زوجوني لرجل اصم يعيش وحده في الجبال

لمحة نيوز

زوّجوني لرجلٍ أصمّ يعيش وحده بين الجبال وقالوا إنني الفتاة السمينة التي لم يرغب بها أحد، وإنه الرجل الوحيد الذي وافق على الزواج مني مقابل إسقاط دينٍ قديم عن أبي.
لكن في الليلة التي نزفت فيها أذنُه بين يدي اكتشفتُ فيها أن الرجل الذي سموه الوحش كان ضحية جريمة أخفاها الجميع لسنوات.
لم يكن يوم زفافي يشبه الأفراح التي كنت أراها في بيوت الناس.
لا موسيقى.
لا ضحكات.
حتى الزغاريد خرجت خافتة ومكسورة كأن النساء أنفسهن يعرفن أن ما يحدث ليس زواجًا حقيقيًا، بل صفقة تنتهي عندها ديون أبي.
طوال الطريق إلى بيت زوجي، كنت أشعر أنني أُساق إلى شيء مجهول.
الثلج يغطي جبال شمال الأردن، والريح تضرب زجاج السيارة القديمة، بينما أبي يجلس صامتًا بجانبي لا يرفع عينيه نحوي.
ولا مرة.
كأنه خجل حتى من النظر إلى ابنته بعدما سلّمها لرجل لا يسمع مقابل ورقة دين.
كنت أضم عباءتي السوداء حول جسدي وأحاول ألا أبكي.
لكن كلمات النساء ظلت تطاردني طوال الطريق.
احمدي ربك على الأقل وجدوا رجلًا يقبل بك.
غيرك يجلسن في بيوت أهلهن حتى الأربعين.
السمينة لا يجب أن تتشرط.
كنت أبتلع الإهانة بصمت منذ طفولتي.
لكن تلك الليلة تحديدًا
شعرت أنني أُدفن حيّة.
وحين وصلتُ إلى المزرعة، فهمت فورًا لماذا يخاف الناس منه.
البيت معزول تمامًا بين الجبال.
لا جيران.
لا أصوات.
فقط الريح وصوت أبواب خشبية قديمة تتحرك مع العاصفة.
ثم دخل هو.
طويل بشكل مخيف.
عريض الكتفين.
صامت تمامًا.
يحمل فوق ظهره حطبًا مغطى بالثلج، بينما وجهه القاسي ولحيته الكثيفة جعلاه يبدو فعلًا كما وصفه الجميع
وحشًا.
انتفض قلبي لحظة دخل.
توقعت أن يقترب مني.
أن ينظر إليّ باشمئزاز مثل بقية الرجال.
أو أن يعاملني كزوجة اشتراها بالمال.
لكنه لم يفعل شيئًا من ذلك.
حتى عينيه لم تستقرا فوقي طويلًا.
ألقى الحطب قرب المدفأة، ثم أشار بيده نحو الغرفة الصغيرة

في آخر البيت.
فهمت أنه يريدني أن أنام هناك.
أما هو
فجلس قرب النار على الأرض وكأنه اعتاد الوحدة أكثر من البشر.
في تلك اللحظة شعرت بارتباك غريب.
كنت خائفة منه طوال الطريق
لكنه بدا وكأنه الشخص الوحيد داخل هذا الزواج الذي لم يرد أن يؤذيني.
مرّ الأسبوع الأول ببطء ثقيل.
كان يخرج قبل الفجر ويعود قبل الغروب.
أحيانًا يحمل الحطب.
وأحيانًا أكياس العلف.
وأحيانًا يعود ويداه متشققتان من البرد والثلج.
لم يكن يتكلم أبدًا.
إذا احتاج شيئًا، يكتبه في دفتر صغير بخط متعب وكأنه تعلّم الكتابة بصعوبة.
لكن رغم صمته
بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لم يخبرني بها أحد.
كان يشعل النار قبل أن أستيقظ حتى لا أشعر بالبرد.
ويترك لي الطعام الساخن دائمًا.
ويطرق الباب مرتين قبل أن يدخل أي غرفة، حتى لو كان البيت بيته.
مرة استيقظت فجرًا ورأيته يصلّح الباب الخارجي تحت الثلج بينما الدم يخرج من أصابعه المتشققة.
ومرة أخرى رأيته يعيد حمار طفل صغير ضاع بين الجبال.
عاد مبللًا بالثلج بالكامل
دون أن ينتظر شكرًا من أحد.
شيئًا فشيئًا
بدأ خوفي منه يضعف.
لكن شيئًا آخر بدأ يخيفني أكثر.
أذنه.
كل ليلة تقريبًا، كان يستيقظ متألمًا.
يضغط يده فوق أذنه اليمنى بعنف وكأن شيئًا ينهش رأسه من الداخل.
وأحيانًا كنت أراه يرتجف فجأة وهو نائم.
وفي الصباح
أجد بقع دم صغيرة فوق الوسادة.
حاولت تجاهل الأمر في البداية.
لكن قلبي لم يستطع.
وفي إحدى الليالي، بينما كان جالسًا قرب النار يحدق داخل اللهب بشرود، كتبت له في الدفتر
هل يؤلمك؟
قرأ السؤال طويلًا.
ثم كتب كلمة واحدة فقط
قديم.
لا أعرف لماذا آلمتني تلك الكلمة لهذه الدرجة.
ربما لأنني شعرت أن الرجل الذي يخافه الجميع يحمل وجعًا أقدم من كل هذا الصمت.
وفي تلك الليلة
اشتدت العاصفة بشكل مرعب.
كنت نائمة حين سمعت صوت ارتطام قوي داخل البيت.
قفزت مذعورة من فراشي.
ثم رأيته.
كان
ساقطًا قرب الحائط.
يتنفس بصعوبة.
ويمسك أذنه بينما الدم ينزل بين أصابعه بشكل أخافني.
ركضت نحوه فورًا.
حاول إبعادي عنه بعنف، لكنني أمسكت يده للمرة الأولى منذ زواجنا.
كانت يده ساخنة جدًا من الحمى.
جلست أمامه تحت ضوء المصباح المرتعش، وبدأت أنظف الدم بقطعة قماش مبللة.
ثم فجأة
شعرت بشيء صلب داخل أذنه.
تجمدت.
عبست وأنا أقرّب المصباح أكثر.
كان هناك شيء عالق عميقًا داخل الجرح.
أحضرت الملقط المعدني من المطبخ، ثم بدأت أسحبه ببطء شديد.
الرجل شدّ أسنانه من الألم.
وجسده كله ارتجف تحت يدي.
لكنني أكملت.
شيء أسود طويل بدأ يخرج تدريجيًا من داخل أذنه مغطى بالصديد والدم القديم.
وفي اللحظة التي سقط فيها داخل الصحن أمامي
تجمّد الدم في عروقي.
في قرية وادي الريح الرجال الذين يملكون القمح، والديون، والمخازن الزراعية، كانوا يملكون أفواه الناس أيضًا.
وفي آخر طرف من أطراف القرية، جلست العروس الجديدة وحدها داخل بيتٍ باردٍ نصفه حجر ونصفه خشب.
كانت تحدق في النار المشتعلة داخل المدفأة، بينما تضم طرف عباءتها السوداء فوق صدرها كأنها تحتمي بها من شيء أكبر من البرد.
لم يكن يوم زفاف يشبه الأفراح.
لم يكن هناك غناء.
ولا زغاريد حقيقية.
فقط رجال جلسوا داخل ديوان القرية يقرأون الفاتحة بسرعة، ثم تبادلوا نظرات ثقيلة قبل أن يغادر الجميع وكأنهم أنهوا صفقة لا أكثر.
حتى النساء اللواتي صافحنها قبل خروجها من بيت أبيها، لم يخفين همساتهن.
الحمد لله الذي سترها.
على الأقل وجدوا رجلًا يقبل بها.
حتى لو كان ذلك الأصم.
أغمضت عينيها للحظة.
ما تزال تسمع ضحكات الرجال خارج الديوان عندما دخل هو.
طويلًا بشكل مخيف.
عريض الكتفين.
صامتًا.
وجهه قاسٍ كصخور الجبال، ولحيته كثيفة غير مرتبة، وعيناه ثابتتان بطريقة جعلت الأطفال يختبئون خلف أمهاتهم.
الرجل الذي يسمونه في القرية كلها
الوحش.
سمعت باب البيت يُفتح
ببطء.
انتفض جسدها تلقائيًا.
دخل الرجل دون أن يُصدر صوتًا تقريبًا، يحمل فوق كتفه حزمة حطب مغطاة بالثلج.
لم ينظر إليها مباشرة.
ركع قرب المدفأة، ألقى الحطب داخل النار، ثم وقف ساكنًا لثوانٍ.
بعدها أشار بيده نحو الغرفة الصغيرة في آخر البيت.
فهمت فورًا.
تلك غرفتها.
أما هو، فسوف ينام قرب النار.
تجمدت في مكانها.
لم تتوقع ذلك.
كل النساء في القرية أخفنها منه طوال الأسبوع الماضي.
الرجل يعيش وحده منذ سنين.
لا أحد يعرف ماذا يفعل داخل تلك المزرعة.
احذري أن تغضبيه.
لكن الرجل لم يقترب منها أصلًا.
حتى نظرته لم تستقر فوقها طويلًا.
اقترب من الطاولة الخشبية القديمة، ثم أخرج دفترًا صغيرًا وقلمًا قصيرًا.
كتب شيئًا بسرعة.
ودفع الدفتر نحوها.
إذا احتجتِ شيئًا اكتبيه.
حدقت بالكلمات بدهشة.
خطه ثقيل ومهتز، كأن يده لم تعتد الكتابة.
رفعت عينيها نحوه ببطء.
أنت تعرف القراءة؟
رفع حاجبه قليلًا، ثم كتب
بصعوبة.
شعرت بحرارة خفيفة من الخجل.
طوال عمرها صدقت أن الرجل الأصم لا يفهم شيئًا.
خفضت نظرها بسرعة.
أما هو، فعاد وجلس قرب النار بصمت، وكأن وجودها داخل البيت لا يزعجه لكنه لا يعرف كيف يتعامل معه أيضًا.
في الخارج، استمرت الريح تعصف بعنف.
أما داخل البيت
فكان الصمت أثقل من أي صوت.
مرّ الأسبوع الأول ببطء غريب.
الرجل يخرج قبل الفجر إلى الحظيرة أو الأرض، ثم يعود مع الغروب محملًا بالحطب أو أكياس العلف.
لا يتكلم.
نادراً ما ينظر مباشرة في وجهها.
وإذا احتاج شيئًا، يكتبه في الدفتر.
أما هي، فبدأت تلاحظ أشياء لم تخبرها بها القرية.
كان يترك لها الجزء الأكبر من الطعام.
يشعل النار قبل أن تستيقظ.
ويطرق الباب مرتين قبل الدخول، حتى لو كان البيت بيته.
مرة، استيقظت قبل الفجر ووجدته يصلح الباب الخارجي تحت الثلج.
كانت أصابعه متشققة وتنزف من البرد، لكنه استمر يعمل بصمت كأن الألم لا يعنيه.
وفي
مرة أخرى، رأت طفلًا صغيرًا يبكي قرب المزرعة لأن حماره هرب بين الجبال.
الرجل نزل وسط الثلوج يبحث عنه ساعة كاملة حتى أعاده للطفل.
ثم عاد دون كلمة واحدة.
لا ينتظر
تم نسخ الرابط