٤ الفجر انجى الخطيب
المحتويات
عليها الأدلة الجنائية، وكلهم بيتحركوا بدون سارينات، في صمت تام ومرعب زي ما طلبت بالظبط.
نزلت من الشاهين. فتحت الشنطة ولبست البالطو الصوف الطويل، وثبت على صدري شارة النسر الفضي، ودخلت في صدارة القوة اللي قفلوا الشارع بالكامل وحاصروا أسوار الفيلا من كل اتجاه. رئيس مباحث التجمع نزل وجري عليا، واداني التحية العسكرية قدام القوة كلها تمام يا سيادة اللواء، إذن النيابة معانا، والأدلة الجنائية جاهزة بالمعدات الكيميائية لكشف آثار الدماء الممسوحة شاورّت بإيدي نحو الباب الرئيسي للفيلا، وبنبرة ما اهتزتش منها شعرة واحدة، قلت اكسروا الباب.
. ومحدش فيهم يلمس تليفونه.
صوت تكسير الباب الخارجي للفيلا بدوي عنيف رج أركان المكان كله. عناصر فرقة التدخل السريع بملابسهم السوداء وأسلحتهم الآلية اقتحموا الممر الرخامي وانتشروا في ثوانٍ معدودة زي الصواعق؛ أربعة قفلوا مخارج الجنينة الخلفية، وستة حاصروا مدخل الفيلا الداخلي، والضابط تامر، رئيس المباحث، كان أول واحد يدخل الصالون الرئيسي وصوته يزلزل الجدران ولا حركة! كله يرفع إيده ويثبت مكانه! تفتيش قضائي بأمر النيابة العامة!المنظر جوه الصالون كان لوحة من الهلع المطلق.
سهير كانت واقفة في النص وماسكة صينية كريستال مدهبة فيها فناجين قهوة، الصينية فلتت من إيدها واتهبدت على البلاط واتفتتت لمية حتة، والقهوة طرطشت على عبايتها الحرير. مدحت جرى من الممر الداخلي وهو بيعدل كرافتته بعصبية ووشه محتقن من الغضب مش من الفزع، لأنه لسه مش مستوعب الكارثة إيه المسخرة دي؟! إنت مين يا بني آدم إنت عشان تقتحم بيتي كده؟! إنت متعرفش أنا مين؟
! أنا هوديك ورا الشمس، ورئيس مجلس إدارة شركتي زمانه على وصول، هخلي وزيركم يطيركم النهاردة!والبنت الجديدة، كاريمان، كانت واقفة ورا سهير، ساندة على بار الصالون وبتصرخ صريخ هستيري وهي ماسكة فستانها القصير وخايفة، وبتزعق يا مدحت اتصرف! إيه الأشكال دي؟! مين دول؟! كلم وزير الداخلية فوراً!في اللحظة دي، الكل تراجع خطوتين لورا، عناصر القوة نفسهم وسعوا طريق ممر الصالون، وضربوا تعظيم سلام عسكري بإيقاع واحد هز الصالة تمام يا فندم!خطيت أول خطوة جوه الصالون. صوت كعبي على الرخام كان هو الصوت الوحيد اللي بيتردد في المكان.
البالطو الصوف الأسود، وشار النسر الفضي بيلمع تحت نجفة الكريستال الضخمة، وعيوني مركزة على مدحت ببرود أشد قسوة من كل عذاب شافه في حياته. مدحت بص عليا وتنح. عنيه وسعت، وفمه فضل مفتوح كأنه بلع لسانه. فضل يرجع بضهره خطوة ورا التانية لحد ما خبط في طربيزة الصالون إل.. إلهام؟! إنتي؟! الست العجوزة بتاعة الشاهين؟! إيه اللي إنتي لابساه ده؟! إيه التهريج ده؟!سهير شهقت بصوت مكتوم وحطت إيدها على صدرها إلهام؟! الشحاتة اللي بنتها بتاخد مننا الإحسان؟! إنتي جايبة شوية بلطجية ولابسين ميري عشان ترهبينا في بيتنا؟
! والله لأحبسك وأرميكي في سجن النسا مع بنتك المجنونة!قربت من سهير لحد ما بقى بيني وبينها شبر واحد. مسكت فكها بإيدي الشمال وضغطت عليه بكل قوتي اللي احتفظت بيها من تدريبات الصاعقة والقتال المتلاحم، لدرجة إن عيونها دمعت وبدأت تتأوه من الألم. بصيت في عينيها وهمست بصوت واطي لكنه يسمّع الصالة كلها صوتك لو عليّ تاني في وجودي، هعتبره مقاومة سلطات وتعدي على ضابط أثناء تأدية وظيفته.
. ومش هكتفي بالقانون معاكي. السجادة العجمي اللي كنتي بتقولي لبنتي تدفع ربع مليون تمنها؟ أنا هخليكي تدفعي تمن كل دمعة نزلت من عين مريم من دمك وحريتك رميت وشها بعيد باحتقار، وبصيت لتامر يا تامر تمام يا سيادة اللواء!فريق الأدلة الجنائية يدخل فوراً. ركن السفرة، المطبخ، الحمام الرئيسي، وممر أوضة النوم. رشوا مادة ال Luminol في كل حتة، وخدوا عينات ال DNA من على الحيطان والفرش.
مدحت صوته اتخنق وبدأ يعرق بغزارة والبدلة اتملت عرق من عند الرقبة أدلة إيه؟! مفيش حاجة هنا! البيت نضيف وإحنا معملناش حاجة! مريم مشيت الصبح بمزاجها وسرقت فلوس كمان، وعندي شهود على كده!ابتسمت بسخرية نضيف؟ إنت فاكر يا جاهل إن شوية مية وكلور يمسحوا دم اتنثر على ألياف الخشب والرخام؟ إنت بتكلم لواء في المباحث الجنائية، قضيت تلاتين سنة من عمري بكشف جرائم أعتى المجرمين اللي قرايبك ميعرفوش حتى يتخيلوا ذكائهم، فاكر لعبة العيال اللي عملتوها دي هتدخل عليا؟
في اللحظة دي، دخل خبراء الأدلة الجنائية لابسين البدل البيضاء والكمامات ونظارات الوقاية الخاصة، ومعاهم بخاخات ال Luminol ومصابيح الأشعة فوق البنفسجية. طفوا أنوار الصالون فجأة..وفي ثوانٍ، الظلام ساد الصالة، لكن اللي ظهر بعدها خلى مدحت يركع على ركبه من الرعب. الصالون كله بدأ ينور بنور أزرق فسفوري ساطع ومرعب!بقع زرقا مشعة مالية زاوية الحيطة، مسارات سحب ممسوحة على الرخام مكان ما جروا مريم وهي فاقدة الوعي، وطبعات أقدام ملوثة بدم خفي مرسومة على الأرضية لحد باب الجراج!خبير الأدلة الجنائية رفع راسه وقال بصوت مسموع تمام يا فندم.
. فيه محاولة طمس مسرح جريمة واضحة جداً بمواد كيميائية، وتناثر الدماء على الحائط يشير إلى ارتطام رأس الضحية بجسم صلب أو الحائط مباشرة وبقوة عنيفة، مع وجود آثار سحل على الأرض باتجاه باب الخروج كاريمان أول ما شافت النور الأزرق ده صرخت ووقعت على الأرض وهي بتبكي بهستيريا أنا مليش دعوة! أنا لسه واصلة من نص ساعة!
هما اللي قالولي إنها غارت عند أهلها والبيت بقى فاضي! أنا ملمستش حد!اخرسي يا بت إنتي! سهير صرخت فيها برعشة مفضوحة، والتفتت ليا وهي بتتلوى إلهام.. إحنا نسايب، عيب الفضايح دي قدام الناس والبوليس! اللي حصل سوء تفاهم، مريم بنتك كانت بتكسر في البيت ومدحت كان بيهديها بس.. إحنا نديكي اللي إنتي عايزاه! خمسة مليون جنيه وناخد الموضوع حبي وتكتبي تنازل!قربت من مدحت اللي كان وشه في الأرض، ونزلت لمستواه، ورفعت دراعه اليمين فجأة، وشددت كم قميصه لفوق.
. ظهرت على دراعه وكتفه خدوش عميقة واضحة، بعضها لسه بينز دم ناشف ومحفور بضوافر. بصيت له وقلت بهدوء يقطع العروق الخدوش دي اتطابقت مع الأنسجة والجلد اللي استخرجناه من تحت ضوافر مريم في مستشفى الشرطة قبل نص ساعة. ال DNA بتاعك يا مدحت مربوط بجريمة شروع في قتل، واحتجاز بدون وجه حق، وتعذيب بدني، وإلقاء مجني عليها في حالة عجز كامل في طريق عام بغرض الوفاة.
مدحت انهار وبدأ يبكي زي الطفل أمي هي اللي قالتلي! والله أمي اللي قالتلي لو مريم فضلت هنا هتبوظ صفقة حياتي والعزومة اللي مستنيها مع الباشا الكبير! قالتلي نرميها في رمسيس عشان محدش يعرف هي مين ونقول تاهت!يا واطي يا خسيس بتبيع أمك؟! سهير هجمت عليه، لكن عساكر الشرطة كلبشوا إيدين مدحت في ضهره في لحظة، وعسكري تاني قفل الكلبشات الحديد على معصمين سهير اللي فضلت تصرخ وتسب زي المجنونة.
وفي وسط الهرج والمرج ده، وقفت برة الفيلا تلات عربيات سوداء فارهة جداً، ونزل منها حرس ورجال أعمال، وفي مقدمتهم الراجل اللي مدحت كان مستنيه ومرعوب منه المهندس فريد الشناوي، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة وواحد من أكبر رجال
متابعة القراءة