السجينة الجديدة
سجينتين خطړ قرروا يكسروا البنت الجديدة في السچن، غطّسوا راسها في حوض مليان ميّه قڈرة وهي بتغسل المواعين، وفضلوا يضحكوا عليها وهي بتختنق! لكنهم ماكانوش يعرفوا هما عملوا إيه في نفسهم ولا مين البنت اللي قرروا يهينوها!
في اللحظة اللي السجينة الطويلة شدت فيها شعر البنت الجديدة، والسجينة التانية لوت دراعها ورا ضهرها، ماكانش فيه حد في مطبخ السچن يقدر يتخيل إن المشهد ده هيكون بداية النهاية لأخطر شبكة فساد جوه السچن كله!
راس البنت اتغمر في حوض مليان ميّه عكرة وبقايا أكل ودهون، والسجينتين كانوا بيضحكوا بصوت عالي، وكل واحدة فيهم فاكرة إنها قدرت أخيرًا تكسر البنت اللي رفضت تسمع كلامهم.
لكن وسط الضحك والسخرية، البنت رفعت عينيها للحظة، وبصتلهم بنظرة غريبة خلت أي حد يركز معاها يحس إن فيه حاجة مش طبيعية.
ولما سابوها أخيرًا، وهي بتكح وبتحاول تاخد نفسها، مسحت وشها بكمّ هدومها وسألتهم سؤال واحد بس
إنتوا متأكدين إن مفيش كاميرات هنا؟
السجينتين انفجروا في الضحك، لأنهم كانوا متأكدين إن كاميرات المطبخ معطلة، وإن محدش يقدر يثبت عليهم أي حاجة.
لكن اللي ماكانوش يعرفوه إن البنت دي ما دخلتش السچن علشان تتعلم الخۏف دي دخلت وهي شايلة سر ممكن يطيّر رؤوس ناس كتير، وإن اللي حصل في الحوض مش هيكون مجرد واقعة اعتداء، لكنه هيكون أول خيط في قضية هتفضح أسرار السچن اللي اتدفنت جواه سنين طويلة!
والأخطر من كل ده؟ إن البنت ماكانتش سجينة عادية من الأساس!
الفصل الأول السچن اللي محدش بيقدر يرفع فيه عينه
أول ما البوابة الحديدية الضخمة اتقفلت وراها بصوت دوّى في الممرات، عرفت الشابة إن حياتها القديمة انتهت، وإنها دخلت عالم ليه قوانينه الخاصة، عالم القوة فيه مش للقانون ولا للعدالة، لكن للي يقدر يفرض سيطرته على الباقيين.
كانت واقفة في ممر طويل داخل واحد من أشد السجون النسائية حراسة، لابسة ملابس السچن الرمادية، وشعرها مربوط لورا، وملامحها هادية بشكل غريب بالنسبة لواحدة لسه داخلة مكان زي ده.
ماكانتش بټعيط، ولا بتسأل هتنام فين، ولا حتى بتحاول تبرر نفسها للضباط اللي كانوا بيبصولها من فوق لتحت.
كانت بس بتراقب.
بتراقب الأبواب الحديدية، والكاميرات اللي في زوايا السقف، وحركة الحراس، وطريقة السجينات وهما بيعدّوا من قدام بعض.
كل تفصيلة كانت بتسجلها في دماغها، كأنها مش بتشوف المكان لأول مرة، لكن بتحاول تفهم نظامه.
واحد من الحراس فتح ملفها، وراجع بياناتها بسرعة، وبعدها أشار لزميلته وقال
خديها للعنبر رقم سبعة. وخلي بالك منها في أول كام يوم.
الحارسة بصت له باستغراب.
هي عملت إيه علشان تقول لي خلي بالك منها؟
الراجل قفل الملف وقال ببرود
مش شغلك. نفّذي التعليمات.
الشابة سمعت الحوار، لكنها ما علّقتش.
اسمها كان مكتوب في الملف، وتهمتها كانت واضحة على الورق، لكن الحقيقة اللي ورا الورق كانت مختلفة تمامًا عن اللي أي حد في السچن يقدر يتخيله.
اسمها إليزابيث كارتر.
كانت في أوائل الثلاثينات من عمرها، ووشها هادي، وعينيها فيها تركيز يخليها تلاحظ أصغر حركة. ماكانتش ضخمة الجسم ولا عندها شكل يخوف، وده كان أول شيء خلى بعض السجينات يفتكروها فريسة سهلة.
الحارسة اللي كانت ماشية معاها اسمها مارغريت هيل، ست في أواخر الأربعينات، ملامحها حادة، وصوتها جاف من كتر السنين اللي قضتها في السچن.
وهي بتفتح باب العنبر، قربت من إليزابيث وقالت بصوت واطي
اسمعي يا بنتي، أنا مش هقدر أحميكي طول الوقت. المكان ده مش زي اللي إنتِ متخيلاه، وهنا فيه ناس لو شافوكي ضعيفة هيفضلوا يضغطوا عليكي لحد ما ټنهاري.
إليزابيث بصتلها.
مين الناس دول؟
مارغريت سكتت لحظة، وبعدين قالت
فيه اتنين بالذات. لو تقدري، ابعدي عن طريقهم تمامًا.
قبل ما إليزابيث تسأل عن أسمائهم، باب العنبر اتفتح.
كان فيه حوالي عشرين سجينة قاعدين أو واقفين في أماكن مختلفة. أول ما إليزابيث دخلت، معظمهم بصّوا لها بسرعة، وبعدها رجعوا يبعدوا عينيهم كأنهم خايفين حد يلاحظ إنهم اهتموا بوصولها.
لكن فيه ستين ما اتحركوش من مكانهم.
الأولى كانت طويلة بشكل ملحوظ، شعرها أسود قصير، وملامحها قاسېة، وعلى شفايفها ابتسامة مستفزة كأنها متعودة تشوف الناس وهي بتتذلل قدامها.
اسمها فيكتوريا هيل.
أما التانية فكانت عريضة الكتفين، جسمها قوي، وشعرها مقصوص على الآخر تقريبًا. كانت قاعدة على طرف السرير، بتقشر تفاحة پسكينة بلاستيك صغيرة، وبتراقب إليزابيث من غير ما ترمش.
اسمها بريندا كولينز.
فيكتوريا كانت أول واحدة تتكلم.
إيه ده؟ جابوا لنا أميرة جديدة؟
ضحكت بريندا، ورفعت عينيها من التفاحة.
شكلها لسه فاكرة إنها في فندق.
بعض السجينات ابتسموا ابتسامات متوترة، لكن محدش ضحك بصوت عالي.
إليزابيث حطت شنطتها الصغيرة على السرير الفاضي اللي الحارسة أشارت له، وبدأت ترتب حاجتها بهدوء.
فيكتوريا قامت من مكانها، ومشيت ناحيتها بخطوات بطيئة.
أنا بكلمك يا جديدة.
إليزابيث رفعت عينيها.
سمعتك.
طب ما تردّي لما أكبر منك تتكلم.
إليزابيث بصتلها للحظات، وبعدها قالت
إنتِ سألتي سؤال؟
الابتسامة اختفت من على وش فيكتوريا لثانية واحدة.
ماكانتش متعودة حد يرد عليها بالطريقة دي. من سنين، أي سجينة جديدة تدخل العنبر كانت بتتعلم بسرعة إن الأفضل ليها إنها توافق على كل طلب، حتى لو الطلب إنها تتنازل عن أكلها أو سريرها أو حاجتها الشخصية.
فيكتوريا قربت أكتر.
إنتِ عارفة أنا مين؟
لأ.
هتعرفي.
بريندا قامت هي كمان، ووقفت جنب صاحبتها.
خليكي مؤدبة يا حلوة. إحنا هنا بنساعد الجداد يفهموا النظام.
إليزابيث بصت حواليها. لاحظت إن واحدة قاعدة في الركن شدّت الغطا على نفسها، وإن سجينة تانية قامت بسرعة وسبتلهم مكانها على الترابيزة.
وبعدين رجعت بصتلهم وقالت
لو النظام بتاعكم معناه إني أخدمكم، يبقى أنا مش موافقة عليه.
السكوت اللي نزل على العنبر كان غريب.
حتى السجينات اللي ماكانوش بيتدخلوا في أي حاجة رفعوا عينيهم ناحيتها.
فيكتوريا ابتسمت، لكن المرة دي ابتسامتها ماكانتش فيها أي مرح.
واضح إننا محتاجين نبدأ معاكي من الأول.
إليزابيث ما ردتش.
وفيكتوريا، وهي راجعة لسريرها، قالت لبريندا بصوت مسموع
سيبيها دلوقتي. لسه قدامنا وقت طويل.
كانت دي أول مرة إليزابيث تسمع الټهديد، لكنها ماكانتش أول مرة في حياتها تواجه ناس فاكرة إن السلطة معناها إنهم يقدروا يعملوا أي حاجة من غير حساب.
الفصل التاني قانون فيكتوريا وبريندا
في السچن ده، كان فيه قانون رسمي مكتوب على الحيطان، وقانون تاني محدش بيكتبه، لكنه كان أقوى من الأول في عيون السجينات.
القانون الرسمي بيقول إن كل سجينة ليها حقوق وواجبات، وإن أي اعتداء لازم يتبلغ عنه.
أما القانون التاني فكان بيقول إن فيكتوريا وبريندا هما اللي بيحددوا مين ياكل، ومين يسكت، ومين يقضي يومه في هدوء، ومين يتحول وجوده لچحيم.
فيكتوريا كانت العقل المدبر للاتنين.
كانت تعرف إزاي تختار ضحيتها، وإزاي تخوفها من غير ما تسيب دليل واضح. ساعات كانت تكتفي بنظرة أو كلمة، وساعات كانت تخلي غيرها ينفذوا اللي هي عايزاه، علشان تفضل هي بعيدة عن أي مشكلة مباشرة.
بريندا كانت مختلفة.
كانت بتعتمد على قوتها الجسدية، وكانت بتحب المواجهات المباشرة، وبتستمتع لما تشوف حد بيتراجع قدامها.
مع الوقت، بقى وجود الاتنين في أي مكان كفاية علشان الناس تسكت.
لو فيكتوريا عايزة مكان على الترابيزة، حد يقوم فورًا.
لو بريندا عايزة وجبة زيادة، واحدة تديها أكلها من غير نقاش.
ولو أي سجينة فكرت تشتكي، كانت بتلاقي حاجتها اختفت، أو بتكتشف إن فيه كلام اتقال عنها
للإدارة، أو بتتعرض لمضايقات تخليها تتمنى لو إنها سكتت من البداية.
والأغرب إن شكاوى كتير كانت بتتقدم فعلًا، لكنها بتختفي من السجلات، أو يتم تسجيلها باعتبارها خلافات بسيطة بين السجينات.
إليزابيث لاحظت ده من أول يوم.
في وقت الغدا، كانت قاعدة جنب سجينة صغيرة في السن اسمها صوفيا ميلر. البنت كانت نحيفة، وعينيها دايمًا بتتحرك ناحية باب العنبر كل ما تسمع صوت خطوات.
لما دخلت فيكتوريا، صوفيا قامت بسرعة وسبتلها مكانها.
فيكتوريا قعدت، وأخدت صينية الأكل من قدامها.
مش جعانة النهارده؟
صوفيا هزت راسها.
لأ، أنا شبعت.
فيكتوريا بصتلها، وبعدين ابتسمت.
غريبة. ده إنتِ لسه ماكلتيش.
صوفيا ما ردتش.
بريندا مدت إيدها وخدت قطعة الخبز من صينية البنت.
سيبي الأكل للي محتاجاه.
إليزابيث كانت بتراقب المشهد من بعيد.
بعد ما الاتنين مشيوا، صوفيا رجعت قعدت مكانها، وفضلت باصة للصينية الفاضية.
إليزابيث قربت منها ودفعت ناحيتها جزء من أكلها.
خدي.
صوفيا رفعت عينيها بسرعة.
لأ، شكرًا.
إنتِ محتاجة تاكلي.
مش عايزة مشاكل.
إليزابيث قالت بهدوء
أنا ما سألتكيش إذا كنتِ عايزة مشاكل. أنا بقولك خدي الأكل.
صوفيا بصتلها پخوف، وبعد تردد طويل أخدت قطعة الخبز.
إنتِ جديدة، صح؟
أيوه.
طب اسمعي نصيحتي. ما تقفيش قصاد فيكتوريا. هي وبريندا مش بيحبوا حد يرفض لهم طلب.
وإنتِ پتخافي منهم ليه؟
صوفيا نزلت عينيها.
علشان اللي بيحصل للي بيشتكي.
إليزابيث سكتت، وبعدها سألت
يعني إيه اللي بيحصل؟
صوفيا بدأت تحكي، لكن أول ما شافت فيكتوريا واقفة عند آخر الممر، اتغير لون وشها.
مش هقدر أقولك. لو عرفوا إني اتكلمت معاكي، مش هيسيبوني.
قامت بسرعة ومشيت.
إليزابيث فضلت مكانها، لكن عينيها كانت متعلقة بفيكتوريا.
كان واضح إن فيه أكتر من مجرد تنمر بين السجينات.
كان فيه نظام كامل بيحمي نفسه، وكل ما حد يحاول يقرب من الحقيقة، بيتعرض للضغط لحد ما يرجع في كلامه.
وفي الليلة دي، إليزابيث ما نامتش بسهولة.
كانت فاكرة تفاصيل القضية اللي دخلتها السچن بسببها، وفاكرة التحذير اللي وصل لها قبل نقلها بأيام.
كانت عارفة إن ناس معينة مش عايزينها تخرج من المكان ده بنفس العقل اللي دخلت بيه.
لكنها كانت مصممة تعرف إذا كان السچن ده مجرد مكان لتنفيذ الحكم، ولا جزء من شبكة أكبر بكتير.
واللي ماكانتش تعرفه وقتها إن الإجابة كانت أقرب ليها مما تتخيل.
الفصل التالت الطلب اللي كشف كل حاجة
في صباح اليوم التالت، دخلت الحارسة مارغريت العنبر ومعاها ورقة توزيع العمل.
إليزابيث كارتر، المطبخ النهارده. هتساعدي في غسل الأطباق بعد الغدا.
إليزابيث قامت من سريرها.
حاضر.
مارغريت بصتلها للحظة، وبعدها قالت بصوت واطي
خلي بالك من نفسك.
إليزابيث سألتها
فيه حاجة المفروض أعرفها؟
الحارسة اترددت، وبعدين ردت
المطبخ مكان بيحصل فيه مشاكل كتير. وأنا مش هقدر أبقى معاكي طول الوقت.
فهمت.
مارغريت مشيت، وإليزابيث خرجت مع باقي السجينات المكلفات بالعمل.
المطبخ كان واسع، فيه أفران صناعية، وترابيزات معدنية، وأرفف مليانة أطباق وأكواب. وفي آخره كان فيه حوض ضخم، الميّه فيه بتتجمع بسرعة بسبب عدد الصحون اللي بتوصل بعد كل وجبة.
إليزابيث وقفت جنب الحوض، وبدأت تغسل الأطباق.
كانت بتشتغل في هدوء، ولما رفعت عينيها ناحية الباب، شافت فيكتوريا وبريندا داخلين.
عرفت من نظرة فيكتوريا إنهم جايين علشانها.
فيكتوريا وقفت قدامها، وحطت طبقين متسخين فوق الأطباق اللي كانت لسه بتغسلها.
دول كمان.
إليزابيث بصت للطبقين.
حطيهم مع باقي الأطباق.
فيكتوريا رفعت حاجبها.
إنتِ مش فاهمة. أنا عايزاكي تغسليهم إنتِ.
أنا بغسل كل الأطباق الموجودة.
وكمان هتغسلي الأطباق اللي إحنا استخدمناها، وبعدها هتنضفي المطبخ كله.
إليزابيث فضلت هادية.
أنا اتكلفت بغسل الأطباق بس. مش هعمل شغلكم بدل منكم.
بريندا ضحكت.
سمعتي يا فيكتوريا؟ البنت عندها مبادئ!
فيكتوريا قربت من إليزابيث، لدرجة إن المسافة بينهم بقت صغيرة جدًا.
هقولك حاجة واحدة. هنا مفيش حاجة اسمها أنا مش هعمل. فيه حاجة اسمها اللي
بنقوله