كنا قاعدين ع السفره

لمحة نيوز

المواقف التي تكسر القلوب أمام الملأ لا تُنسى، وتظل محفورة في جدران الروح كشرخ لا تداويه الأيام. الكلمة الچارحة التي تخرج في لحظة كبرياء أو قسۏة قادرة على ټدمير بيوت بأكملها، وهذا ما حدث على تلك السفرة التي كانت قبل دقائق تشع بالدفء والبهجة. لم تكن مرات أخيكِ نور تطلب المستحيل، ولم يكن طلبها للجمبري سوى تعبير عن دلع العروس وحماسها للانتماء إلى هذه العائلة، خصوصًا وهي تحمل في أحشائها حفيدًا جديدًا ينتظره الجميع. لكن رد فعل والدكِ الحاج جلال الصاډم والخشن حول تلك اللحظة الدافئة إلى مأساة صامتة، زلزل كرامة الفتاة، وأهان ابنه أحمد، وزرع في أرجاء البيت صمتًا يخفي وراءه بركانًا أوشك على الانفجار.
الجملة التي نطقت بها والدتكِ الحاجة هدى في ذلك الصباح يلا بسرعة... قبل ما يرجع، لازم نعمل حاجة محدش في البيت يعرف عنها، كانت الشرارة التي أطلقت رحلة الخروج عن طوع القسۏة وفرض الأصول الحقيقية للبيوت؛ أصول الكرم والجبر لا أصول الإهانة والكسر. في تلك اللحظة، التفتتْ إليكِ والدتكِ وعيناها تحملان إصرارًا غريبًا لم تريه فيهما من قبل، وهي المرأة التي عاشت طوال عمرها تحت ظل طباع والدكِ الصارمة، تتحمل حدته وتداري خلف هدوئها نزوات غضبه المستمرة. نظرتْ إليكِ وقالت يا بنتي، البيوت

اللي بتتبني على الكسر مابتفرّحش، ونور دخلت بيتنا معززة مكرمة، وأبوكي الله يهديه كسر بخاطرها وخاطر جوزها قدامنا كلنا. الجمبري اللي استخسره فيها وفي ابن ابنه، هيتقدم لها النهارده على السفرة دي وأبوكي مش موجود، وهنرد لها اعتبارها عشان أحمد ما يكرهش البيت وأهله.
لم يكن الأمر مجرد رغبة في طبخ وجبة طعام، بل كانت خطة إنقاذ لكرامة عائلة تكاد ټنهار. سحبتْ والدتكِ من جيب جلابيتها كيسًا قماشيًا صغيرًا مخبأً بعناية، كان يحتوي على بضعة جنيهات ادخرتها سرًا من مصروف البيت على مدار أشهر طويلة تحسبًا لأي ظرف طارئ. وضعتِ النقود في يدكِ وقالت بصوت يرتجف حماسًا وخوفًا من عامل الوقت انزلي فورًا على سوق السمك الكبير، هاتي اتنين كيلو جمبري من الأنظف والأكبر، وهاتي كل اللي يلزم من سمك وبوري وفواكه البحر. مش عايزين نطبخ أكل عادي، عايزين نعمل وليمة ملوك، تليق بعروسة بيتنا. نزلتِ أنتِ تجرين في السلالم، وقلبكِ يدق بسرعة، تشعرين بمزيج من المغامرة والارتياح؛ فأخيرًا هناك من يتحرك لإطفاء الحريق الذي أشعله والدكِ بكبريائه.
في السوق، اخترتِ أفضل أنواع الجمبري الجامبو، وفواكه البحر الطازجة، وعدتِ إلى البيت كأنكِ تحملين كنزًا سرّيًا. ما إن دخلتِ المطبخ حتى وجدتِ والدتكِ قد جهزت الأواني، وشمرت
عن ساعديها، وبدأت في تقطيع الخضار وإعداد التتبيلة السحرية التي تشتهر بها. طوال أربع ساعات متواصلة، تحول المطبخ إلى خلايا نحل؛ رائحة الثوم والليمون والكمون والكزبرة بدأت تتصاعد

وتملأ أركان الشقة، مختلطة برائحة طواجن الجمبري بالبشاميل، وشوربة السي فود الغنية، والأرز الصيادية البني البراق. كانت والدتكِ تعمل بحب وعين على الساعة، وعين أخرى على الطرقة المؤدية إلى غرفة أحمد ونور، حيث كان الصمت لا يزال يفرض الحصار على العروسين منذ ليلة أمس.
عند الساعة الواحدة ظهرًا، وقبل موعد عودة والدكِ بثلاث ساعات كاملة، انتهى كل شيء. رتبتْ والدتكِ السفرة بأجمل الأطباق والمفارش التي كانت تخبئها للمناسبات الرسمية، ووضعت في المنتصف السرفيس الكبير المليء بالجمبري الذي تمنتْه العروس، وتحيط به طواجن الشوربة والأسماك الفاخرة، في مشهد يعبر عن منتهى الكرم والاعتذار الضمني. التفتتْ إليكِ والدتكِ وقالت ونفسها متقطع من التعب ادخلي يا بنتي نادي لأخوكي ومراته، قوليلهم السفرة جاهزة.
توجهتِ إلى غرفتهما، وطرقتِ الباب بخفة. فتح أحمد، وكان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتين من قلة النوم والأرق، وخلفه كانت نور تجلس على طرف السرير مطأطئة رأسها، تبدو وكأنها حزمت حقائبها النفسية للرحيل. عندما شم أحمد الرائحة
ونظر إلى ملامح وجهكِ المبتسمة، قطب جبينه مستغربًا. قلتِ له بصوت حنون يلا يا أحمد، يلا يا نور، ماما مستنياكم على الغدا، عاملين لكم مفاجأة. خرج أحمد تتبعه نور بخطوات متباطئة وخجولة، وما إن وصلا إلى صالة الطعام ورأيا السفرة، حتى تسمرت أقدامهما في مكانهما.
نظرتْ نور إلى الجمبري والأطباق الفاخرة، ثم نظرت إلى والدتكِ التي كانت تقف بابتسامة دافئة ودموع تترقرق في عينيها. تقدمت والدتكِ نحو نور، وأمسكت بيديها برفق وقالت لها يا نور عيني، البيت ده بيتك، وإنتِ بنتي قبل ما تكوني مرات ابني. الكلمة اللي تضايقك ما تطلعش من البيت ده، وأنا اللي عازماكي النهارده على الجمبري اللي نفسك فيه، كلي وأكلي حفيدنا، ولا تزعلي خاطرك أبدًا. في تلك اللحظة، اڼفجرت نور بالبكاء، لكنه لم يكن بكاء القهر كليلة أمس، بل كان بكاء الامتنان وجبر الخاطر. ارتمت في أحضان والدتكِ تشكرها، بينما وقف أحمد ينظر إلى والدته بنظرة مليئة بالاحترام والتقدير، وشعر بأن جبل الهم والمهانة الذي وضعه والده على كتفيه قد أزاحته أمه بلمسة حنان وكرم.
جلس الجميع على السفرة، وعادت الضحكات لترن في أرجاء المكان، وعوض أحمد زوجته بوضع قطع الجمبري في طبقها بامتنان كبير، وخلال ساعتين، تم محو أثر الحزن تمامًا من قلبي العروسين. 

تم نسخ الرابط