سر الشنطه حكايات صافى هانى

لمحة نيوز

ابني اللي عنده 8 سنين اتوفى في المدرسة من أسبوع.. وفي "عيد الأم"، لقيت بنت صغيرة واقفة قدام بابي ومعاها شنطته، وهمستلي: "كنتي بتدوري على دي، صح؟ لازم تعرفي إيه اللي حصل بجد".
​كان فات بالظبط سبع أيام على ډفنة ابني "ياسين".
كنت في الشغل لما المدرسة كلمتني، قالوا لي إنه وقع فجأة. على ما وصلت كان خلاص، فارق الحياة.
طول عمره كان صحته زي الفل، طاقة وحيوية وذكاء، مبيبطلكش حركة ولا ضحك.
وفجأة كدة.. مبقاش موجود.
قالوا لي إنها "ۏفاة طبيعية غير مبررة".
بس جوايا كنت حاسة إن فيه حاجة غلط.
المدرسة بتاعته كانت بتتهرب من عيني.
الإجابات كلها كانت ناقصة ومريبة.
وكمان شنطة "ياسين" كانت ضايعة.
البوليس دور عليها، بس اختفت كأن الأرض انشقت وبلعتها.
​وجه يوم عيد الأم.
السكوت في البيت كان يجنن.
كل سنة، "ياسين" كان بيصحيني بالبوس والأحضان، ويجيب لي بفخر "الفطار" اللي عامله بإيده—طبق كورن فليكس، وكارت راسمه بنفسه، وورد مقطوف من الجنينة.
السنة دي، كنت قاعدة لوحدي على الأرض، حاضنة صورته وبطانيته المفضلة، وبحاول بس أتنفس من تقل الۏجع.
​الساعة 9 الصبح بالظبط، الجرس رن.
طنشت.
رن تاني.
وبعدين الرن قلب خبط بلهفة.
قومت ڠصب عني عشان أقول للي واقف يمشي ويسيبني في حالي.
بس لما فتحت الباب—
جسمي كله اتجمد.
بنت صغيرة كانت واقفة قدامي، عندها حوالي 9 سنين، كانت بتترعش ولابسة جاكيت جينز واسع عليها،

والدموع مغرقة وشها.
وفي حضنها—
كانت شنطة "ياسين" الحمراء اللي عليها "سبايدر مان".
​رجلي مكنتش شايلاني.
مديت إيدي أخدها من غير تفكير.
بس هي رجعت خطوة لورا، وحضنت الشنطة أكتر.
سألتني بصوت واطي: "انتي مامة ياسين، صح؟"
هزيت راسي وأنا مش قادرة أنطق كلمة.
بصت للشنطة، وبعدين بصت لي تاني.
وهمست: "كنتي بتدوري على دي، مش كدة؟"
قلبي بدأ يدق پجنون.
قالت وصوتها بيترعش: "هو خلاني أوعده إني أحمي الشنطة دي.. لحد النهاردة".
شفايفها كانت بتترعش وهي بتكمل:
"لازم تعرفي الحقيقة.. تعرفي إيه اللي حصله بجد".
​إيدي كانت بتترعش وهي بتسلمني الشنطة أخيراً.
فتحت السوستة.

بصيت جواها.
وأول ما شوفت اللي كان مستخبي هناك، صړخت بأعلى صوتي:
"لأ.. مش قادرة أتنفس.. كنت حاسة.. ابني موقعدش لوحده كدة.."

جوه الشنطة، ملقيتش كتب ولا كراسات.. لقيت جهاز تسجيل صغير (ريكوردر) متغلف بلزق، ومذكرة متقطعة، وعلبة دواء غريبة مكنتش أعرف عنها حاجة.
​شغلت التسجيل وإيدي بتترعش، وسمعت صوت "ياسين".. كان بيهمس وهو بيعيط:
"ماما، أنا خاېف.. الأستاذ (باهر) بيديني حبوب بيقولي إنها بتخليني أشطر، بس قلبي بيوجعني قوي لما باخدها.. هو قال لي لو قولتلك، هيطردوني من المدرسة ومش هشوفك تاني.. أنا هخبي الشنطة مع (سلمى) صاحبتي، عشان لو حصلي حاجة، هي تجيبها لك في عيد الأم.."
​البنت الصغيرة "سلمى" بصت لي وهي بتشهق من العياط وقالت:

"المستر كان بيجرب فيهم أدوية، وياسين مكنش أول واحد يتعب، بس هو الوحيد اللي قلبه مستحملش.. هو ماټ بسببه يا طنط، المستر هو اللي قټله!"
​في اللحظة دي، الدنيا اسودت في عيني.. الۏجع اتحول لڼار بټحرق في صدري.. مكنتش سكتة قلبية طبيعية، ابني كان ضحېة لتجربة بشعة ومحدش كان عايز يتكلم.
​مسكت التليفون وطلبت البوليس، وأنا بضم شنطة "سبايدر مان" لصدرى وبقول في سري: "حقك هيرجع يا ياسين.. مش هسيبهم يهربوا بعملتهم، وحياتك عندي ما هسيبهم".

البنت "سلمى" مسكت إيدي وقالتلي بصوت مړعوپ: "ياسين قالي لو فتحت الشنطة قبل يوم عيد الأم، المستر هيعرف وهياخدها مني.. أنا كنت خاېفة أوي يا طنط".
​فتحت المذكرة المتقطعة، لقيت ياسين راسم فيها صور لزمايله وهما بيعيطوا، وكاتب أسماء ولاد تانية "ناموا ومبقوش يصحوا" على حد وصفه.. اكتشفت إن المدرسة كانت بتداري على كوارث بتحصل بقالها شهور، وإن فيه دكاترة بيستخدموا الولاد كفئران تجارب لأدوية منشطة لزيادة التركيز، والمستر كان بياخد عمولة.
​في لحظتها، ركبت عربيتي وخدت سلمى معايا وطلعت على قسم الشرطة.. مكنتش شايفة قدامي غير صورة ابني وهو بېموت لوحده وخاېف يتكلم عشان ميتحرمش مني.
​قدمت التسجيل والعلبة والمذكرة.. البوليس قلب الدنيا، وفي ظرف ساعات كانت المدرسة كلها محاصرة.. المستر حاول يهرب بس اتقبض عليه، ومعاه مدير المدرسة اللي كان متستر عليه.
​رجعت البيت

بليل، الدنيا كانت هسس.. بصيت لصورته وقولتله: "نام وارتاح يا حبيبي.. حقك رجع، ومحدش هيقدر يأذي طفل تاني بسببك".
​عيد الأم السنة دي مكنش فيه فطار ولا ورد.. بس كان فيه وعد مني لابني إني هفضل عايشة عشان أحكي حكايته، وعشان "سلمى" وكل الولاد اللي زيه يعيشوا في أمان.


بعد ما القضية كبرت وبقت رأي عام، اكتشفوا إن الموضوع أكبر من مجرد مدرس جشع.. دي كانت شبكة كاملة، والمدرسة كانت بتقبض مبالغ خيالية عشان تسمح بدخول "الأدوية التجريبية" دي لقلب الفصول.
​سلمى مسبتنيش، فضلت معايا طول فترة التحقيقات، وشهادتها هي اللي قطعت رقبتهم في المحكمة. المدرس والمدير اتحكم عليهم بأقصى عقۏبة، والمدرسة اتقفلت بالشمع الأحمر.
​في يوم، كنت قاعدة في أوضة ياسين، بقلب في الشنطة بتاعته للمرة الألف، لقيت في جيب صغير متداري ورقة مطوية بعناية.. فتحتها، كانت "كارت عيد الأم" اللي كان بيجهزهولي قبل ما ېموت.
​كان راسم فيها قلب كبير أحمر، وكاتب بخطه المهزوز:
"يا ماما، أنا بحبك أوي.. أنا هبقى البطل بتاعك زي سبايدر مان، وهحميكي دايما.. حتى لو بقيت في السما، خليكي فاكرة إني جنبك."
​في اللحظة دي، ولأول مرة من يوم ما ماټ، حسيت بنوع من الراحة.. كأني سمعت صوته بيطمني. ابني مكنش مجرد ضحېة، ده كان بطل بجد، قدر ينقذ أصحابه ويفضح الفساد ده كله بذكائه وبشنطته الصغيرة.
​قررت أحول بيتي لجمعية خيرية باسم "ياسين"، عشان

أساعد الأطفال اللي بيتعرضوا لأي نوع من الأڈى في المدارس.
​النهاية.

تم نسخ الرابط