الفستان الاخضر
المحتويات
إيه يا بنتي؟
لكن ماريان ما بصتش له
كانت عينيها ثابتة عليا وأنا قاعدة في آخر الكنيسة
وفجأة رفعت طرف فستانها شوية علشان تعرف تتحرك ومشت بسرعة في الممر لحد ما وصلت عندي
أنا اتخضيت لما لقيتها واقفة قدامي ودموعها نازلة على خدودها
مسكت إيدي بإيديها الاتنين وقالت بصوت مرتعش
يا طنط تريزا هو الفستان ده بتاعك من زمان؟
بصيت لها باستغراب وقلت
أيوه يا بنتي ده عندي من سنين طويلة
قعدت جنبي على الكرسي رغم إن فستانها الأبيض كان ممكن يتوسخ من الأرض وقالت
إنتي لبستيه يوم ما مارك اتولد؟
اتسمرت في مكاني
بصيت لها وأنا مش فاهمة هي عرفت منين
وقلت
أيوه يا ماريان بس إنتي عرفتي الكلام ده إزاي؟
في اللحظة دي ماريان غطت وشها بإيديها وانهارت في العياط
الناس كلها كانت واقفة بتتفرج ومحدش فاهم حاجة
مارك جري ناحيتنا وقال
ماريان ردي عليا أرجوكي إيه اللي حصل؟
رفعت ماريان وشها وبصت له وقالت
مارك أنا مش قادرة أصدق إننا وصلنا لليوم ده وإنت لسه متعرفش الحكاية
مارك بص لها بذهول
حكاية إيه؟
ماريان مسحت دموعها وبعدين مسكت إيدي قدام كل الناس وقالت
الفستان الأخضر ده مش مجرد فستان قديم يا مارك ده السبب في إنك تكون واقف هنا النهارده
أنا حسيت إن رجلي مش شيلاني
ما كنتش فاهمة هي بتتكلم عن إيه
وبعدين ماريان لفت ناحية أبوها جورج وقالت
بابا لازم تحكي لهم الحقيقة دلوقتي
جورج وقف مكانه وشه شحب وعينيه بدأت تدمع
أمها نادية قامت من مكانها وحطت إيدها على صدرها وقالت
يا بنتي إنتي بتعملي إيه؟
ماريان ردت عليها
أنا مش هبدأ حياتي مع مارك بسر مستخبي عننا كلنا
وبعدين بصت للحاضرين وقالت
من حوالي تسعة وعشرين سنة بابا كان راجع بعربيته في ليلة شتاء من شوارع إسكندرية القديمة وكان المطر شديد والطريق شبه فاضي
جورج نزل عينيه للأرض وكأنه رجع بذاكرته لليلة عمره ما نسيها
ماريان كملت
في الليلة دي حصلت مشكلة كبيرة في العربية واضطر يوقف على جنب الطريق قريب من مستشفى حكومي كان فيه ست شابة خارجة من المستشفى بعد ما ولدت طفلها بيوم واحد
حسيت إن قلبي بيدق بسرعة
ماريان كملت كلامها وهي بتبصلي
الست دي كانت إنتي يا طنط تريزا
الكنيسة كلها سكتت
أنا حطيت إيدي على فمي وبدأت أفتكر
كنت وقتها لسه والدة مارك وكنت خارجة من المستشفى بعد ما خلصت الإجراءات ودفعت اللي قدرت عليه من مصاريف العلاج
كنت شايلة ابني الصغير وملفوفة في شال قديم وفستاني الأخضر كان هو اللي لابساه
المطر كان شديد ومكنش معايا فلوس كفاية أركب تاكسي لحد البيت
كنت واقفة مستنية أي وسيلة مواصلات تساعدني أوصل
وفجأة عربية فخمة وقفت قريب مني
نزل منها راجل شاب لابس بدلة وفتح لي الباب وقال
يا مدام إنتي واقفة هنا ليه في البرد ده؟
قلت له
أنا مستنية عربية توصلني أنا وابني البيت
بص للطفل اللي في حضني ولقيه بيعيط من البرد
قال لي
اتفضلي اركبي أنا هوصلك
في الأول رفضت لأني كنت خايفة أركب مع حد معرفوش
لكنه قال لي إنه عنده بنت صغيرة في البيت ومش هيرضى يشوف ست في ظروفي واقفة في الشارع بالمنظر ده
وافقت وركبت
كان الراجل ده هو جورج
ماريان بصت لأبوها وقالت
كمل يا بابا
جورج أخد نفس طويل وقال
لما وصلت مدام تريزا لبيتها اكتشفت إنها ساكنة في شقة بسيطة جدًا وإنها لوحدها مع طفلها بعد وفاة جوزها وكنت عارف إنها مش هتقدر تدفع أجرة الطريق لو عرضت عليها فلوس فقررت أساعدها بطريقة تانية
أنا كنت بدأت أفتكر تفاصيل الليلة دي واحدة واحدة
جورج كمل
في الوقت ده كان عندي مشروع خيري صغير بيساعد أسر محتاجة في إسكندرية لكني كنت محتاج حد أمين يتابع توزيع المساعدات بنفسه لأن كان فيه ناس بتستغل التبرعات
بصلي وقال
تريزا إنتي يمكن نسيتي لكن أنا عمري ما نسيت اللي حصل بعد كده
هزيت راسي وأنا بحاول أفتكر
قال
بعد ما وصلت بيتك شكرتيني وعرضتي عليا أدخل أشرب حاجة سخنة رغم إن البيت مكنش فيه تقريبًا أي حاجة تقدميها لضيف وبعدها لقيتك بتطلعي من محفظتك مبلغ صغير جدًا وبتديهولي
اتصدمت وأنا بفتكر
في الليلة دي كنت اكتشفت إنه نسي محفظته الصغيرة في العربية أو إن حاجة وقعت منه وأنا بنزل مش فاكرة التفاصيل كلها لكني كنت لقيت مبلغ من الفلوس على الكنبة وطلعت أجري وراه علشان أرجعه له
جورج قال
إنتي كنتي ممكن تحتفظي بالفلوس وتعتبريها رزق من ربنا لكنك جريتي ورايا في المطر علشان ترجعيها لي وقلتي لي إنك مش عايزة ابنك يكبر وهو شايف أمه بتاخد حاجة مش بتاعتها
بدأت الدموع تنزل من عيني
كنت فاكرة إني عملت حاجة بسيطة لكني ما كنتش أعرف إن الموقف ده فضل عايش في ذاكرته كل السنين دي
جورج كمل
بعدها عرضت عليكي تشتغلي معايا في المشروع الخيري وتساعديني أختار الأسر اللي محتاجة بجد لكنك رفضتي تاخدي أي مقابل زيادة عن حقك وفضلتي تقولي لي إنك عايزة تشتغلي بالحلال
ماريان كانت بتعيط وهي بتسمع الحكاية
وبعدين قالت
بابا حكى لي عن الست دي وأنا صغيرة وكان دايمًا يقول لي إن فيه ناس ممكن تكون فقيرة في الفلوس لكنها أغنى من ناس معاها ملايين
جورج بص لها وهز راسه
أيوه يا بنتي لكن فيه جزء تاني لازم تعرفيه
الكل قرب يسمع
جورج قال
بعد سنين لما المشروع الخيري كبر كنت ببحث عن الأسر اللي ساعدناها علشان أطمن إن حياتهم اتحسنت واكتشفت إن تريزا لسه بتشتغل في السوق وإن ابنها بيدرس في الجامعة وإنها بتصرف عليه لوحدها
مارك كان واقف مش قادر يتكلم
جورج بص له وقال
أنا كنت عايز أساعدك يا مارك لكن والدتك كانت رافضة تمامًا إنها تاخد أي حاجة من غير حقها ولما سألتها ليه قالت لي إن أكبر مساعدة ممكن أقدمها لها إني أسيب ابنها ينجح بمجهوده ويحس إنه وصل بنفسه
مارك بصلي والدموع بدأت تتجمع في عينيه
أنا ما كنتش حكيت له أي حاجة عن الليلة دي لأن الموضوع بالنسبالي كان انتهى من زمان
ماريان كملت
لما مارك اتقدم لي وحكيت لبابا عن عيلته وقلت له اسمك يا طنط تريزا بدأ يشك إنك نفس الست اللي كان بيحكي لي عنها
جورج قال
طلبت من ماريان تستنى قبل ما تتأكد من كل حاجة علشان ما ندخلش حياتكم ونحسسكوا إننا بنعايركم أو بنحاول نشتري محبتكم بالفلوس
ماريان بصت لفستاني الأخضر وقالت
من كام يوم وأنا براجع صور قديمة عند بابا لقيت صورة متصورة في اليوم اللي ساعد فيه ست في الشارع بعد ما ولدت طفلها وكان الفستان الأخضر ظاهر في الصورة
طلعت ماريان موبايلها وفتحت الصورة وورتهالي
كانت صورة قديمة ليا وأنا واقفة جنب جورج قدام بيتي وشايلة مارك وهو لسه طفل صغير
الفستان الأخضر كان واضح جدًا
شهقت وأنا ببص للصورة
دي كانت أول مرة أشوف الصورة دي
ماريان قالت
لما شوفت الفستان النهارده عرفت إن دي إنتي وإن الحكاية اللي بابا حكاهالي طول عمري كانت عنك
وبعدين حضنتني قدام الكنيسة كلها وقالت
يا طنط تريزا أنا كنت فاكرة إني داخلة بيت بسيط وهكون مرات ابنك وبس لكن النهارده اكتشفت إن أنا داخلة عيلة عندها أصل وكرامة ووفاء أكتر من أي حاجة الفلوس ممكن تشتريها
أنا انفجرت في العياط وحضنتها
مارك قرب مننا وركع قدامي وهو ماسك إيدي وقال
يا ماما إنتي
متابعة القراءة