غرور امانى السيد

لمحة نيوز

بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.
الكلمة كانت بتلف في عقلي زي الدوامة، وكل ما نورهان تفرك في التليفون وتتكلم عن الفيلا الجديدة وديكوراتها، كنت بحس ببرودة غريبة بتسري في جسمي، كأن العز ده كله اتبنى على رمال متحركة هتبلعني في أي ثانية.. خلاص، القناع وقع، وأنا بعت أهلي وأصلي برضايا، وبدأ العداد يعد عليا تمن كل دمعة وقهرة سبتها ورايا.
الأيام الأولى بعد المشهد ده كانت ماشية في دوامة سريعة وكأن الدنيا بتحاول تعميني عن اللي عملته. نورهان خدتني في رجلها على المكاتب العقارية، بنمضي عقود الفيلا وبنختار أحدث التشطيبات، وكانت بتتعامل بمنتهى السيطرة، هي اللي بتدير، هي اللي بتدفع، وهي اللي بتحدد مين يدخل حياتنا ومين يخرج. وأنا؟ كنت مجرد تابع، شريك بالاسم وواجهة بتمشي في ضلها.
كنت كل ما أحط راسي على المخدة بالليل في الأوتيل الفخم، أسمع صوت رنة الكعب وصوت المفتاح وهو بيقفل باب فاطمة. حاولت أكلم أمي عشان أطمن، بس أول ما سمعت صوتي، ردت عليا بنبرة كلها وجع وقالتلي
أبوك مريض يا أحمد، ومكناش لاقيين حق الدوا لولا فاطمة اللي باعت مكنة الخياطة بتاعتها ووقفت معانا.. انت بعت الأصيلة عشان الفلوس، بس الفلوس هتروح والندم هيفضل لازق في توبك ليوم الدين.
وقفلت السكة في وشي من غير ما تديني فرصة أنطق.
الكلام نزل عليا زي السم، بس نورهان مكنتش بتديني مساحة أتنفس أو أفكر. بعد شهرين من الجواز الرسمي ونقل كل استثماراتي باسم الشركة المشتركة اللي عملناها، بدأت المعاملة تاخد شكل تاني خالص. نورهان بدأت تزهق من دور الزوجة المنقذة، ونبرة التكبر اللي دمرت بيها فاطمة زمان، بدأت تتوجه ليا أنا شخصياً وبشكل يومي.
في يوم، كنت راجع متأخر من موقع الفيلا، لقيتها قاعدة في الصالة، وحاطة قدامها ملفات الحسابات، وشها مكنش فيه أي تعبير غير القسوة والبرود. أول ما دخلت، رمت الملف على التربيزة وقالتلي باستهزاء
إيه التخبيط اللي عامله في حسابات المشروع ده؟ هو انت فاكر نفسك بتدير دكانة في حارتكم القديمة؟ الظاهر إن البيئة اللي طلعت منها لسه مأثرة على دماغك، ومش قادر تفهم يعني إيه استثمار بملايين!
وقفت مصدوم، لساني اتعقد، وبصتلها وأنا مش مصدق إن نفس الإهانة اللي وقفت اتفرج عليها زمان وهي بتتوجه لفاطمة، بتلف الدايرة وترجع تدوس على كرامتي أنا وبنفس النبرة والتعالي.
حاولت أبلع الإهانة وأرد بهدوء عشان ألمّ الموقف نورهان، أنا مهندس وعارف شغلي كويس، والأرقام دي مدروسة
قاطعتني بضحكة مستفزة قطعت كلامي في نص حنجرتي، وقفت وحطت إيديها في وسطها وبصتلي من فوق لتحت بنفس النظرة اللي بصت بيها لفاطمة على عتبة الباب القديم
مهندس إيه وشغل إيه يا حبيبي؟ إنت نسيت نفسك ولا إيه؟ إنت لولا اسمي وعلاقاتي وفلوسي مكنتش تحلم حتى تعدي من قدام بوابات الكومباوند ده! فوق لنفسك واعرف حجمك.. إنت هنا بتنفذ اللي أقوله بالحرف، مسمعش صوتك ولا أشوف منك تفلسف.
الدم غلي في عروقي، وحسيت بنار قايدة في صدري، صرخت فيها أنا شريكك في كل مليم ومفيش حاجة دخلتيها إلا بمجهودي وتخطيطي، إنتي مش جايباني من الشارع عشان تكلميني كده!
نورهان متهزتش، بالعكس، برودها زاد، وابتسمت ابتسامة خبيثة تجمّد الدم. طلعت سيجارة وولعتها، ورمت قدامي على التربيزة ورقة رسمية مختومة وقالتلي بهدوء مرعب
شريك مين يا أحمد؟ إنت ماضيلّي بتوكيل عام وإدارة لكل أصول الشركة وحساباتها من يوم ما اتفقنا على صفقة الفيلا.. والورقة دي إخطار بعزلك من كل مناصبك وتجميد توقيعك. يعني بكلمة واحدة مني، ترجع حارتكم بالهدوم اللي عليك، ومن غير حتى القرشين اللي كنا رميناهم للست بتاعتك زمان.
الصدمة شلتني للمرة التانية، بس المرة دي السكينة كانت في ضهري أنا. بصيت للورقة وبصيت لوشها، لقيت نفسي قدام وحش أنا اللي بنيته وغذيته بظلمي وكسرتي لفاطمة.
في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدى قدام عيني تضحيات فاطمة، دهبها اللي راح، مكنة الخياطة اللي باعتها عشان أبويا، وأنا اللي بعت ده كله عشان شوية مظاهر وسراب. الدنيا اسودت في وشي، ولقيت نفسي خارج من الفيلا تايه في شوارع التجمع في نص الليل، ممعاييش غير الموبايل ومفتاح عربية مش بتاعتي، وصوت فاطمة بيصرخ جوا عقلي زي الآذان القرش اللي بعتني عشانه هيكون هو السم اللي هيقضي عليك.
الدايرة لفت بالكامل، والوجع اللي زرعته بإيدي باستهتار، رجع يحصد روحي وكرامتي لحد آخر نفس.
مرت شهور كأنها سنين، ولقيت نفسي على الحديدة، كل اللي عملته في الغربة راح في قواضي ومحاكم خسرانة قدام نورهان ونفوذها ومحاميها الكبار. نورهان مجرد ما ضمنت كل العقود والتوكيلات، رفعت عليا قضية طرد من الفيلا، ورمت حاجتي كلها في الشارع ببرود، زي ما عملت زمان بالظبط مع فاطمة، بس المرة دي مكنش في حتى رزمة فلوس تترمي تحت رجلي.
بقيت مكسور، عاطل، وعايش في أوضة فوق سطح عمارة قديمة في أطراف القاهرة، بهرب من عيون الناس ومن نفسي. مكنش فاضل في قلبي غير حاجة واحدة بس بتديني أمل إني أتنفس إني أرجع لفاطمة، أركع تحت رجليها، أطلب منها تسامحني حتى لو مش هترجعلي، بس أسمع كلمة واحدة تطفي النار اللي بتاكل في صدري.
جمعت شتات نفسي، لابس قميص قديم مبهدل، وركبت المواصلات لحد الحارة
تم نسخ الرابط