٤ الفجر انجى الخطيب

لمحة نيوز

متتكلمش خالص لو فلتت من البرد!
والسم هيبدأ يهاجم الكبد والقلب بعد ست ساعات بالظبط من أخد الجرعة.. يعني فاضل أقل من نص ساعة!الدم غلى في راسي لدرجة حسيت إن شراييني هتنفجر. الساعة في تابلوه العربية كانت بتشير ل 735 صباحاً.. الجرعة خدوها الساعة 200 بالليل يعني الوقت بيموت!الفرقة كلها ورايا على مستشفى الشرطة بالعجوزة! زعقت في الجهاز اللاسلكي اللي في إيدي ودوست بنزين الشاهين لآخره. صوت الموتور القديم صرخ في شوارع التجمع الخامس، لكن عربيتي الشاهين ما كانتش كافية لسباق الموت ده. فجأة وقفت عربية جيب شيروكي مصفحة تابعة للأمن العام جنبي، الضابط تامر نزل ونادى اركبي يا فندم فوراً!
السارينة هتفتح الطريق ومفيش إشارة هتقف في وشنا!ركبت في ثواني، وانطلقت العربية بسرعة جنونية والسارينات بتزلزل شوارع القاهرة والمحاور كلها بتتقفل لصالحنا بإشارات لاسلكية مباشرة من مديرية الأمن، وراها موكب موتوسيكلات حراسة فتح الطريق على الدائري. مسكت التليفون وطلبت الدكتور هشام، مدير مجمع مستشفيات الشرطة هشام.. افتح بنك السموم فوراً، هات استشاريين السموم والجهاز الهضمي لغرفة العناية المركزة الخاصة بمريم. البنت اتسممت بمادة مجهولة مخلوطة بمخدر، اعصروا كل قطرة دم وحللوا البلازما دلوقتي، الترياق لازم يدخل جسمها قبل الساعة تمانية الصبح وإلا هتروح مني!
كل الأجهزة والأطقم الطبية مستنياكي في باب الطوارئ يا إلهام هانم، مفيش ثانية هتضيع!الساعة 752.. دخلت العربية المصفحة ساحة مستشفى الشرطة في العجوزة برعشة فرامل صمت الآذان. نزلت والبالطو بيطير ورايا، وطلعت السلالم في خطوتين، ورايا فرقة كاملة. في ممر العناية المركزة، شفت المنظر اللي خلع قلبي.. أجهزة قياس نبضات القلب بتصفر بصوت عالي متصل ومفزع، مؤشر الضغط بينزل بسرعة جنونية، وأربعة أطباء بيجروا حوالين سرير مريم اللي كانت بتتنفض بعنف، وشفايفها زرقا زي النيل في عز الشتا، وعرق بارد مالي جبينها.
الحقنة المضادة جاهزة يا دكتور! الدكتور هشام زعق وهو بيغرس حقنة ضخمة في الكانيولا المركزية لمريم، وممرضة تانية بتركب جهاز غسيل الدم الفوري. وقفت ورا لوح الزجاج العازل، إيدي على القزاز وعيني مثبتة على بنتي الوحيدة. في اللحظة دي، شفت شريط حياتي كله بيعدي.. سنين خدمتي، الليالي اللي سبتها فيها عشان أحمي بلد كاملة، ونسيت أحميها من ذئاب دخلوا بيتي بهيئة بنى آدمين. قلت بهمس محفور بالوجع والقوة قاومي يا مريم.
. متسيبنيش.. وحقك هيتداس بيه على رقابهم كلهم، قاومي عشان خاطر أمك الساعة 802.. فجأة، صوت الصفارة المتقطعة هدِي. جهاز القلب بدأ يرسم خطوط نبض منتظمة من تاني، مؤشر الأكسجين بدأ يرفع من 65 ل 85.. 92..الدكتور هشام شال الكمامة وخرج، عيونه مجهدة بس ملامحه ارتاحت وقال وهو بينهج عدينا مرحلة الخطر يا فندم. غسلنا المعدة وحقنا الترياق في آخر دقيقتين. السم اتعطل، وبنتك بطلة وبتقاوم.. هتفوق بعد ساعتين بالكتير أخدت نفسي اللي كان محبوس بقاله تلات ساعات، وهزيت راسي بشكر صامت للرب وللفريق. وفي نفس اللحظة، رن تليفوني التاني، كان صوت اللواء طارق، مدير الأمن سيادة اللواء إلهام.
. وكيل النيابة خلص التحقيق المبدئي مع مدحت وسهير في النيابة الكلية. بس فيه مصيبة جديدة كشفتها تحريات مباحث الأموال العامة اللي حضرتك طلبتيها على حسابات مدحت وأمه لقيتوا إيه يا طارق؟لقينا إن مدحت وسهير مش بس كانوا بيخططوا للتخلص من مريم عشان الجوازة الجديدة.. مريم كانت ماضية لمدحت على توكيل إدارة عام بحسن نية بصفتها مهندسة استشارية، واستغل التوكيل ده وسحب كل مدخراتها، وكمان كتب باسمه قطعة أرض ومخزن باسم مريم ورثتها عن والدها الله يرحمه في المنطقة الصناعية في بدر، وباعهم بعقود مزورة لشبكة تهريب دولية بيغسلوا فيها فلوس مشبوهة، وكانوا ناويين يلبسوا القضية كلها لمريم بعد ما تموت، وتتقيد إنها هربانة بالفلوس!
عيني لمعت بشرارة الانتقام القانوني الساحق. بصيت لساعتي ولقيت فريد الشناوي داخل ممر المستشفى، ومعاه المحامي العام لشركاته وورق في إيده سيادة اللواء، الملفات الهندسية بالكامل اتحرزت، وتصميمات مريم تم توثيقها في الشهر العقاري ووزارة الإسكان باسمها الرسمي كمالك وحيد، وقرار بالتعويض بمبلغ 30 مليون جنيه لصالحها ضد مدحت وشريكته أمه صدر دلوقتي كحجز تحفظي على كل ممتلكاتهم.
التفتت لتامر واللواء طارق على التليفون، وبصوت هز حيطان المستشفى أنا مش عايزاهم ياخدوا سجن عادي.. افتحوا ملفات تزوير العقود، وغسيل الأموال، والشروع في القتل بالسم مع سبق الإصرار والترصد، والخيانة العظمى للأمانة. سهير ومدحت لازم يقفوا في قفص المحكمة قدام الشعب كله، والنهاردة هتصدر قرارات الحجز على كل مليم وكل عقار يملكوه، ويبقوا مدانين تحت الصفر ومفيش محامي في مصر يقدر يرفع عينه في قضيتهم.
ثم بصيت لفريد وقلت له هاتلي كرسى هنا قدام أوضة مريم.. مش هتحرك من هنا غير لما تفتح عينيها، وتشوف بعينها إزاي أمها سحقت اللي افتكروا إنها مالهاش ضهر الساعة دقت 1130 الصبح..الهدوء خيّم على ممر العناية المركزة، وفجأة اتحركت أصابع مريم الضعيفة فوق الملاءة البيضاء. شفايفها بدأت تفارق بعضها، وعينيها فتحت ببطء وسط غشاوة النور. أول حاجة شافتها كانت أنا؛ قاعدة جنبها على الكرسي، ماسكة إيدها بحنان أم، وبكتفي شارة النسر الفضي بتلمع بثبات. همست بصوت باهت مليان دموع أمي.. أنا فين؟ هما.. هما قالوا إنك مش هتقدري تحميني..
ملت عليها، بوست جبينها ولمست شعرها بمنتهى الرقة اللي خبيتها عن الدنيا كلها نامي وارتاحي يا قلب أمك.. الكابوس انتهى. والمسوخ اللي اتجرأوا يمسوا شعرة منك خلاص.. ادفنوا في حفرة مش هيخرجوا منها طول عمرهم مريم دموعها نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع خوف، كانت دموع سكينة؛ حست لأول مرة من سنين بالأمان اللي اتحرمت منه.
بعد شهرين بالتمام والكمال..قاعة محكمة جنايات القاهرة بالتجمع الخامس كانت مليانة على آخرها؛ صحفيين، قنوات إخبارية، ورجال أعمال، وجمهور غفير جاي يشهد نهاية القضية اللي هزت الرأي العام وعُرفت ب قضية الذئاب البشرية داخل قفص الاتهام الحديدي، كان المشهد كفيل يشفي كل وجع. مدحت كان واقف لابس البدلة البيضاء بتاعة الحبس الاحتياطي، جسمه خاسس للنصف، شعره منكوش، وشه شاحب وعيونه زائغة في الأرض من قمة الذل والمهانة.
وجنبه سهير، مكسورة وضهرها منحني، لابسة عباية السجن الخشنة بدل الحرير والعجمي، بتترعش ومش قادرة حتى ترفع عينها في وش الكاميرات، بعد ما اتمسح كل أثر للغرور والتعالي اللي كانوا عايشين فيه. وعلى الجانب التاني، كنت قاعدة في الصف الأول بكامل هيبتي وزيي الرسمي مع وسام الجمهورية، وجنبي مريم.. مريم اللي وقفت على رجليها أقوى من الأول، رافعة راسها، لابسة بدلة أنيقة وجمالها وثقتها بنفسها بينوروا القاعة، وجنبنا المهندس فريد الشناوي وفريق الدفاع القانوني.
صوت الحاجب رج القاعة محكمة!وقف الجميع في صمت تام، واعتلى رئيس المحكمة المنصة، وبدأ يتلو الحيثيات بصوت جهوري يرن زي الرعدبعد الاطلاع على مواد قانون العقوبات، وبناءً على ما ثبت بأدلة قاطعة لا تقبل الشك؛ من تقارير الأدلة الجنائية، والتحاليل المعملية للسموم، وفحص البصمة الوراثية تحت أظافر المجني عليها، وتسجيلات كاميرات المراقبة الموثقة لسحل المجني عليها وإلقائها عاجزة للموت
في الصقيع، وثبوت جناية الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد المقترن بجنايات التزوير في محررات رسمية، وخيانة الأمانة، وسرقة الأموال، وغسيل الأموال.
.سكت القاضي لثوانٍ، القلوب كلها كانت بتدق، وسهير بدأت تتلوى في القفص وهي بتسند على الحديد وبتهمس برعب يا رب.. يا رب لا..ضرب القاضي بالمطرقة ضربة هزت أركان القفص ونطق بالحكمحكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراءأولاً بمعاقبة المتهم مدحت عبد القادر بالأشغال الشاقة المؤبدة لمدة خمسة وعشرين عاماً عما نُسب إليه. ثانياً بمعاقبة المتهمة سهير محمود بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً. ثالثاً مصادرة كافة الأموال والممتلكات والعقارات المسجلة بأسمائهما والمتحصلة من جرائم التزوير وغسيل الأموال، وإلزامهما متضامنين بدفع تعويض مدني مؤقت قدره ثلاثون مليون جنيه للمجني عليها المهندسة مريم أحمد، مع إلزامهما بالمصاريف الجنائية!
يحيى العدل! القاعة كلها انفجرت بالهتاف والتصفيق. سهير صرخت صرخة مكتومة ووقعت على أرضية القفص مغمى عليها، ومدحت انهار في نوبة بكاء هستيري وهو ماسك في قضبان الحديد وبيصرخ ارحموني! خمسة وعشرين سنة؟! حياتي ضاعت! مريم.. سامحيني يا مريم!لكن مريم ما التفتتش ليه أصلاً، ولا رمشت لها عين. مسكت إيدي وبصتلي بابتسامة نصر وفخر يلا نمشي يا سيادة اللواء؟
ابتسمت لها وقلت يلا يا باشمهندسة.. مستقبلك مستنيكي خرجنا من باب المحكمة، وفلاشات الكاميرات كانت بتلاحقنا من كل اتجاه. قدام السلالم، كان فريد الشناوي واقف ومعه درع تكريم ومجموعة عقود باشمهندسة مريم.. بقرار رسمي من مجلس الإدارة، حضرتك اتعينتي شريكاً ورئيساً لقطاع التصميمات الهندسية الكبرى في المجموعة، والبرج الأيقوني الجديد في العاصمة الإدارية هيتسجل ويتنفذ رسمياً باسمك وبتصميمك الأصلي.
شكرته مريم بتواضع الكبار، ونزلنا درجات المحكمة بهدوء. وصلنا لعربيتي الشاهين القديمة اللي كانت مركونة في أول الشارع. فتحت لها الباب وركبت جنبي، وبصينا لبعض وضحكنا؛ العربية دي اللي استهزأوا بيها وبساطتها، كانت هي الإعصار اللي اقتلعهم من جذورهم. دورت الموتور، ورفعت راسي للسما والشمس دافية بتغمرنا. كانوا فاكرين إن الضعف في السكوت، وفاكرين إن المال يعمي العدالة، وفاكرين إن البنت الهادية مالهاش ضهر.. ونسيوا إن فيه أمهات، لو فكرت تلمس ضناهم، بيتحولوا لجمر ونار يحرقوا دنياك بقوة القانون وهيبة الحق. انطلقت بالعربية في شوارع القاهرة، وإيد مريم في إيدي.. صفحة القهر اتقفلت للأبد، وحكاية النصر ابتدت.

تم نسخ الرابط