الفستان الاخضر
ليه عمرك ما حكيتي لي عن كل ده؟
مسحت على شعره وقلت
علشان يا حبيبي أنا معملتش حاجة تستاهل كل ده أنا بس رجعت أمانة لصاحبها
مارك هز راسه وقال
إنتي طول عمرك بتقولي إنك معملتيش حاجة وإن كل اللي عملتيه علشاني واجب لكن أنا النهارده فهمت إنك أكبر من كل الكلام اللي ممكن أقوله
في اللحظة دي القس قرب مننا وقال بابتسامة متأثرة
الحكاية دي تستاهل إننا نقف عندها شوية ونفتكر إن الجواز مش مجرد فستان أبيض وبدلة أنيقة لكنه عهد بين عيلتين أساسه المحبة والاحترام
الناس اللي كانوا من شوية بيهمسوا على فستاني بقوا واقفين ساكتين وبعضهم كان بيمسح دموعه
والست اللي علقت على لبسي قربت مني وقالت بخجل
سامحيني يا مدام تريزا أنا حكمت عليكي من شكلك ومن غير ما أعرف أي حاجة عنك
ابتسمت لها وقلت
ربنا يسامحنا كلنا يا بنتي إحنا ساعات بنحكم على الناس من غير ما نعرف الحكاية اللي وراهم
بعدها ماريان مسكت إيدي وقالت
أنا عايزاكي تيجي تقفي جنبي قدام المذبح يا طنط تريزا
رفضت في الأول وقلت لها
يا بنتي ده مكانك إنتي ومارك
لكنها أصرت وقالت
إنتي مش ضيفة في فرحنا إنتي أم العريس وإنتي اللي تعبتي علشان ابنك يوصل لليوم ده ومفيش حد يستحق يقف جنبي النهارده أكتر منك
مسكت إيدها ومشيت معاها لحد ما وصلنا قدام المذبح
مارك كان واقف مستنينا وعينيه مليانة دموع
لما وصلت جنبه باس إيدي وقال
ربنا يخليكي ليا يا ماما
وبعدين بدأت مراسم الجواز من جديد
المرة دي كنت واقفة في الصف الأول جنب ابني وعروسته ومحدش كان بيبص لفستاني باستهزاء
كل العيون كانت مليانة احترام ومحبة
ولما مارك وماريان تبادلوا عهود الجواز وبارك لهم القس انفجرت الكنيسة بالتصفيق والزغاريد والدموع
بعد المراسم خرجنا كلنا على قاعة الفرح المطلة على البحر في إسكندرية
كانت القاعة جميلة والأنوار منورة والناس بتحتفل لكن بالنسبة لي أجمل لحظة كانت لما مارك مسك الميكروفون وطلب من الكل يسكت شوية
قال
أنا عايز أشكر شخص واحد قبل أي حد النهارده
وبص ناحيتي
أمي تريزا ست قضت عمرها كله بتتعب علشاني وحرمت نفسها من حاجات كتير علشان أنا أتعلم وأبقى راجل واقف على رجليه أنا مكنتش أعرف قد إيه هي عظيمة غير لما سمعت الحكاية دي النهارده
وبعدين نزل من على المسرح وجابني من إيدي وطلعني معاه
قال قدام الناس كلها
أنا فخور إن دي أمي وإن الفستان اللي لابساه النهارده هو نفس الفستان اللي كانت لابساه يوم ما اتولدت ويوم ما اتخرجت وأنا مش عايزها تلبس غيره لو هي بتحبه لأنه بالنسبالي أغلى من كل الفساتين اللي في الدنيا
ما قدرتش أتمالك نفسي وعيطت وحضنته
ماريان طلعت هي كمان وقالت
وأنا بوعدك يا طنط تريزا إنك مش هتكوني لوحدك أبدًا وإن البيت اللي هنبنيه هيكون بيتك زي ما هو بيتنا
جورج ونادية قربوا مني وجورج قال
إنتي طول عمرك كنتي غنية بأخلاقك يا تريزا والنهارده إحنا مش بنكرمك علشان ظروفك لكن علشان إنتي إنسانة تستاهل كل احترام
في اللحظة دي حسيت إن ربنا عوضني عن سنين طويلة من التعب والوحدة
مش بالفلوس ولا بالهدايا لكن بمحبة ابني وبنتي الجديدة وبالناس اللي فهمت أخيرًا إن قيمة الإنسان مش في لبسه ولا في حسابه في البنك
بعد الفرح بأيام مارك وماريان جم زاروني في بيتي
مارك كان شايل شنطة كبيرة وماريان كانت ماسكة بوكيه ورد أبيض
قلت لهم وأنا بضحك
إيه يا ولاد هو أنا لسه مشفتكوش من يوم الفرح؟ جايين تعملوا إيه النهارده؟
مارك حط الشنطة على الترابيزة وقال
إحنا جايين ناخد منك حاجة يا ماما
قلبي اتقبض وقلت
حاجة إيه؟
ماريان ابتسمت وقالت
الفستان الأخضر
بصيت لهم باستغراب
مارك قال
إحنا عايزين نحتفظ بيه في مكان مخصوص في بيتنا علشان يفضل فاكرنا بالحكاية دي طول العمر
في الأول رفضت وقلت لهم إن الفستان ده ذكرياتي وإنني مش قادرة أسيبه
لكن ماريان قالت لي
مش لازم تسيبيه يا طنط إحنا بس عايزين نحافظ عليه ونحطه في إطار زجاجي في بيتنا ولو حبيتي تلبسيه في أي وقت هتاخديه
فكرت شوية وبعدين وافقت
بعد فترة جه مارك وماريان ومعاهم إطار خشبي جميل حطوا جواه الفستان الأخضر بعد ما حافظوا عليه بعناية
وعلقوه في مكان واضح في بيتهم الجديد
وتحته حطوا صورة قديمة ليا وأنا شايلة مارك وهو طفل صغير
وفوق الصورة كتبوا جملة واحدة
اللي بيزرع المحبة بيحصد الكرامة
كل ما كنت أزورهم وأشوف الفستان معلق قدامي كنت أبتسم وأفتكر اليوم اللي دخلت فيه الكنيسة وأنا خايفة من نظرات الناس
اليوم اللي كنت فاكرة فيه إن الفستان القديم هيكون سبب إحراجي
لكنه بقى أجمل ذكرى في حياتي
ومع مرور الوقت بدأت أساعد مارك وماريان في مشروع صغير لدعم الأمهات اللي بيربوا ولادهم لوحدهم وبيشتغلوا في الأسواق علشان يوفروا لهم حياة كريمة
ماريان كانت بتتابع المشروع بنفسها وجورج ساعدنا نوصل لمؤسسات خيرية تقدر تدعم الأسر المحتاجة
لكننا اتفقنا من البداية إننا مش هنساعد أي أم بطريقة تخليها تحس إنها أقل من غيرها
كنا بنساعدهم يحافظوا على كرامتهم ويلاقوا فرصة حقيقية يحسنوا بيها حياتهم
وفي يوم وأنا في السوق قابلت بنت صغيرة كانت بتبيع مناديل وبتحاول تجمع فلوس مصاريف المدرسة لأخوها
افتكرت نفسي وأنا صغيرة وقررت أساعدها تكمل تعليمها
لما حكيت لمارك عن البنت ابتسم وقال
شايفة يا ماما؟ إنتي لسه بتزرعي الخير في كل مكان
ضحكت وقلت له
الخير يا ابني عمره ما بيضيع وربنا دايمًا بيبعت لنا ناس تعوضنا عن كل لحظة تعب
وفي عيد جوازي الروحي مع ذكريات الفستان الأخضر قرر مارك وماريان يعملوا لي احتفال صغير في بيتهم
جمعوا العيلة والأصحاب وحطوا الفستان في مكانه وسط الورد الأبيض
ولما مارك شافني واقفة قدامه بالفستان الأخضر تاني حضني وقال
عارفة يا ماما؟ أنا لو رجع بيا الزمن ألف مرة هختار أكون ابنك في كل مرة
ابتسمت ودموعي نزلت على خدي وقلت له
وأنا يا حبيبي لو رجع بيا الزمن ألف مرة هتعب علشانك ألف مرة من غير ما أفكر
وفي اللحظة دي عرفت إن كل السنين اللي قضيتها في الشغل والشقا ما راحتش على الفاضي
أنا مكنتش محتاجة فستان جديد علشان أكون أم تستحق الاحترام
ولا كنت محتاجة أعيش في بيت كبير علشان أحس إني غنية
كنت محتاجة بس أشوف ابني سعيد وأتأكد إن التعب اللي تعبته عشانه خلاه إنسان يعرف قيمة الناس ويحترمهم مهما كانت ظروفهم
ومن يومها بقى الفستان الأخضر حكاية بتتحكي في عيلتنا كل سنة
حكاية ست بسيطة دخلت كنيسة في إسكندرية وهي خايفة من نظرات الناس وخرجت منها وهي رافعة راسها
لأنها اكتشفت إن الحاجة اللي كانت فاكرة إنها مصدر خجلها كانت في الحقيقة أجمل شهادة على عمر كامل من الحب والتضحية
وأجمل درس اتعلمته إن الفقر عمره ما كان عيب وإن قيمة الإنسان مش في اللي لابسه لكن في اللي سايبه جواه من أثر طيب في قلوب الناس
النهاية