الساعة اتنين بالليل حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

يفضلوا جزء من حياتنا.
ابتسمت، ورجعت تكمل رسمها.
وأنا فضلت أبص لها، وأحمد بكل الأسرار اللي اكتشفتها بقى جزءًا من الماضي اللي لازم أتعامل معاه، مش من المستقبل اللي لازم أعيش فيه.
بعد حوالي شهر، وصل تقرير الفحص الفني الخاص بالتوقيع.
المحامي اتصل بيا، وطلب مني أروح له.
قعدت قدامه، وكنت متوترة.
قال
التقرير ما حسمش كل جوانب المعاملة، لكنه أشار إلى اختلافات تستدعي استكمال التحقيق في مصدر التوقيع وظروف تقديم المستند. بناءً عليه، هنقدم طلبات إضافية للحصول على النسخ الأصلية وسجلات الإجراءات.
سألته
يعني ممكن نعرف الحقيقة كاملة؟
رد
أيوه، لكن لازم نصبر لحد ما الإجراءات تكتمل.
هزيت راسي.
كنت زمان عايزة كل حاجة تتحل في يوم واحد، وأعرف مين غلطان ومين مظلوم، وأرجع حياتي زي ما كانت.
لكن دلوقتي بقيت فاهمة إن الحقيقة ساعات بتظهر على مراحل، وإن التسرع ممكن يخليني أظلم نفسي أو غيري.
في المساء، أحمد اتصل بيا.
قال إنه عايز يشوف ليلى، وإنه مستعد يلتزم بالمواعيد المتفق عليها.
وافقت على الزيارة في وجودي، وطلبت منه يركز على علاقته ببنته، بعيدًا عن الخلافات المالية والقانونية.
لما جه، ليلى جريت عليه.
هو شالها، وباس راسها، وفضل يسألها عن المدرسة وصحابها ورسوماتها.
كنت واقفة بعيد، بتفرج عليهم.
ما حسيتش بالغيرة.
ولا حسيت إن وجوده معاها معناه إني لازم أرجع له.
كنت عارفة إن ليلى محتاجة علاقتها بأبوها تفضل مستقرة قدر الإمكان، وإن مسؤوليتي إني أحميها من الخلافات، مش إني أستخدمها عشان أعاقبه.
بعد ما ليلى دخلت أوضتها تجيب كراسة الرسم، أحمد قرب مني وقال
أنا عارف إني خسرت ثقتك، ومش هطلب منك ترجعي زي الأول.
بصيت له وقلت
كويس، لأن الثقة مش بترجع بالكلام. ولو رجعت في يوم، هترجع بالأفعال، وبالصدق، وبإنك تتحمل مسؤوليتك حتى لما يكون الاعتراف بالغلط صعب.
هز راسه.
وبعدين قال
أنا بدأت أراجع كل تعاملاتي المالية، وهتعاون مع المحامي في كل المطلوب.
قلت
ده شيء كويس. كمل، وخلي الحقيقة تظهر.
ما وعدتوش إني هسامحه.
وما قلتلوش إني مستحيل أسامحه.
لأن القرار ده ما كانش لازم يتاخد تحت ضغط الندم أو الخوف من الوحدة.
كان لازم يتاخد بعد ما أشوف الحقيقة كاملة، وأفهم إذا كان فيه أي أساس ممكن أبني عليه حياة جديدة.
عدت شهور، وخلال الفترة دي، استمرت الإجراءات القانونية المتعلقة بالعقار والتفويض المالي، وبدأت الصورة تتضح تدريجيًا.
اتضح إن الشقة كانت جزءًا من ترتيب مالي معقد، وإن أحمد حاول ينقل ملكيتها بعد ما دخل في التزامات ما قدرش يسددها بالشكل اللي كان متوقعه.
أما التوقيع، فاستكملت الجهات المختصة فحصه ومراجعة المستندات المرتبطة بيه، واتحدد مسار التعامل مع أي مخالفة وفقًا لما تثبته الأوراق.
ما كانش فيه حل سحري، ولا ثروة ظهرت فجأة، ولا حد جه اعتذر ودفع كل الخسائر في يوم واحد.
كان فيه محامٍ بيتابع، ومستندات بتتراجع، ومواعيد لازم نحضرها، وقرارات لازم تتاخد بعقل.
وأحمد اضطر يواجه نتائج قراراته المالية، ويعيد ترتيب التزاماته، ويتعامل مع تبعات إخفاء المعلومات عني.
أما أنا، فبدأت أرتب حياتي من جديد.
رجعت أركز في شغلي، واهتميت بليلى، وخصصت وقت لنفسي بعد شهور من القلق.
كنت كل يوم أكتشف إن القوة مش معناها إني ما أعيطش، ولا معناها إني ما أشتاقش للأيام القديمة.
القوة كانت إني أقدر أعيط، وبعدها أقوم أعمل فطار بنتي.
إني أفتكر اللحظات الحلوة مع أحمد، من غير ما أنكر اللحظات اللي أذاني فيها.
وإني أقدر أقول لنفسي إن الحب وحده مش كفاية لبناء بيت، وإن الثقة محتاجة صدقًا يحميها.
في عيد ميلاد ليلى، عملنا احتفالًا صغيرًا في البيت.
جت ريهام وولادها، وجت حماتي نوال، وأحمد حضر في الميعاد المتفق عليه.
ليلى كانت فرحانة، وفضلت تجري بيننا وهي بتوزع قطع التورتة.
لما جه وقت تطفي الشموع، طلبت مني أقف جنبها.
مسكت إيدي، وبصت لأبوها، وقالت
أنا عايزة السنة دي كلنا نبقى كويسين، ومحدش يزعل من حد.
بصيت لأحمد، ولقيته بيحاول يخبي دموعه.
حضنت بنتي، وقلت لها
يا رب يا حبيبتي. وربنا يجعل أيامك كلها فرح وراحة بال.
بعد ما الاحتفال خلص، أحمد استأذن يمشي.، وطلبت منه ييجي يزورنا تاني.
وهو وعدها إنه هييجي في المواعيد المتفق عليها.
ما وعدهاش إنه هيرجع يعيش معانا.
وما وعدهاش بحاجة ما نقدرش نضمنها.
وده كان أول تصرف منه حسيت إنه ممكن يكون بداية لتغيير حقيقي، حتى لو التغيير ده مش معناه إننا هنرجع لبعض.
بعد ما مشي، نوال قعدت جنبي وقالت
أنا آسفة يا سارة. كنت فاكرة إني لما أصدق ابني وأسانده، أبقى بعمل الصح. ما كنتش فاهمة إن السكوت عن الحقيقة ممكن يوجع ناس تانية.
مسكت إيدها وقلت
كلنا اتعلمنا بالطريقة الصعبة يا طنط. المهم إننا ما نكررش نفس الغلط.
بصت ناحية ليلى، اللي كانت بتلعب بدبدوبها، وقالت
ربنا يحميها ليكي.
قلت
ويحمي كل طفل من إنه يدفع تمن مشاكل الكبار.
وفي ليلة هادية، بعد ما ليلى نامت، قعدت في الصالة وفتحت درج صغير كنت محتفظة فيه بالحاجات القديمة.
لقيت صورة لينا إحنا التلاتة في أول عيد ميلاد لليلى.
أحمد كان شايلها، وأنا واقفة جنبه وبضحك.
فضلت باصة للصورة فترة طويلة.
ما مزقتهاش.
وما حطيتهاش قدامي عشان أرجع أعيش في الماضي.
رجعتها مكانها، وقفلت الدرج.
لأن الصورة كانت جزءًا من حياتي، لكنها ما كانتش كل حياتي.
أنا كنت سارة قبل ما أتجوز أحمد، وكنت أم ليلى قبل ما تحصل الأزمة، ولسه عندي حياة أقدر أبنيها من جديد.
أما السر اللي كان مستخبي ورا الشقة والأوراق، فكان أكبر درس اتعلمته.
مش كل حاجة بنكتشفها بتخلينا نكره اللي قدامنا، لكن فيه حاجات بتجبرنا نشوفه على حقيقته، من غير الصورة اللي رسمناها له في خيالنا.
وأحمد، مهما كان اللي هيحصل بينا بعد كده، هيفضل أبو ليلى.
لكن ده مش معناه إن من حقه يرجع لحياتي بنفس الطريقة القديمة، أو إن عليا أنسى اللي حصل عشان أحافظ على شكل الأسرة قدام الناس.
في صباح اليوم التالي، صحيت على صوت ليلى بتناديني من أوضتها.
دخلت لها، لقيتها واقفة قدام المراية، وبتحاول تربط شعرها بنفسها.
قالت لي
ماما، أنا عايزة أروح المدرسة النهارده من غير ما تتأخري عليا.
ضحكت، وقعدت أساعدها.
حاضر يا ستي، هنروح بدري كمان، وبعدها قالت
أنا بحبك يا ماما.
بست راسها وقلت
وأنا بحبك أكتر من الدنيا كلها.
وفي اللحظة دي، فهمت إن القرار اللي أخدته ليلة ما أحمد رفض يرد على مكالماتي ما كانش مجرد قرار إني أواجهه أو أسيبه.
كان قرار إني ما أسمحش للخوف يخليني أتنازل عن حقي في الحقيقة، وما أسمحش للحب القديم يخليني أتجاهل سلامتي وسلامة بنتي.
أما أحمد، فكان قدامه طريق طويل عشان يتحمل مسؤولية اختياراته، ويثبت بالأفعال إنه فهم حجم اللي عمله.
وإذا كان فيه يوم هقدر أسامحه فيه، فالمسامحة مش هتعني إني هرجع لنفس المكان اللي كنت فيه.
هتعني إني بقيت قادرة أبص للماضي من غير ما يفضل يتحكم في مستقبلي.
خرجت أنا وليلى من البيت، وقفلنا الباب وراينا.
كانت الشمس طالعة، والشارع بدأ يصحى، وصوت الناس والعربيات حوالينا رجع يملأ الدنيا.
ليلى كانت ماسكة إيدي، وبتحكيلي عن صاحبتها وعن رسمة جديدة عايزة تعملها لما ترجع.
كنت بسمعها وببتسم، وكل شوية أبص عليها عشان أتأكد إنها فعلًا جنبي، وإنها بخير.
ما كنتش عارفة كل اللي هيحصل بعد كده، ولا إذا كان أحمد هيتغير فعلًا، ولا إذا كانت الإجراءات القانونية هتكشف تفاصيل جديدة.
لكن كنت عارفة حاجة واحدة.
الليلة اللي أحمد رفض فيها يرد على مكالماتي، كانت آخر ليلة أسمح فيها لنفسي أصدق إن السكوت على الوجع هو ثمن الحفاظ على البيت.
من اليوم ده، بقيت أعرف إن البيت مش مجرد شقة، وإن الأسرة مش مجرد أسماء مكتوبة في عقد، وإن الأبوة مش وعد بهدية من السفر.
البيت الحقيقي هو المكان اللي تلاقي فيه الأمان وقت الخوف، والصدق وقت الخلاف، والمسؤولية وقت الشدة.
وأنا يمكن خسرت الحياة اللي كنت فاكرة إني هكملها مع أحمد، لكني ما خسرتش نفسي.
ولا خسرت بنتي.
وده كان أهم انتصار أقدر أخرج بيه من كل اللي حصل.
تمت بحمد الله

تم نسخ الرابط