رجع من شغل ١٢ ساعه محمد عبده

لمحة نيوز

الصرخة التانية اللي طلعت من مريم مكانتش مجرد صوت ألم، دي كانت شرارة ولعت في نفوخ أحمد. حس بنبضات قلبها السريعة وهي بتنهج في حضنه، وجسمها اللي بقا زي الريشة من كتر التعب مش قادر يشيلها. نزل معاها بالراحة على الأرض، ساند ضهرها على تقفيل المطبخ الألوميتال، وعينيه مش مفارقة وشها اللي بقا لونه أصفر زي الليمونة.

“مريم.. ردي عليا يا مريم! حاسة بإيه؟” صوت أحمد كان بيترعش، الخوف لأول مرة يكسر هيبته وصوته اللي دايما ناشف من شقا الفجالة.

هي مكانتش قادرة تتكلم، يدوب بتشاور على بطنها وصوابعها بتغرس في قماشة جلابيتها البيتي، وبتتنفس بسرعة كأن الهوا هرب من المطبخ كله. الغضب اللي جواه تحول لطاقة مرعبة، سابها ثانية واحدة ووقف على باب المطبخ، وبص على الصالة.

الحاجة فوزية كانت لسه بتزق اللب بصباعها الكبير وتف Gele في الطبق، وشيماء بتعدل بوزها قدام الكاميرا عشان الإضاءة تطلع مظبوطة. أحمد زعق بعلو صوته، زعقة هزت نجفة الصالة القديمة: “أنتوا إييييييه؟ بني آدمين ولا صخر؟! مفيش دم؟! البنت بتموت جوه!”.

أمه لوت بوزها ونزلت رجلها من على الكنبة ببطء: “جرى إيه يا واد يا أحمد؟ ما تعليش صوتك عليا عشان حتة بت لا راحت ولا جت، تلاقيها بس بتمثل عشان تلم عليك وتعمل حكاية، ما إحنا ياما حملنا وولدنا في طشت الغسيل ومجرالناش حاجة”.

دعاء سابت التيك توك وقالت بلؤم: “تلقيها كلت حتة مخلل زيادة والضغط علي عليها، متعملش فيها سبع البرمبة يا أخويا”.

أحمد في اللحظة دي حس إن الناس دول مش أهله، دول ناس غريبة، ناس بتاكل في لقمته وبتشرب من دمه وفي الآخر عايزين يهدوا البيت على دماغه. سابهم ورجع للمطبخ من غير ما يرد، وطى على مريم وشالها بين إيديه، بالرغم من الحمل والوزن،

شالها كأنها بنته الصغيرة. خرج بيها والصالة كلها عيونها وسعت لما شافوا مريم وشها غرقان عرق ومغمى عليها بين إيديه.

“أنت رايح فين بالبت دي في نص ليل؟” أمه وقفت وسألته بنبرة فيها شك.

أحمد مابصلهاش حتى، وهو خارج من الباب قال بكلمتين بس زي الرصاص: “حسابكم معايا لما أرجع.. لو رجعت ولقيت حد فيكم هنا، مش هيحصل كويس”.

نزل السلم جري، تلات درجات في تلات درجات، كأنه شايل روحه بين إيديه. في شارع ضيق من شوارع إزبت الشلبي، الجو كان كتمة والرطوبة عالية، الميكروباصات والتوكتوك ماليين الدنيا وصوت الكلاكسات مش بيهدا. أحمد قعد يزعق في وسط الشارع: “تاكسي! حد يلحقني بتاكسي يا ناس!”.

ربنا سخر له أسطى عبده، راجل جدع من جيرانه، كان لسه بيركن عربيتة الفيرنا المتهالكة. أول ما شاف منظر أحمد ومريم، فتح الباب اللي ورا بسرعة: “اركب يا أحمد، اخلص يا بني!”.

طول الطريق للمستشفى الحكومي القريبة، أحمد كان حاطط رأس مريم على حجر بيمسح على وشها ويقول لها: “قومي عشان خاطري.. قومي يا مريم أنا ضهرك، أنا أسف.. أسف إني سبتهم يعملوا فيكي كده”. مريم فتحت عينيها نص فتحة، وهمست بصوت مسموع بالعافية: “الشنطة يا أحمد.. الشنطة السمرة بتاعتي في الدولاب.. فيها الكشكول.. اقرأ الكشكول يا أحمد.. أومك.. أمك عايزة..”.

مكملتش الجملة وغابت عن الوعي تاني. وصلوا المستشفى، الدكاترة والممرضين جيروا بالترولي، شالوها من إيد أحمد ودخلوها أوضة الطوارئ، والممرضة زقته بره: “استنى هنا يا أستاذ، ممنوع الدخول”.

أحمد قعد على دكة حديد مصدية في طرقة المستشفى، ريحة الميكروباص والكلور خانقاه. حط راسه بين إيديه والدموع اللي حبسها طول السنين اللي فاتت في الغربة والشقا نزلت. افتكر كلام مريم

عن الكشكول. “كشكول إيه؟ وشنطة إيه؟”.

الساعة بقت اتنين بالليل، الدكتور خرج وعلامات التعب على وشه، أحمد جري عليه: “طمني يا دكتور بالله عليك، مراتي وابني بخير؟”.

الدكتور قلع النظارة وقال بنبرة جادة: “الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة، تسمم حمل حاد وضغطها كان واصل للسما، ده غير إن جسمها مجهد جداً كأنها كانت بتشيل حديد، زائد ضغط عصبي ونفسي شديد. إحنا سيطرنا على الوضع والنبض استقر، بس لازم تفضل تحت الملاحظة 48 ساعة، وممنوع منعا باتاً أي زعل أو مجهود، وإلا هنضطر نولدها قيصري فورا والجنين لسه مكتملش في الثامن وده خطر عليه”.

 

أحمد حس براحة مؤقتة، بس كلام الدكتور عن الإجهاد والضغط العصبي قاد النار في صدره من تاني. دخل بص على مريم من ورا زجاج الأوضة، كانت مركبة محاليل ونايمة زي الملاك، وشها بدأ يرجع له لونه بالتدريج.

“مش هسيب حقك يا مريم، والبيت اللي اتهانتي فيه، مش هيدخلوه تاني”.

أحمد ساب المستشفى وأم أسطى عبده اللي جت تقف جنب مريم بعد ما كلمها، وركب توك توك ورجع على الشقة. جواه بركان شغال، بس المرة دي بركان بارد، بركان تخطيط وتفكير.

وصل البيت الساعة تلاتة الفجر. فتح الباب بالراحة. المفاجأة إن الصالة كانت زي ما هي، الزبالة في كل مكان، بس أمه وإخواته كانوا نايمين في الأوضة الكبيرة وأوضة الأطفال كأنهم في فندق. دخل أوضته هو ومريم، قفل الباب بالترباس، وراح على الدولاب.

قلب في الهدوم لحد ما لقى الشنطة القماش السمرة اللي مريم قالت عليها. فتح السوستة وطلع منها كشكول سلك صغير، غلافه عليه ورد دبلان. قعد على السرير وفتح أول صفحة.

خط مريم كان صغير ومرعوش، الكشكول كان عبارة عن مذكرات يومية بدأت من يوم ما أمه وإخواته جم يقعدوا معاهم

بحجة إن شقتهم بتتمحر.

أحمد بدأ يقرأ، وكل سطر كان بيمر على قلبه كأنه مية نار:

“15 إبريل: أحمد نزل الشغل من ستة الصبح، أول ما الباب اتقفل، حماتي دخلت عليا الأوضة، صحتني وزعقت وقالت لي قومي سوي شقة إخواتك واعملي لهم فطار يفوقوا، لما قلت لها يا ماما أنا في الشهر السادس والتعب ماسكني، قالت لي: بلا دلع ماسخ، أحمد شغال طافح الدم عشان يأكلك وأنتي قاعدة زي الهانم، لو مش عاجبك سيبيله البيت وغوري لبيت أبوكي الميت.”

أحمد بلع ريقه بصعوبة وقلب الصفحة:

“2 مايو: شيماء ودعاء خدوا الفلوس اللي أحمد كان سايبها للجمعية من على التسريحة، ولما واجهتهم، دعاء قالت لي: دي فلوس أخونا، وأنتي حتة جربوعة جاية من ملجأ مالكيش كلمة هنا، وحماتي وقفت معاهم وقالت لي لو فتحتي بوقك مع أحمد هقوله إنك بتسرقي فلوسه وبتوديها لخالك.. أنا خايفة أقول لأحمد ليتعصب وهو مش ناقص هم وشغل.”

أحمد دموعه نزلت على الورق، السطور اللي بعد كده كانت أصعب، إهانات يومية، تلميحات بأصلها ويتمها، تشغيلها كأنها خادمة لثلاث بنات شابات قاعدين قدام التلفزيون. لحد ما وصل لصفحة مكتوبة من تلات أيام بس، الصفحة دي خلته يقف على حيله وجسمه كله يتنفض.

“22 يونيو: أنا سمعت مصيبة.. كنت واقفة ورا باب المطبخ وسمعت حماتي بتتكلم مع شيماء في الصالة. حماتي كانت بتقول لها: البت دي فرفورة ومش هتحمل تربية الواد، أول ما تولد، أنا هاخد الواد أربيه عندي، وهخلي أحمد يطلقها ويرميها بره، هي ملهاش حد يسأل عليها، والواد ده ابن ابني ومن حقي، وشيماء ردت عليها وقالت لها: أيوة يا ماما عشان أحمد يكتب الشقة باسم الواد وتفضلي أنتي المتحكمة في كل حاجة.. أنا بموت من الرعب يا رب، خايفة ياخدوا ابني مني، خايفة أقول لأحمد

ما يصدقنيش ويقول دي أمي.. أنا ماليش غيرك يا رب.”

تم نسخ الرابط