يوم ماكملت ٢٣ سنه محمد نور

لمحة نيوز

شال على دراعها.
ما سألتنيش أسئلة محرجة، ولا طلبت مني أشرح لها حاجة.
حطت الشال على كتافي، وفضلت واقفة جنبي، وعينيها على باب المطبخ.
بعد شوية، خرج أبويا من البيت.
كان لابس ساعته تاني، وشايل علبة التورتة البيضا على صدره. إيديه ما كانش عليها ډم، وقميصه ما كانش مقطوع، وما كانش على وشه تعبير الانتصار اللي كنت بشوفه كتير على وش أحمد بعد ما يكسب أي خناقة بينا.
كان باين عليه القلق، لكنه لسه هادي.
قرب مني وسألني
يا فرح، تحبي تيجي معايا؟
من ورا الباب، كان أحمد لسه بيزعق
لو مشيتِ، ما تجيش ټعيطي لي بعد كده! أنا مش هفضل مستحمل دلع حد!
ظهرت حماتي وراه، وقالت لي
يا فرح، فكري كويس. ما تضيعيش جوازك عشان حاجة ممكن تتحل بالكلام.
بصيت لها.
هي اللي سمعت عياطي ليلة امبارح، وشافت ابنها وهو ماسكني وبيضربني، وبعدها قضت الصبح كله بتحاول تتصرف كأن الكدمات اللي في وشي مش موجودة.
خدت نفس عميق وقلت
أنا همشي مع أبويا.
اتفاجئت من صوتي أنا شخصيًا.
أبويا فتح باب العربية من غير ما يستعجلني. أم عمرو ضغطت على كتفي برفق وقالت لي إني لو احتجت أي حاجة، أقدر أكلمها في أي وقت.
ركبت جنب أبويا، والشال لسه على كتافي.
في أول كام دقيقة، ما اتكلمناش.
البيوت اللي بنعدي عليها كانت مألوفة، والشجر اللي على الطريق هو نفسه اللي كنت بشوفه كل يوم، وعدينا على مكتبة كنت بشتري منها كروت أعياد الميلاد من سنين.
كنت ببص لكل حاجة كأنها تخص واحدة تانية، مش أنا.
وفجأة، اڼفجرت في العياط.
ما قدرتش أوقف دموعي.
قلت وسط شهقاتي
سامحني يا بابا... أنا ما كنتش عايزاك تشوفني بالشكل ده.
أبويا فضل مركز عينه على الطريق، وقال
إنتِ مالكيش عندي اعتذار يا بنتي.
سكت لحظة، وبعدها كمل
اللي واجع قلبي إني ما كنتش عارف اللي بيحصل معاكي.
افتكرت كل المرات اللي اعتذرت فيها عن الغدا معاه في آخر لحظة. والمكالمات اللي كنت بقفلها بسرعة عشان أحمد ما يسمعش كلامي. والصور اللي كنت ببتسم فيها بالعافية، بس عشان محدش يسألني إذا كنت كويسة ولا لأ.
قلت له بصوت مكسور
أنا خبيت عليك كل حاجة.
رد عليّا
كان ممكن تكوني خاېفة، وفي نفس الوقت تفضلي بنتي. الاتنين ينفع يكونوا موجودين مع بعض يا فرح.
الكلام ده خلاني أعيط أكتر.
بدأت أحكيله اللي حصل ليلة عيد ميلادي.
قلت له إن الخناقة بدأت لما طلبت من أحمد إني أعزم أبويا على الفطار بمناسبة عيد ميلادي. أحمد عمره ما كان بيحب إن أبويا يزورنا من غير ما يستأذنه الأول.
كان دايمًا يقول إن أهلي بيحكموا عليه، وإن أنا بتعمد أحرجه قدامهم، وإن مهما عمل، لازم ألاقي طريقة أخليه يظهر قدام الناس على إنه الغلطان.
حكيت له إني حاولت أنهي النقاش وأخرج من المطبخ.
لكن أحمد مسكني من دراعي.
ولما طلبت منه يسيبني، ضړبني بالقلم.
اتلخبطت وفقدت توازني، ووشي خبط في طرف دولاب المطبخ. حاولت أبعده عني، لكنه ضړبني مرة تانية.
حماتي كانت واقفة في الطرقة.
ما صرختش، وما قربتش تساعدني.
كل اللي قالته إنها طلبت مننا نوطي صوتنا عشان الجيران ما يسمعوش.
في الليلة دي، دخلت الحمام وقفلت الباب على نفسي. حطيت فوطة مبلولة على خدي، وفضلت مستنية الورم يخف.
أحمد خبط على الباب مرة واحدة، وقال لي أبطل تمثيل ودراما.
وبعدها راح نام.
تاني يوم الصبح، لما شاف البالونات اللي كنت شاريها، سألني إذا كنت فعلًا ناوية

أحتفل بعيد ميلادي بعد ما خليته يتعصب.
أبويا قبض على عجلة القيادة بقوة، لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضّت.
قال بحزم
مفيش أي حاجة عملتيها تدي له الحق إنه يعمل فيكي كده.
ما حاولش يدور على مبرر يبرّئ بيه أحمد، وما سألنيش ليه استحملت كل ده وسكتّ كل الفترة دي.
والحقيقة إني أنا نفسي كنت بسأل نفسي السؤال ده من سنين.
في بداية جوازنا، أحمد كان شخص مختلف.
كان يوصلني الشغل لما الدنيا تمطر، ويفتكر نوع القهوة اللي بحبه، ويتصل بيا وسط اليوم عشان يطمن عليّا.
كنت فاكرة إن الاهتمام ده معناه إني في أمان.
بعد كده، بدأ يتضايق لو اتأخرت في الرد على مكالماته. بقى يراجع أنا بتكلم مين، ويتدخل في الهدوم اللي بلبسها، ويقول لي إن صحابي بيحاولوا يبوظوا جوازنا ويملوا دماغي بأفكار ضده.
ولما كنت أعترض، كان يتهمني إني حساسة زيادة عن اللزوم.
وفي كل مرة كانت الخناقة بتنتهي باعتذاري أنا.
لو علي صوته، يبقى عشان أنا ما عرفتش أوضح وجهة نظري.
ولو كسر حاجة، يبقى عشان أنا استفزيته.
ولو قاطعني بالأيام وما اتكلمش معايا، كان يقول إنه بيعاقبني عشان ما احترمتوش.
وحماتي كانت دايمًا تنصحني بالصبر.
كانت تقول لي
ابني طبعه حاد شوية، بس بيحبك يا بنتي.
وكنت بحاول أصدقها، لأني لسه فاكرة الراجل اللي اتجوزته في الأول. كنت بخاف أعترف لنفسي إن الشخص ممكن يبقى حنين في أوقات، وفي نفس الوقت يأذيني.
ولما الزق بقى ضړب، بطلت أحكي لأي حد عن اللي بيحصل في البيت.
أبويا خدني لدكتورة عشان تكشف عليّا.
في قاعة الانتظار، كانت فيه طفلة بتلعب بإسوارة ملونة، وراجل بيدور على نضارته. المشهد العادي ده خلاني أحس بحزن ما كنتش عارفة أفسره.
لما دخلت للدكتورة، سألتني عن سبب الإصابات اللي في وشي ودراعي.
بصيت لأبويا قبل ما أرد. هو فهم نظرتي، فقام بهدوء وقال لي إنه ممكن يستناني بره لو حبيت أتكلم مع الدكتورة لوحدي.
خدت نفس عميق وقلت
جوزي هو اللي ضړبني.
كانت دي أول مرة أقول الجملة دي قدام شخص من خارج عيلتي.
الدكتورة كشفت على وشي ودراعي، وسجلت الإصابات اللي لاحظتها. وشرحت لي الأعراض اللي لازم أنتبه لها بعد خبطة الرأس، وإمتى أحتاج أروح للطوارئ فورًا.
وبموافقتي، وثّقت اللي شافته في الكشف. كمان شرحت لي جهات الدعم المتاحة، من غير ما تضغط عليّا إني آخد قرار معين في نفس اللحظة.
بعد ما خلصنا، فتحت موبايلي.
لقيت أربع عشرة مكالمة فائتة من أحمد، ومعاهم مجموعة رسائل.
أول رسالة كانت بيقول فيها إنه بيحبني.
الرسالة اللي بعدها كان بيسألني فيها ليه عملت فيه كده وفضحته قدام أبويا.
وبعدها وصلتني رسالة خلتني أحس إني رجعت للمطبخ من تاني
أنا ضربتك بالقلم عشان إنتِ قللتي من احترامي، لكن دلوقتي عايزة تطلعيني قدام الناس كأني وحش.
فضلت باصة للكلام فترة طويلة.
طول شهور، كنت بشك في ذاكرتي. أحمد كان عنده طريقة في إنه يكرر الحكاية بطريقته، لحد ما أبدأ أصدق إني فهمت اللي حصل غلط.
لكن المرة دي، الكلام كان مكتوب قدامي، وهو اللي باعت الرسالة بنفسه.
ورّيتها لأبويا.
سألني
تحبي تحتفظي بيها؟
هزيت راسي بالموافقة.
أخدت صور للشاشة، واحتفظت كمان برسائل تانية كان أحمد بيطالبني فيها بتفسيرات عن كل مشوار بعمله، أو يهددني إنه هيحرمني من حاجاتي لو ما سمعتش كلامه.
ما كنتش عارفة لسه هعمل إيه بكل الأدلة دي.
لكن كنت عارفة إني مش عايزة أمسحها تاني لمجرد إني أحافظ على الهدوء في البيت.
الليلة دي نمت في بيت أبويا، مع إن كلمة نمت مش دقيقة أوي.
كنت بصحى من أقل صوت، وأمد إيدي ناحية موبايلي

عشان أتأكد إنه جنبي.
علبة التورتة كانت لسه مقفولة في التلاجة. أبويا ساب الشريط الأحمر زي ما هو، كأنه مش عايز عيد ميلادي كله يتلخص في اللي حصل الصبح ده.
تاني يوم، أحمد بدأ
تم نسخ الرابط