طليقه جوزى امانى السيد
المحتويات
المكان اللي أنا خرجت منه مكسورة.
أول ما نجلاء الشقة مع عمر، وقفت في نص الصالة، وبصت حواليها باشمئزاز، وقالت له إيه يا عمر، إنت كنت عايش هنا إزاي بالشكل ده؟ هو أنا هرجع ألاقي نفس الفرش القديم ده لسه موجود؟!
عمر بص حواليه باستغراب وقال مالُه الفرش؟ ده لسه كويس يا نجلاء، وإحنا مش محتاجين نغير كل حاجة دلوقتي.
ضحكت بسخرية وقالت كويس بالنسبة لك إنت، إنما أنا مش هرجع أعيش في شقة مش على ذوقي. أنا هرجع بيتي، ومش هقبل بأقل من اللي كنت عايشاه زمان، وإنت بنفسك وعدتني إنك هتعوضني عن كل السنين اللي فاتت.
حاول يرضيها وقال خلاص يا ستي، اللي إنتِ عايزاه هيحصل، بس بالراحة علينا شوية.
قربت منه، ولفت دراعها حوالين رقبته، وقالت بدلع أنا عارفة إنك مش هتقدر ترفض لي طلب، عشان إنت لسه بتحبني، وأنا كمان هرجع أعوضك عن كل الأيام اللي بعدنا فيها عن بعض.
الكلام ده خلاه يبتسم، وصدق إن رجوع نجلاء لحياته معناه إنه أخيرًا هيعيش السعادة اللي كان بيحلم بيها، من غير ما يفكر للحظة إن الست اللي رجعت له كانت شايفة في رجوعها فرصة تستعيد بيها كل اللي كانت نفسها فيه.
ومن تاني يوم، بدأت نجلاء تنفذ اللي في دماغها.
جابت مهندس ديكور، وفضلت تلف معاه في الشقة، تختار ألوان الحيطان والستائر، وتغير أماكن الأثاث، وتطلب فرش جديد، وكل ما عمر يعترض على سعر حاجة، تبص له بضيق وتقول
هو إنت رجعتني عشان تعيشني زي الملكة، ولا عشان تحسسني إني رجعت لواحد على قده؟!
فيضطر يسكت ويوافق، خوفًا من إنها تزعل وتغير رأيها في رجوعها له.
وخلال أيام قليلة، الشقة اللي كنت عايشة فيها اتغير شكلها تمامًا. الفرش القديم اختفى، والستائر اتبدلت، والأثاث الجديد اتملأ بيه المكان، وكل ركن بقى على ذوق نجلاء واختيارها، لدرجة إن عمر نفسه بقى حاسس إنه غريب في بيته.
لكنها ما اكتفتش بكده.
بعد ما خلصت تجهيز الشقة، بدأت تطلب منه يخرجها كل يوم. مرة عايزة تتعشى في مطعم فخم، ومرة عايزة تشتري هدوم جديدة، ومرة تحب تخرج مع صاحباتها وتقضي اليوم كله بره.
وعمر، اللي كان لسه فرحان برجوعها، كان بيحاول يلبي كل طلباتها، حتى لو ده معناه إنه يصرف مبالغ كبيرة كل يوم.
وفي يوم، رجعت من جولة تسوق طويلة، وحطت قدامه أكياس كتير، وقالت بفرحة إيه رأيك في الحاجات دي؟ مش قولتلك إني محتاجة أغير كل هدومي؟ وبالمناسبة، أنا كلمت البنات، وهنسافر الساحل آخر الأسبوع.
عمر بص للأكياس باستغراب وقال الساحل؟ دلوقتي؟ ما إحنا لسه صارفين كتير على الشقة والفرش!
اتغيرت ملامحها فورًا، وردت بحدة يعني إيه؟ إنت ندمان إنك رجعتني ولا إيه؟ أنا من حقي أعيش وأتبسط، ولا إنت كنت فاكر إنك هترجعني وأقعد محبوسة بين أربع حيطان؟
اتنهد عمر وقال ما قولتش كده يا نجلاء، أنا بس بقول نهدى شوية في المصاريف.
قربت منه وقالت ببرود براحتك، بس أنا مش هرجع أعيش نفس الحياة اللي كنت عايشاها قبل كده. إنت اللي اخترت ترجعني، وإنت اللي قلت إنك هتعمل أي حاجة عشان نكون مع بعض.
اضطر يوافق على السفر، وفضل طول الأيام اللي بعدها يحاول يوفر فلوس الرحلة ومصاريفها، بينما نجلاء كانت بتخطط للفسح والخروجات اللي جاية، وكأن الفلوس مالهاش آخر.
وسافروا فعلًا، وقضوا أيام على البحر، وصورهم بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي؛ نجلاء بتضحك في الصور، وعمر واقف جنبها، وكل شوية تنزل صورة جديدة وتكتب كلامًا عن السعادة والرجوع للحب القديم.
وفي الوقت اللي كانت فيه بتتباهى بحياتها الجديدة، كنت أنا قاعدة في بيت أهلي، بحاول أرجع لحياتي الطبيعية، وأتعلم إزاي أعيش من غير ما أربط سعادتي بوجود شخص تاني.
ماكنتش أعرف تفاصيل يومهم، لكن الصور كانت بتظهر قدامي أحيانًا، وكل مرة كنت بحس بوخزة في قلبي، خصوصًا لما أشوف الشقة اللي كنت بعتبرها بيتي بقت على ذوق نجلاء، وعمر بيحاول يرضيها بكل الطرق.
لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ حاجة مهمة؛ نجلاء ما كانتش بتكتفي باللي عندها، وكل ما عمر يحقق لها طلب، يظهر طلب أكبر منه.
أما عمر، فكان لسه فاكر إن كل الفلوس اللي بيصرفها هتضمن له إنها تفضل معاه، من غير ما يدرك إنه بيستهلك مدخراته واحدة واحدة، وإن الرجوع اللي كان مستعد يخسر عشانه كل حاجة، ممكن يكون بداية خسارة أكبر بكتير مما تخيل.
وفي يوم، بينما كان قاعد بيحسب مصاريفه، اكتشف إن المبلغ اللي كان حاطه على جنب بدأ يقل بشكل مخيف، وإن المصاريف اليومية والفرش والسفر والتسوق سحبوا جزءًا كبيرًا من فلوسه.
رفع عينيه ناحية نجلاء، اللي كانت قاعدة قدامه بتتصفح الموبايل وبتتكلم عن رحلة جديدة، وحس لأول مرة إن فيه حاجة مش مطمئنة.
لكنه بدل ما يواجه الحقيقة، أقنع نفسه إنها مجرد فترة وهتعدي، وإن نجلاء لما تحس بالأمان معاه، هتقدر تعيش معاه بهدوء.
وما كانش يعرف إن الأيام الجاية هتكشف له إن الست اللي رجعلها عشان حبه القديم، كانت مستعدة تعيش معاه طول ما هو قادر يوفر لها الحياة اللي هي عايزاها أما لما الفلوس تبدأ تخلص، فلكل حادث حديث.
بعد ما نجلاء خلصت تغيير فرش الشقة على ذوقها، كانت واقفة في نص الصالة بتتأمل شكل المكان الجديد برضا، الستائر اتغيرت، والكنب القديم اختفى، واشترت بدل منه طقم أغلى، وحتى أوضة النوم قررت تبدل فيها حاجات كتير، وكل ما عمر يعترض على المصاريف، ترد عليه إنها مش هتعيش أقل من المستوى اللي تستحقه.
وفي يوم، كان عمر قاعد في الصالة بيتصفح موبايله، لحد ما وصله إشعار رسمي من المحكمة بخصوص مطالبة ميرنا بحقوقها في قايمة المنقولات الزوجية.
فتح الإشعار، وبدأ يقرأه بتركيز، وكل ما يكمل سطر، ملامحه تتغير أكتر، لحد ما رمى الموبايل على الترابيزة بعصبية وقال
يا نهار أسود! هي ميرنا رفعت عليَّ قضية قايمة بجد؟!
خرجت نجلاء من أوضة النوم، وهي بتظبط شعرها، وسألته باستغراب
في إيه يا عمر؟ مالك بتزعق كده ليه؟
رفع عينيه ناحيتها وقال بغضب
المحكمة بعتت لي إخطار بخصوص قايمة ميرنا، وهي طالبة بحقوقها كلها!
ضحكت نجلاء بلا مبالاة، وقعدت جنبه وهي بتقول
وإيه المشكلة؟ ما هي دي حقوقها، ولا إنت كنت فاكر إنها هتسيب لك كل حاجة وتمشي؟!
بصلها بصدمة من ردها، وقال
إنتِ بتتكلمي بجد؟! دي القايمة فيها عفش وأجهزة وحاجات كتير، وإنتِ بنفسك شوفتي إننا غيرنا الفرش وبعنا حاجات واشترينا غيرها! أعمل إيه دلوقتي؟!
اتغيرت ملامح نجلاء للحظة، لكنها سرعان ما تماسكت وردت ببرود
وانا مالي؟ إنت اللي اتصرفت في حاجتك، وأنا ما أجبرتكش على حاجة. وبعدين ما تقلقش نفسك من دلوقتي، شوف محامي يتصرف.
قام عمر من مكانه وهو بيمرر إيده في شعره بعصبية
إنتِ مش فاهمة! دي مش مجرد خناقة بيني وبينها، ده موضوع بقى قدام المحكمة، ولازم أواجهه.
ردت نجلاء بنبرة مستفزة
طب ما تواجهه يا عمر! ولا إنت كنت فاكر إنك لما تطلقها قدام الناس وتجيبني أعيش مكانها، هي هتفضل قاعدة تعيط طول عمرها ومش هتطالب بحقها؟!
سكت عمر، لأن كلامها لمس حقيقة كان بيحاول يهرب منها. هو فعلًا ما فكّرش لحظة في مصير ميرنا بعد ما طردها من حياته، وكان متخيل إنها هتنسحب في هدوء، زي ما كانت دايمًا بتعمل، من غير ما تطلب منه أي حاجة.
لكن ميرنا المرة دي كانت مختلفة.
في بيت أهلها، كانت قاعدة جنب والدها، والمحامي بيشرح لهم الخطوات اللي هيتخذها بعد وصول الإخطار. ما كانتش بتدور على الانتقام، ولا مستنية عمر يندم ويرجع لها، كل اللي كانت عايزاه إنها تسترد حقها اللي ما تنازلتش عنه.
أما عمر، ففضل طول الليل يفكر في المنقولات اللي اتغيرت، والمبالغ اللي دفعها في الفرش الجديد، والإنذار اللي وصله، بينما نجلاء كانت بتقلب في صور رحلتهم الجاية وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
ولأول مرة، بدأ عمر يسأل نفسه سؤالًا ماكانش بييجي في باله قبل كده هل نجلاء فعلًا رجعت له عشان بتحبه، ولا رجعت لأنها عارفة إنه مستعد يخسر كل حاجة علشان يرضيها
اضطر عمر في النهاية إنه يقعد مع محاميه ويعرف منه إيه أفضل طريقة ينهي بيها قضية القايمة، خصوصًا إن موضوع تغيير العفش وبيع بعض المنقولات زوّد خوفه من العواقب القانونية. وبعد تفكير طويل، قرر إنه ياخد قرض من البنك، ويسدد لميرنا حقوقها عشان ينهي النزاع ويقفل الصفحة دي من حياته.
ولما راح لميرنا ومعاه
متابعة القراءة