امبارح بالليل شروق خالد
نزلت ركبت عربيتي، ودورتها وأنا حاسة إن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح. فضلت ألف في الشوارع الفاضية والهدوء محاوطني، ومفيش في دماغي غير فكرة واحدة: “الحمد لله إني مأمنتش.. الحمد لله إن لغة الأرقام مابتكدبش.”
على الساعة 6 الصبح، تليفوني رن. كان رقم محمد. كنسلت عليه. رن تاني وتالت، لحد ما زهقت ورديت: “نعم يا محمد؟ أظن كلامنا خلص.”
صوته كان جايب آخره، باكي ومتبهدل: “سمر، أرجوكي الحقيني.. أمي بايتة في الحجز من امبارح، والظابط مش راضي يخرجها إلا لما أنتِ تيجي بصفتك صاحبة الحساب وتقولي إن مفيش سرقة وإن الكارت كان معاها بعلمك. أمي هتضيع يا سمر، أبوس إيدك سامحيني وأنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.”
أخدت نفس طويل وقلت له ببرود هز قفل قلبه: “يا محمد، أمك بايتة في الحجز لأنها مقبوض عليها بتهمة الشروع في سرقة كارت بنكي واستخدامه بدون علم صاحبه، والسيستم صورها وهي بتموت رعب والمكنة بتسحب الكارت. أنا مش هروح ومستحيل أتنازل.. خلى المحامي بتاعكم يتصرف، ده لو عرف.”
قفلت السكة في وشه وعملت له “بلوك” من كل حتة.
### بعد مرور
أنا قاعدة دلوقتي في مكتبي الجديد.. “مكتب سمر للمحاسبة والاستشارات المالية”. الشغل كبر وبقى عندي عملاء كتير، والمليون وربع جنيه بتوع جدتي روحية هما اللي فتحوا لي الباب ده ووفروا لي الأمان اللي كنت محتاجاه عشان أبدأ من جديد وبقوة.
أما محمد وأمه؟ القضية أخدت وقتها، وبسبب تفاصيل كتير وتسجيلات كاميرات الـ ATM، أمه أخدت حكم مع إيقاف التنفيذ بسبب سنها، بس الفضيحة في منطقتهم وفي وسط عيلتهم كانت كفيلة تكسر عينهم قدام الكل. محمد طلقني طلاق غيابي بعد ما رفعت عليه قضية خلع، وحالياً عايش مديون وبيسدد في قروض وضرايب، ومستقبله ضاع بسبب طمعه.
كل يوم الصبح وأنا داخلة مكتبي، ببص لصورة جدتي روحية اللي معلقاها ورا مكتبي، وببتسم وأقول لها: “فلوسك صانتني يا حبيبتي.. وذكائك اللي ورثته منك هو اللي حماني.”
عرفت وقتها إن الست لما بتعتمد على نفسها وبتشغل عقلها، مفيش أي حد في الدنيا يقدر يكسرها أو يسرق منها حياتها.
حكايات شروق خالد
مرت الأيام والشهور، وبقيت كل ما أفتكر اللي حصل أدرك إن دي كانت أعظم نقطة تحول في حياتي.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي براجع ميزانية شركة كبيرة، السكرتيرة دخلت عليا وقالت لي: “استاذة سمر، فيه واحد برة طالب يقابل حضرتك ضروري، ومش راضي يمشي، وبيقول إنه موضوع شخصي.”
قلت لها يدخل، وأول ما الباب اتفتح.. لمحت محمد.
مكانش هو محمد بتاع زمان خالص؛ الهدوم الشيك اتدبلت، ووشه بقى باهت وعليه علامات قهر وتعب السنين، وبان عليه إنه كبر عشر سنين عجز فوق عمره.
وقف قدام مكتبي وهو مش قادر يحط عينه في عيني، وقال بصوت واطي ومكسور: “إزيك يا سمر.. مبروك على المكتب الجديد، أنا شايف اسمك مسمع في كل حتة.”
شاورت له على الكرسي بكل برود وقلت له: “أهلاً يا محمد. خير؟ إيه اللي جابك هنا؟”
قعد وهو بيفرك إيديه بقلة حيلة وقال: “أنا جاي أعتذر لك.. عارف إن الاعتذار ملوش قيمة دلوقتي، بس أنا حابب تبريني ذمتي. من يوم اللي حصل وأنا الدنيا مدياني ضهرها، الشغل سبته، والديون كترت
بصيت له ولقيت نفسي مش حاسة بأي شماتة، ولا حتى زعل.. كنت حاسة بفراغ تام من ناحيته، وكأنه شخص غريب تماماً واقف قدامي.
قلت له وأنا بقفل الدفتر اللي قدامي: “أنا مسامحاك يا محمد، مش عشانك، بس عشان نفسي متبقاش شايلة أي طاقة سلبية تعطلني عن نجاحي. العقاب اللي شوفتوه ده كان نتيجة طمعكم، وأنا ربنا نجاني عشان نيتي كانت صافية وكان كل همي أحافظ على شقا ست غالية عليا.”
قام وقف وعينيه مدمعة، وقال: “شكراً يا سمر.. أنتِ فعلاً كنتِ خسارة فينا.” ومشي وقفل الباب وراه.
ساعتها أخدت نفس عميق وبصيت من شباك مكتبي على الشارع والناس والبيوت، وحسيت بنصر حقيقي. النصر مش إنك تنتقم، النصر الحقيقي هو إنك تعلي وتكبر وتوصل لمرحلة تخلي اللي آذاك يندم لمجرد إنه بقى يشوفك من بعيد ومش طايلك.
قفلت نوري، وأخدت شنطتي، وخرجت وأنا واثقة إن بكرة أحلى، وإن حساباتي في الحياة دي دايماً مظبوطة بالمليم.
الباسورد السري وفخ الـ
حكايات شروق خالد