بويضه امانى السيد
فعلًا؟
هز راسه
أيوه.
في الجلسة التالية، اتعرضت التقارير والمستندات، واتكشفت قدام المحكمة الصورة الكاملة.
عملية سحب البويضات تمت باسمي.
الأجنة تم تكوينها من البويضات الخاصة بي.
ثم تم نقل الأجنة إلى رحم زوجة منير الأولى، بينما هو أخفى عني الحقيقة وأوهمني إن النقل تم لي أنا.
ومع ظهور نتيجة التحليل، ما بقاش الموضوع مجرد شك أو حكاية بيني وبينه.
بقى فيه دليل.
منير حضر إحدى الجلسات، وكان أول مرة أشوفه من وقت ما طلقني.
بص لي، لكن ما قالش حاجة.
وأنا كمان ما قلتش له حاجة.
كنت لأول مرة مش محتاجة أصرخ فيه ولا أعاتبه.
الحقيقة كانت واقفة بيننا أقوى من أي كلام.
مرت الجلسات، لحد ما صدر الحكم.
كسبت القضية.
صدر الحكم بإثبات حقي في الطفل وفق ما ثبت للمحكمة من مستندات وتقارير وتحليل البصمة الوراثية، واتخذت الإجراءات اللازمة لتنفيذ ما قضت به المحكمة.
خرجت من قاعة المحكمة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
المحامي ابتسم وقال
مبروك.
بصيت له ودموعي نزلت
أنا مش مصدقة.
الحقيقة ساعات بتتأخر لكنها لما تظهر بتقلب كل حاجة.
ركبت عربيتي، وفضلت ساكتة طول الطريق.
كنت رايحة أشوف ابني.
ابني اللي كنت فاكرة إني فقدته قبل ما أعرف حتى إنه موجود.
وفي اللحظة دي، افتكرت كل اللي عملته في بداية الحكاية.
افتكرت الست اللي كنت ببعت لها الصور عشان أوجعها.
افتكرت فرحتي وأنا بتخيلها مكسورة.
افتكرت إزاي كنت داخلة الجواز وأنا شايفة نفسي أذكى منها.
وبعدين افتكرت منير الرجل اللي خدعني.
والحقيقة اللي قلبت حياته وحياتي وحياة طفل مالوش ذنب في أي حاجة.
ساعتها فهمت إن القضية دي ما كانتش بس قضية طفل كانت قضية درس كامل في حياتي.
أنا خسرت منيرلكن كسبت ابني. ونفسى
والأهم من ده كله، إني خرجت من التجربة وأنا عارفة إن الإنسان مهما كان شاطر في اللعب بالناس، لازم يفتكر إن الدنيا مش ملعبه لوحده.
لأن في يوم.. ممكن اللعبة تنقلب عليه.
والصياد نفسه
يقع في الشبكة اللي كان فاكر إنه هو اللي حطها.
خرجت من المحكمة وأنا ماسكة الحكم في إيدي، لكن المرة دي ما كنتش بفكر في منير ولا في مراته.
كنت بفكر في ابني.
ابني اللي لسه رضيع، واللي ما يعرفش أي حاجة عن الحرب اللي قامت عشانه، ولا يعرف أنا مين، ولا يعرف الست اللي كانت شايلة الحكم في إيدها دي كانت بتجري ورا حقها.
بالنسبة له، أنا مجرد ست غريبة هيشوفها لأول مرة.
لما وصلت للمكان اللي كان موجود فيه، قلبي كان هيخرج من صدري.
دخلت وأنا متوترة، ولأول مرة شوفته قدامي.
كان صغير جدًا، نايم بهدوء، وإيده الصغيرة مقفولة جنب وشه.
وقفت مكاني ومقدرتش أتحرك.
كل اللي قدرت أقوله وأنا بعيط
ده ابني
قربت منه ببطء، ومديت إيدي ولمست خده.
فتح عينيه لحظة، وبص لي من غير ما يعرفني.
انفجرت في البكاء.
كنت مستنية اللحظة دي من شهور، لكن ما تخيلتش إنها هتوجعني بالشكل ده.
شيلته بين إيديا، وضميته لصدري، وفضلت أعيط من غير صوت ما كانش يعرف إني أمه.
ما كانش يعرف إن الست اللي شايلته دلوقتي كانت بتدور عليه وهي مش عارفة حتى هو فين.
ولا كان يعرف إن فيه واحدة تانية هتدخل حياتي وتشاركني تربيته.
هو كان يعرف حاجة واحدة بس
إنه محتاج حضن.
ولأول مرة في حياتي، حسيت إن كل خططي وذكائي وحساباتي مالهاش أي قيمة.
أنا ما كنتش محتاجة أكسب منير.
ولا كنت محتاجة أنتصر على مراته.
أنا كنت محتاجة أحضن ابني.
وبصيت له وقلت بصوت مرتعش
أنا مش هحكيلك دلوقتي أي حاجة إنت لسه صغير. لما تكبر وتفهم، هتعرف كل حاجة بنفسك.
وضميته أكتر.
دلوقتي بس خليني أكون أمك.
منير في البداية كان رافض تمامًا إنه يسلمني ابني.
كان شايف إن الطفل عاش طول الفترة اللي فاتت معاه ومع مراته، وإن انتزاعه منهم هيكون قاسي عليه، وحاول بكل الطرق يخليني أتنازل.
لكن أنا كنت خلاص وصلت لآخر الطريق.
رفعت قضية حضانة، وقدمت كل المستندات والأحكام اللي تثبت حقي، وفي النهاية صدر الحكم لصالحي.
وبقى ابني معايا.
أول أيامه في بيتي كانت غريبة.
كنت بصحى بالليل على صوته، أشيله وأمشي بيه في البيت، وأفضل أبص لوشه وأنا مش مصدقة إن الطفل اللي كنت فاكرة إني فقدته قبل ما أعرفه بقى نايم في حضني.
منير حاول كتير يرجعني.
مرة يقول لي
نرجع لبعض ونربي ابننا سوا.
ومرة يقول
حتى لو مش عايزة ترجعي، خليني أخده يعيش معايا لكن كنت برفض.
مش انتقامًا منه.
أنا بس ما كنتش قادرة أرجع لنفس الحياة.
كنت عارفة إن الرجوع لمنير معناه إني هرجع لنفس الدائرة اللي خرجت منها بالعافية.
لكن في نفس الوقت، عمري ما حرمت ابني من أبوه.
كنت بخليه يشوفه في مواعيد الرؤية، وألتزم بكل حاجة تخص الطفل. مكنتش محتاجه ارفع قضيه نفقه لان منير مكنش بيقصر مع ابنه فى حاجه لانه كان متعلق بيه
كنت بقول لنفسي
أنا ممكن أكون زعلانة من منير، لكن ابني مالوش ذنب.
ومرت الأيام.
وسط كل ده، لقيت أهلي واقفين جنبي.
أمي وأخواتي ومرات إخواتي، كلهم كانوا بيهونوا عليّ، يساعدوني مع ابني، يقفوا جنبي لما أتعب، ويشيلوا عني حاجات كتير.
وفي وسط الأزمة دي، اكتشفت حاجة عمري ما كنت شايفاها.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن ذكائي هو اللي مخليني أقدر أعيش.
كنت أعرف أتكلم، وأقنع، وأطلب، وألف وأدور، وأخلي اللي قدامي يعمل اللي أنا عايزاه.
وكنت حتى بستغل مراتات إخواتي وأخواتي نفسهم عشان أخد منهم اللي أقدر عليه.
لكن لما وقعت
لقيتهم هما أول ناس وقفوا جنبي.
ولا واحدة فيهم قالت لي
إحنا مش هنساعدك عشان إنتِ طول عمرك استغليتينا.
بالعكس كانوا جنبي وساعتها عرفت إني كنت غلط.
مش بس غلطانة في منير ومراته.
كنت غلطانة في نفسي، وفي الناس اللي حواليا، وفي الطريقة اللي كنت عايشة بيها.
كنت فاكرة إن القوة معناها أعرف آخد.
لكن اكتشفت إن القوة الحقيقية إنك تعرف تدي.
ومن يومها، قررت أوجه كل الذكاء اللي كنت بستخدمه في اللعب بالناس ناحية حاجة واحدة
ابني.
بقيت أذاكر له، وأتابع كل خطوة في حياته، وأهتم بتربيته، وأعلمه من بدري إن محدش أقوى من حد لمجرد إنه أذكى منه.
كنت عايزاه يكبر وهو فاهم إن الناس مش أدوات نستخدمها عشان نوصل لحاجاتنا.
وإن اللي يكسب على حساب وجع غيره، مش بالضرورة يكون كسبان.
أما أنا
ففضلت كل ما أفتكر بداية الحكاية أضحك بحسرة.
كنت داخلة حياة منير وأنا بقول لنفسي
أنا أذكى منها.
وبعد سنين من اللي حصل، فهمت إن الجملة دي كانت أول غلطة ارتكبتها.
لأن الإنسان مهما كان ذكي
دائمًا فيه أذكى منه.
لكن الأهم من كده إن الذكاء لو اتوجه في الطريق الغلط، ممكن يبقى سبب سقوط صاحبه.
وأنا وقعت فعلًا.
لكن ربنا اداني فرصة أقوم.
ولأول مرة في حياتي
ما بقيتش عايزة أبقى أذكى واحدة.
بقيت عايزة أبقى أم كويسة.
وده كان أول انتصار حقيقي أكسبه في حياتي.