غرور امانى السيد
المحتويات
دي، متخيلة إن الباشا بعد ما ركب أحدث العربيات وقعد في أفخم مطاعم، كان ممكن يرجع يدخل من الباب المخلع ده تاني وينام على مرتبة قطن؟
ضحكت نورهان ضحكة رنت في مدخل العمارة كأنها سكاكين، ولفت ناحيتي وحطت إيدها على كتفي بدلال مستفز، وبصت لفاطمة وكملت
شكراً على مجهودك يا شاطرة، جه وقت تسليم الوردية لسيدة البيت الحقيقية. لمي بقى كراكيبك دي ومن غير شوشرة عشان البوليس ميجيش يرميكي برة، لأن الشقة دي صاحبها هيستلمها من بكرة، وجوزي ملهوش ذكريات هنا غير إنه يمسح سنين الفقر دي من حياته خالص.
فاطمة مكنتش بترد ولا بتصرخ، بس الدموع كانت بتنزل على خدودها بصمت يحرق الحجر. شفايفها كانت بتتحرك بكلمات مش مسموعة، ولما عينيها جت في عيني لآخر مرة، حسيت بوجع خفي بيقرص ضميري، بس الخوف من نورهان شل لساني وخلاني واقف اتفرج زي الغريب اللي ملوش أي علاقة باللي بيحصل، مسلمها للذل والإهانة بإرادتي الكاملة.
نظرة فاطمة الأخيرة ليا كانت زي كرباج نزل على ضهري، بس الجبن كان متملك مني تماماً، واقف متخشب مكاني كأني تمثال شمع ملوش إرادة.
نورهان مكنتش شبعت لسه من الإذلال، حست إن سكوت فاطمة وكسرتها بيغذي غرورها أكتر، فمدت بوز جزمتها الجلد الغالية وزقت رزمة الفلوس اللي على الأرض وخبطتها في رجل فاطمة الحافية، وقالت بصوت مليان غل وتكبر
إيه؟ مش هتموتي وتاخدي القرشين دول؟ ولا عاملة فيها عزيزة نفس وبنت أصول؟ ده إنتي سنين عمرك كلها متسواش تمن الشنطة اللي في إيدي دي! يلا ورينا كرمك ولمي الفلوس دي من تحت رجلي وادعي للي عتقك وخلاكي تشوفي قرش حقيقي قبل ما تترمي في الشارع.
فاطمة في اللحظة دي اتنفست نفس طويل، وصوت شهقتها المكتومة قطع سكون المكان. وطت ببطء شديد، مش عشان تلم الفلوس
لكن عشان تسند على الباب الموارب اللي كان شاهد على ليالي بكاها وسهرها عشاني. رفعت وشها بهدوء غريب ومرعب، عينيها اللي كانت بتبكي نشفت منها الدموع فجأة، وبصت لنورهان بنظرة خلت ابتسامة نورهان الساخرة تتهز لثانية واحدة.
وبصوت واطي بس كان بيزلزل العمارة من قوة ثباته، قالت
الفلوس دي تشتري بيها راجل زيه، راجل يتباع ويشترى في سوق الهوان.. لكن أنا؟ أنا كنت شايلاه يوم ما كانش يسوى في سوق الرجال تلاتة مليم، شيلته بكرامتي وبدهبي وبصحتي. انتي مخدتيش مني حاجة يا هانم، انتي خدتي قشرة بني آدم، خدتي الراجل اللي باع شرفه وأصله عشان يركب عربية وياكل لقمة من عرق غيره.
لفت وشها ناحيتي، وبصت في عيني مباشرة، نظرة حسستني إني بتجرد من هدومي ومن كل قرش عملته في الغربة، وقالت بنبرة قطعت كل حبل كان رابطنا
أما إنت يا أحمد.. ف حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ربنا مش هيسيبك، والقرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك. من اللحظة دي، إنت ميت في عيني وفي قلبي.
رزعت الباب في وشنا بصوت زلزل السلم القديم كله، وقفلته بالمفتاح من جوة بجمود حاسم. نورهان حاولت تداري ارتباكها ورجعت تضحك بتصنع وقالتلي يلا يا بيبي.. ملكش دعوة بالبيئة دي، خلينا نمشي، لكن أنا رجلي مكنتش قادرة تتحرك، ودقات قلبي كانت بتدق برعب حقيقي.. حسيت إن باب الشقة ده مقفلش في وشي بس، ده قفل معاه كل باب رحمة وستر كان مفتوحلي في الدنيا.
صوت الترباس وهو بيتقفل من جوة كان عامل زي طلقة رصاص استقرت في نص دماغي، ورزع الباب نزل صوته يرن في منور العمارة وعلى السلم المفتوح زي الرعد.
نورهان مسكت إيدي بقوة، ضوافرها غرزت في جلدي وهي بتشدني وراها، وصوت كعبها العالي لسه بيخبط على درجات السلم المكسرة بانتصار مستفز. وإحنا نازلين، لاحظت إن أبواب الشقق في الأدوار اللي تحت كانت مواربة.. حس الفضيحة كان عالي، واليمين اللي رميته بأعلى صوتي مع زعيق نورهان وتعييرها لفاطمة كان كافي جداً يسمّع العمارة كلها من ساسها لراسها، ويفهمهم إن ابن حتتهم رجع من السفر بواحدة تانية، طلق الست اللي شالت أهله ومرمطها على عتبة بيتها.
نزلنا للشارع، وكان في كام راجل من كبار الحارة واقفين عند دكان البقالة اللي قدام البيت، وشباب الحتة ملمومين على أول الحارة. أول ما شافوني خارج ولابس البدلة النضيفة وجنبي نورهان بكامل شياكتها والعربية الفارهة راكنة وسط الشارع المترب، سكتت أصواتهم فجأة. بصاتهم كانت كلها لوم وعتاب تقيل يكسر الضهر، بصة للي لسه سامعينه فوق وبصة تانية ليا، كأنهم بيقولولي من غير ولا كلمة خسارة تربيتك وسطنا، وخسارة العيش والملح اللي هانوا عليك في لحظة.
حاولت أهرب بعيني منهم، وركبت العربية بسرعة وأنا حاسس بصغر وخزي عمري ما عيشته. نورهان قفلت الباب، خدت نفس عميق، وبصت في مراية الصالون تعدل الروج بتاعها وهي بتقول باستهزاء وبرود
شوفت بقى؟ الموضوع مكنش محتاج الدراما والتردد بتاعك ده كله.. شيلنا الهم وخلصنا منها، ومن هنا ورايح مش عايزة اسمع اسمها تاني على لسانك ولا حتى تفكر تبص وراك للبيئة دي.
دورت العربية وانطلقت بينا في شوارع القاهرة متجهة للكومباوند الفخم في التجمع. طول الطريق كنت ساكت تماماً، باصص على الطريق السريع بس مش شايف غير مشهد فاطمة ودموعها المكسورة، وصوتها وهو بيرن في ودني القرش اللي
متابعة القراءة