” التي ترتبط في أذهان المسلمين بالرحمة الإلهية والسكينة الربانية، لأن السياق هنا لا يدعو إلى الرحمة بل إلى الحزم والإنذار وإنهاء العلاقات السابقة التي ثبت غدر أصحابها.

وقد أورد بعض المفسرين رأيًا آخر يقول إن سورة التوبة هي في الأصل مكملة لسورة الأنفال، لذلك لم تبدأ بالبسملة لأن الفصل بين السورتين لم يكن واضحًا في أوائل الترتيب، وكانت السورتان تقرآن معًا. لكن هذا الرأي ظل ثانويًا مقارنة بالرأي الذي يعتبر أن عدم

وجود البسملة كان مقصودًا من الله تعالى لتأكيد الرسائل القوية والتهديدية في السورة.

كما تحتوي السورة على وصف دقيق لصفات المنافقين، وتفصيل لمواقفهم المؤذية للمجتمع الإسلامي، ومواقفهم المخزية في غزوة تبوك. فهي أشبه بتشريح اجتماعي وسياسي لأحد أخطر التحديات التي واجهت الدولة الإسلامية، ألا وهو النفاق الداخلي. فأن يبدأ هذا الوصف المرعب بعبارة تحمل الرحمة لم يكن ليتوافق مع روح النص ومقصده. ومن هنا، كان الغياب مقصودًا وله دلالة بلاغية وعقائدية عميقة.

ولذلك فإن عدم افتتاح سورة التوبة بالبسملة ليس سهوًا أو استثناء بلا حكمة، بل هو مقصود قرآني يعكس طبيعة السورة ورسائلها التي

تختلف عن غيرها من السور.

تم نسخ الرابط