البئر الغامض في القرية بقلم رامي بيطار

لمحة نيوز

في قريةٍ صغيرةٍ على أطراف الصحراء الكبرى، حيثُ الرمالُ تمتدُّ بلا نهاية، كان الناسُ يتحدثون عن بئرٍ غامضٍ يُسمّى “بئر الهمسات”. لم يكن أحدٌ يجرؤ على الاقتراب منه بعد غروب الشمس… لأن من يسمع همساته، لا يعود كما كان أبدًا.

الجزء الأول: النداء

كان “سليم” شابًا فضوليًا، لا يؤمن بالخرافات. كان يسمع قصص القرية عن البئر ويضحك ساخرًا. لكن في ليلةٍ هادئة، وبينما كان الجميع نائمين، سمع صوتًا خافتًا يناديه باسمه…

“سليم…”

استيقظ مذعورًا. نظر حوله، لا أحد. ظنها مجرد أوهام. لكنه سمع الصوت مرةً أخرى، أوضح هذه المرة:

“تعال إليّ…”

لم يستطع المقاومة. خرج من منزله وكأن قوةً خفية تسحبه. كانت خطواته تتجه تلقائيًا نحو البئر. كلما اقترب، ازداد الصوت وضوحًا… لكنه لم يكن مخيفًا، بل كان مطمئنًا بشكل غريب.

وقف أمام البئر. نظر إلى داخله… ظلامٌ دامس. وفجأة، رأى انعكاس وجهه… لكنه لم يكن هو!

الوجه في الماء ابتسم.

تراجع سليم بخوف، لكن الصوت همس:
“أنا

أنت… لكن من زمنٍ آخر.”

شعر بقشعريرة تسري في جسده. حاول الهرب، لكن قدميه لم تتحركا.

“إذا أردت معرفة الحقيقة… اقفز.”

تردد سليم. قلبه ينبض بعنف. هل هذه خدعة؟ أم سرٌ لم يكتشفه أحد من قبل؟

وبدون وعي… قفز.

الجزء الثاني: ما وراء الظلال

لم يسقط سليم في الماء… بل في عالمٍ آخر.

فتح عينيه ليجد نفسه في نفس القرية، لكنها كانت مدمرة. البيوت مهجورة، والسماء ملبدة بلونٍ رمادي غريب. صمتٌ مرعب يلف المكان.

وفجأة… رأى نفسه.

نعم، نسخةٌ أخرى منه، تقف أمامه. لكن هذه النسخة كانت مختلفة… عينيها مظلمتان، وابتسامتها باردة.

قالت النسخة:
“أخيرًا وصلت… لقد تأخرت كثيرًا.”

ارتبك سليم: “من أنت؟!”

أجاب الآخر:
“أنا أنت… الذي اختار البقاء هنا.”

بدأت الذكريات تتدفق في عقل سليم. فهم أن كل من سمع الهمسات، جاء إلى هذا العالم… لكن لم يستطع العودة.

“لماذا أنا؟” سأل بصوت مرتجف.

اقتربت النسخة وهمست:
“لأنك الوحيد الذي يمكنه كسر الدائرة… أو البقاء فيها

إلى الأبد.”

وفجأة، ظهرت ظلالٌ سوداء تحيط بهما. أصواتٌ كثيرة تهمس معًا، نفس الصوت الذي ناداه في البداية.

“اختر…”

نظر سليم حوله. أمامه خياران:
إما أن يواجه هذه الظلال ويخاطر بالاختفاء…
أو أن يصبح مثل نسخته… مجرد صوتٍ جديدٍ في البئر.

أغمض عينيه… وأخذ نفسًا عميقًا…

ثم…

اختار.

لكن… لم يعرف أحد ماذا اختار.

وفي صباح اليوم التالي، سمع أهل القرية صوتًا جديدًا ينبعث من البئر…

“تعال إليّ…”

النهاية: كسر الدائرة

في تلك اللحظة الحاسمة، حين أغمض سليم عينيه، لم يختر الهروب… ولم يختر البقاء.

بل اختار المواجهة.

فتح عينيه فجأة، وصرخ في الظلال:
“كفى! لن أكون واحدًا منكم!”

اهتزّ المكان من حوله، وبدأت الأصوات تزداد حدةً وغضبًا. تقدّمت الظلال نحوه كأنها موجة سوداء تريد ابتلاعه، لكن سليم لم يتحرك هذه المرة. تذكّر كل شيء… خوفه، فضوله، ضعفه… لكنه تذكّر أيضًا شيئًا أهم: أنه ما زال يملك إرادته.

اقتربت نسخته المظلمة منه وقالت بصوت بارد:
“لن

تستطيع الهرب… الجميع قالوا هذا قبلك.”

لكن سليم نظر في عينيها بثبات:
“ربما… لكنهم لم يكونوا أنا.”

مدّ يده نحو النسخة… ولمسها.

في تلك اللحظة، صرخت النسخة صرخة حادة، وبدأت تتلاشى، وكأنها لم تكن سوى انعكاس مشوّه. الضوء بدأ ينتشر من يد سليم، يمتد إلى الظلال، يمزقها واحدة تلو الأخرى.

الأصوات تحولت من همسات إلى صراخ… ثم إلى صمت.

سقط سليم على الأرض، يلهث… ثم كل شيء أصبح أبيض.

استيقظ سليم فجأة… ليجد نفسه أمام البئر.

الشمس كانت تشرق، والقرية كما هي، لم تتغير.

تراجع ببطء، قلبه ينبض بقوة. نظر إلى داخل البئر مرةً أخيرة…

لم يكن هناك شيء.

لا همسات.

لا وجوه.

فقط ماء ساكن… كأن شيئًا لم يحدث.

عاد إلى القرية، ولم يخبر أحدًا بما رآه. لكن الناس لاحظوا شيئًا غريبًا…

لم يعد أحد يسمع الهمسات.

اختفت تمامًا.

مرت سنوات…

وفي يومٍ هادئ، كان طفل صغير يلعب بالقرب من البئر. اقترب بحذر، ونظر إلى داخله…

ثم ابتسم.

وقال بصوتٍ خافت:

“أعرفك…”

تجمّد

الهواء للحظة.

وفي عمق البئر… ظهر تموّج خفيف في الماء.

كأن شيئًا… أو أحدًا… لا يزال هناك.

النهاية… أم ربما البداية من جديد.

تم نسخ الرابط