يوم ماكملت ٢٣ سنه محمد نور
يوم ما كملت ٣٢ سنة، جوزي اعترف قدام أبويا إنه ضړبني، وقالها وهو بيضحك، كأن الكدمات اللي مالية وشي دي نكتة بمناسبة عيد ميلادي! لكن أول ما شفت أبويا بيخلع ساعته وبيشمّر قميصه، فهمت إن الصبح ده مش هينتهي بالطريقة اللي جوزي أحمد كان متوقعها أبدًا.
أبويا، الحاج محمود، كان جاي بيتنا في مصر الجديدة، وشايل علبة تورتة بيضا مربوطة بشريط أحمر. جابلي تورتة بالفراولة من مخبز صغير قريب من شارعنا، نفس المكان اللي كان بيشتريلي منه التورتة من وأنا طفلة. كان دايمًا يقول إن عيد ميلاد بنته ما ينفعش يبدأ من غير حاجة حلوة.
لكن أول ما دخل المطبخ، ابتسامته اختفت تمامًا.
بصلي پصدمة وقال
فرح، يا حبيبتي... مين عمل فيكي كده؟!
خدي الشمال كانت وارمة، وعظمة خدي مزرقة، وفي علامة غامقة جنب فكي. كنت حاطة كذا طبقة من كريم إخفاء العيوب، لكن ولا واحدة فيهم قدرت تخبي اللي حصل. كنت ماسكة شوية أطباق ورق بإيدي، وضغطت عليها من شدة التوتر لدرجة إنها اتنت واتبهدلت.
على الترابيزة كانت فيه مناديل وردية، وفازة فيها ورد بلدي دبلان، وتلات بالونات كنت نافخاهم بنفسي قبل الفطار. ماكينة القهوة لسه شغالة وبتطلع صوتها المعتاد، وبره كان فيه جارنا بيقص الزرع قدام بيته.
كل حاجة كانت بتقول إن ده صباح عادي جدًا، ما عدا وشي اللي كان بيفضح كل حاجة.
أحمد كان قاعد على الكرسي، لابس بلوفر رمادي، وقدامه فنجان قهوة، وعلى وشه نفس نظرة الغرور والتعالي اللي بقت ملازماه في الفترة الأخيرة.
وبجانبه كانت قاعدة حماتي، أم أحمد. هي بنفسها شافت اللي حصل ليلة امبارح، لكن من ساعة ما صحينا وهي مشغولة بترتيب فطيرة جاهزة جابتها من السوبر ماركت، وبتتجنب حتى إنها تبص ناحيتي.
فتحت بقي عشان أخترع أي حكاية تبرر اللي في وشي.
كنت بقالي ساعات بتدرب قدام المراية على كذا كڈبة أقول إني اتزحلقت، أو خبطت في طرف قطعة أثاث، أو إن اللي حصل كان مجرد حاډثة.
لكن ما لحقتش أكذب.
أحمد قال وهو بيضحك ضحكة مستفزة
أنا اللي عملت كده! بدل ما أقولها كل سنة وإنتِ طيبة، اديتها بالقلم!
أبويا حط علبة التورتة على رخامة المطبخ.
أحمد حتى ما نزلش عينه من عليه! بالعكس، عدّل قعدته على الكرسي، وكأنه لسه قايل نكتة عبقرية والناس المفروض تضحك عليها.
حماتي طلعت منها ضحكة متوترة، لكنها سكتت بسرعة.
وقالت له بصوت واطي
أحمد، والنبي بلاش الكلام ده!
رد عليها ببرود
مالك؟! فرح عارفة كويس أوي أنا عملت كده ليه!
حسيت إن عيني بتلسعني، والدموع بتتجمع فيها. مش بس من الإحراج عشان أبويا شافني بالحالة دي، لكن كمان لأن جوزي اعترف بكل بساطة إنه ضړبني، من غير ذرة ندم واحدة.
طول تلات سنين، كنت بتعلم إزاي أفهم سكوته، وأميّز خطواته من صوتها، وأختار كلامي بعناية قبل ما أنطق بأي كلمة قدامه.
واتعلمت كمان إزاي أبرر تصرفاته للناس، وأدافع عنه حتى لما يكون هو الغلطان.
عمري ما تخيلت إنه في يوم من الأيام هيعترف بالحقيقة بالسهولة دي، وكأنه ما عملش أي حاجة غلط!
أبويا ما عليش صوته، ولا شتم، ولا دخل في جدال معاه.
فضل باصص لأحمد كام ثانية، وبعدها خلع ساعته الفضي القديمة، اللي كان دايمًا بيلبسها وهو بيصلح مواتير العربيات في ورشته. كانت ساعة بسير جلد بني، ودي من الحاجات اللي عمره ما كان بيستغنى عنها.
حطها بهدوء جنب علبة التورتة.
وبعدها بدأ يشمّر كمّ قميصه الأزرق.
لفة...
وبعدها لفة تانية.
حماتي اتدخلت بسرعة وهي بتقول
يا حاج محمود، إحنا مش
عايزين نعمل ڤضيحة! دي مشاكل بين اتنين متجوزين، وبتحصل في أي بيت!
أبويا حتى ما بصّش ناحيتها.
فضل مركز عينه على أحمد، وبعدها قال لي بصوت هادي، لكن هدوءه نفسه كان مخوفني
يا فرح، اخرجي الحوش واقفلي الباب وراكي.
فضلت واقفة مكاني، مش قادرة أتحرك.
رغم إن أبويا كان واقف قدامي، جزء جوايا لسه متعود يستنى موافقة أحمد قبل ما يعمل أي حاجة، حتى لو كانت مجرد خطوة من مكاني!
أبويا نده عليّا مرة تانية، لكن المرة دي صوته كان أحن، وفيه طمأنينة افتقدتها من سنين.
فرح يا بنتي، يلا...
ساعتها بس قدرت أتحرك.
حطيت الأطباق على الرخامة، ومشيت حافية لحد باب الحوش اللي ورا البيت.
أول ما خرجت، حسيت ببرودة الأرض تحت رجلي. وقفت عند الباب، ومن خلال الشباك اللي فوق حوض المطبخ، كنت شايفة كل اللي بيحصل جوه.
جارتنا أم عمرو كانت بتسقي الزرع عندها في الناحية التانية من السور، ومش واخدة بالها من أي حاجة بتحصل في بيتنا.
وفجأة، أحمد قام من مكانه پعنف، لدرجة إن الكرسي اتحرك على الأرض وطلع صوت احتكاك مزعج.
حماتي قامت هي كمان، والمنديل اللي كان على رجليها وقع جنب جزمتها.
أما أبويا، فبدأ يقرب من أحمد بخطوات بطيئة وثابتة، من غير ما يشيل عينه من عليه لحظة واحدة.
ابتسامة أحمد اختفت.
رجع لورا نص خطوة، وقبض على نفس إيده اللي ضړبني بيها ليلة امبارح.
وفي اللحظة دي، شفت أبويا وقف قدامه مباشرة، وأحمد رفع قبضته في وشه...
لكن اللي حصل بعدها كان آخر حاجة أحمد ممكن يتخيلها في عيد ميلاد مراته!
الجزء الثاني
لثانية واحدة، افتكرت إني هشهد خناقة جديدة، وإن أبويا ممكن يضرب أحمد زي ما أحمد ضړبني. حاولت أفتح الباب وأطلب منهم يوقفوا، لكن جسمي ما استجابش. كنت بقالي وقت طويل بحاول أتجنب ڠضب أحمد، لدرجة إني حتى وأنا واقفة في الحوش، كنت حاسة إني مسؤولة عن أي مصېبة ممكن تحصل.
لكن أبويا ما رفعش إيده عشان يضربه.
قاله بصوت ثابت
نزّل إيدك!
ما صرخش، لكن نبرة صوته كانت حازمة لدرجة إن أحمد اتلخبط. بص ناحية أمه بسرعة، كأنه مستني منها تسانده زي كل مرة، وبعدها ضحك ضحكة ناشفة وزق الكرسي، اللي خبط في الترابيزة.
قال بتحدٍّ
إنت كمان جاي تديلي أوامر في بيتي؟!
رد أبويا بهدوء
أنا ما جيتش أتشاكل معاك. أنا جيت آخد بنتي، وهي اللي هتقرر إذا كانت عايزة تفضل هنا ولا لأ.
أحمد رد بعصبية
فرح مراتي!
أبويا بص له في عينيه وقال
مراتك مش ملكك يا أحمد.
حماتي دخلت بينهم، وبقت واقفة في مكان أقدر أشوفها منه من خلال شباك المطبخ.
قالت وهي بتحاول تهدي الموقف
يا حاج محمود، والنبي اهدى. إنتوا مكبّرين الموضوع أوي! دي خناقة بين اتنين متجوزين، والجواز فيه أيام صعبة.
المرة دي، أبويا بص لها لأول مرة.
سألها مباشرة
حضرتك كنتِ موجودة هنا امبارح بالليل؟
حماتي فتحت بقها، لكنها ما ردتش.
أبويا كرر سؤاله
أنا سألتك سؤال واضح. كنتِ موجودة ولا لأ؟
قالت بتوتر
أنا مش عايزة أدخل نفسي في مشاكل بينهم.
أحمد استغل الفرصة، وقرب من الشباك وهو بيزعق
يا فرح! ادخلي جوه حالًا! كفاية فضايح بقى!
إيدي كانت على مقبض الباب. وبحكم العادة، كنت على وشك أنفذ كلامه من غير تفكير.
لكن في اللحظة دي، سمعت صوت حركة من الناحية التانية للسور.
كانت جارتنا أم عمرو، اللي كانت بتسقي الزرع، سابت الخرطوم على الأرض وبصت لي بقلق.
نادت عليّا
يا بنتي، إنتِ كويسة؟
حاولت أقول لها إني كويسة، لكن اللي خرج من بقي كان صوت
ضعيف وغريب. وفي النهاية، هزيت راسي بالنفي.
أم عمرو فتحت الباب الصغير اللي بيوصل للممر الجانبي، وقربت مني وهي شايلة