السجينة الجديدة
والحراس بيتحركوا بين الممرات، وفيكتوريا وبريندا قاعدين عند إحدى الترابيزات، بيتكلموا بصوت منخفض.
بريندا كانت بتاكل قطعة خبز، وفيكتوريا بتراجع قائمة الأطباق اللي عايزاها تتغسل بعد الفطار.
النهارده هخليها تنظف المخزن كمان، قالت فيكتوريا.
بريندا ضحكت.
لو رفضت؟
فيكتوريا رفعت عينيها.
هتفهم إن اللي حصل امبارح كان مجرد البداية.
لكن قبل ما يكملوا كلامهم، باب المطبخ اتفتح.
دخل مدير السچن، ومعاه مجموعة من الرجال اللي ماكانوش من طاقم المؤسسة المعتاد.
كان فيه رجل في منتصف الخمسينات، لابس بدلة رسمية، ومعاه ملف كبير، ورجل أصغر منه بيحمل حقيبة مستندات، وشخص ثالث بيتكلم في هاتفه قبل ما يقفله عند الدخول.
المشهد كله كان غير معتاد.
مدير السچن نفسه كان باين عليه التوتر، وبيحاول يسبقهم بخطوات بسيطة، كأنه عايز يوضح إنه مسيطر على الوضع.
فيكتوريا بصت لبريندا وغمزت لها.
شوفي مين جاي يزورنا.
بريندا ابتسمت.
يمكن جايين ياخدوا شهادتنا في قضية إليزابيث.
فيكتوريا ضحكت.
يا سلام! يمكن يكرموها كمان علشان اتغطست في الحوض.
لكن ضحكتهم انتهت لما الرجل اللي كان في مقدمة المجموعة وقف قدام إليزابيث مباشرة.
إليزابيث كانت واقفة جنب الحوض، وبتجهز الأطباق للعمل.
أول ما شافته، رفعت راسها.
الرجل أخرج بطاقة تعريف، وأظهرها لمدير السچن، وبعدها قال لإليزابيث باحترام واضح
وصلتنا رسالتك. بدأنا بالفعل مراجعة الأدلة، وعايزين نسمع منك كل التفاصيل.
المطبخ كله سكت.
إليزابيث حطت الطبق اللي في إيدها على الترابيزة.
معايا معلومات إضافية، لكن الأفضل إن المقابلة تتم في مكان رسمي، وبعيد عن أي شخص ممكن يكون له علاقة بالوقائع اللي براجعها.
الرجل هز راسه.
متفقين.
فيكتوريا قامت من مكانها.
لحظة واحدة! هو إيه اللي بيحصل هنا؟
مدير السچن لف ناحيتها.
ارجعي لمكانك.
فيكتوريا حاولت تضحك.
أنا بس بسأل. هي البنت دي عملت إيه علشان تيجوا لها كلكم؟
الرجل اللي كان ماسك الملف بص لها نظرة باردة.
إنتِ فيكتوريا هيل؟
فيكتوريا اترددت لثانية.
أيوه. ليه؟
هنحتاج نتكلم معاكي قريبًا.
بريندا قامت هي كمان، لكن المرة دي ماكانتش بتضحك.
نتكلم في إيه؟
الرجل ما ردش عليها.
فتح الملف، وأخرج مجموعة من الأوراق، وسلمها لمدير السچن.
إحنا هنا بناءً على طلب مراجعة عاجلة، وفيه شبهة مخالفات جسيمة لازم تتفحص. من فضلك، اطلب من الموظفين الموجودين عدم مغادرة أماكنهم لحد ما نخلص الإجراءات الأولية.
مدير السچن مسك الأوراق، وبدأ يقراها.
وكل ما كان بيقلب صفحة، وشه كان بيتغير أكتر.
فيكتوريا حاولت تقرب منه.
هو فيه إيه؟
لكنه ما بصش لها.
أما إليزابيث، فكانت واقفة في مكانها، هادية، لكن عينيها بتتابع ردود الأفعال.
ماكانش فيه انتصار على وشها.
كان فيه تركيز.
لأنها كانت عارفة إن وجود فريق تحقيق في المطبخ مش معناه إن القضية خلصت، وإن أخطر حاجة ممكن تحصل هي إن المسؤولين يحاولوا يخفوا الأدلة قبل ما تتجمع كلها.
وفجأة، الرجل اللي كان ماسك حقيبة المستندات قال
عايزين نفحص مكان الحوض، ونراجع كل السجلات الخاصة بالكاميرات والصيانة، وكمان نتحقق من الشكاوى المقدمة خلال الفترة الماضية.
فيكتوريا بصت لبريندا.
ولأول مرة من سنين، الاتنين حسوا إن السيطرة اللي كانوا متعودين عليها ممكن تكون بتضيع من إيديهم.
الفصل الثامن التسجيل اللي فضحهم
في البداية، حاولت إدارة السچن تتعامل مع الزيارة باعتبارها تفتيشًا روتينيًا.
مدير السچن أكد إن المؤسسة بتطبق اللوائح، وإن أي مخالفات فردية يتم التعامل معاها فور اكتشافها.
لكن فريق التحقيق ما اكتفاش بالكلام.
طلبوا سجلات الصيانة، وتقارير الأمن، وقوائم الشكاوى، وسجلات دخول الموظفين وخروجهم.
وبدأوا يفحصوا المخزن والمطبخ والعنابر، مع التأكد من إن السجينات يقدروا يتكلموا بعيدًا عن الحراس اللي بيتعاملوا معاهم يوميًا.
فيكتوريا وبريندا كانوا فاكرين إن المشكلة كلها هتكون في اعتداء إليزابيث.
وكانوا متأكدين إن مفيش دليل يثبت اللي حصل، لأن كاميرات المطبخ فعلًا كانت متوقفة عن العمل وقت الواقعة.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إن التحقيق ماكانش بيعتمد على الكاميرات وحدها.
قبل يوم الاعتداء، كان أحد الموظفين المتعاونين مع فريق التحقيق قد وضع جهاز تسجيل صوتي صغيرًا في موضع مناسب قرب منطقة العمل، ضمن إجراءات جمع الأدلة المتعلقة بالاشتباه في وجود تجاوزات داخل المطبخ.
الجهاز ماكانش بيصور، لكنه سجّل أصواتًا مهمة.
صوت فيكتوريا وهي بتهدد إليزابيث.
صوت بريندا وهي بتشارك في الاعتداء.
والأخطر من كده، تسجيلات من محادثات سابقة تضمنت إشارات إلى إن بعض الحراس بيتلقوا أموالًا علشان يتجاهلوا الشكاوى.
لما التسجيل اتراجع داخل غرفة التحقيق، واحد من المحققين وقف الصوت عند جملة معينة.
صوت فيكتوريا كان واضحًا وهي بتقول
اشتكي لمين ما تشتكي، محدش هيقدر يعمل لنا حاجة.
وبعدها جاء صوت بريندا وهي بتضحك.
المحقق بص لزميله.
إحنا محتاجين نعرف مين المقصود بكلامها عن الحراس.
زميله أشار إلى الملف.
هنعرف من التحويلات والسجلات.
في الوقت نفسه، كانت مجموعة تانية من المحققين بتراجع بيانات الشكاوى القديمة.
اكتشفوا إن فيه شكاوى اتقدمت من سجينات مختلفات، وإن بعضها كان بيتقفل بسرعة غير مبررة، بينما شكاوى تانية اختفت من السجلات الرسمية.
وفي حالات معينة، كانت التقارير المكتوبة بتقول إن صاحبة الشكوى تراجعت عن أقوالها، رغم إن مفيش تسجيل لمقابلة تثبت إنها قالت الكلام ده.
كل ده فتح بابًا أكبر للتحقيق.
وبعد ساعات من الفحص، اكتشف الفريق أجهزة اتصال ممنوعة في أماكن مخفية، ومستندات فيها قوائم تحويلات مالية، وأوراق بتشير إلى علاقات غير معلنة بين بعض السجينات وأشخاص خارج المؤسسة.
ماكانش كل دليل مرتبطًا مباشرة بفيكتوريا وبريندا، لكن مجموعة الأدلة كانت بتوضح إن فيه شبكة من المخالفات محتاجة تحقيقًا أوسع.
وفي منتصف النهار، اتطلب من فيكتوريا وبريندا التوجه إلى غرفة منفصلة لاستجوابهما.
فيكتوريا حاولت تحافظ على ثباتها.
هو إحنا مطلوب مننا نروح فين؟
أحد المحققين رد
هنسألكم شوية أسئلة بخصوص وقائع حصلت داخل المؤسسة.
بريندا قالت بعصبية
إحنا ماعملناش حاجة!
المحقق ما دخلش في جدال.
ده اللي التحقيق هيحدده.
لكن لما طلب منهم تسليم بعض الأغراض، وبدأت الإجراءات الرسمية، فهمت فيكتوريا إن الموضوع مش مجرد ټهديد فارغ.
وبعد مراجعة الأدلة الأولية، صدرت قرارات باحتجازهما على ذمة التحقيق في الاعتداء، إلى جانب مخالفات أخرى ظهرت خلال التفتيش.
ولما اتطلب منهما الخروج من المطبخ تحت الحراسة، كانت السجينات واقفات في صمت.
نفس السجينات اللي كانوا بيبعدوا عينيهم عن فيكتوريا وبريندا بقوا بيتابعوا المشهد من غير ما حد يطلب منهم.
فيكتوريا حاولت ترفع راسها، وكأنها عايزة تثبت إنها لسه قوية.
لكن لما عدّت جنب إليزابيث، وقفت فجأة.
بصتلها بحدة، وبعدها قالت بصوت منخفض
إنتِ خططتي لكل ده؟
إليزابيث بصتلها مباشرة.
أنا ما خططتش إنكم تعتدوا عليّا.
فيكتوريا ضغطت على أسنانها.
إنتِ كنتِ عارفة إن فيه تحقيق!
إليزابيث ردت
كنت عارفة إن فيه أسئلة لازم تتجاوب، وإن اللي بيحصل هنا لازم يتوقف.
فيكتوريا قربت خطوة، لكن الحارس منعها من الاقتراب.
إنتِ خليتينا نعمل اللي عملناه علشان توقّعينا!
إليزابيث هزت راسها.
لأ. إنتوا عملتوا اللي عملتوه لأنكم افتكرتوا إن محدش هيقدر يحاسبكم.
ما لقتش فيكتوريا رد.
واتحركت أخيرًا مع الحراس، بينما بريندا كانت ماشية وراها، ووشها لأول مرة خالي من الابتسامة.
الفصل التاسع لما الخۏف بدأ يتغير
بعد القبض على فيكتوريا وبريندا، السچن ما اتغيرش في يوم وليلة.
الناس اللي قضوا سنين وهم ساكتين ماكانوش هيقدروا يتخلصوا من خوفهم بمجرد إن مصدر الخۏف اختفى من العنبر.
لكن حاجة مهمة حصلت.
السجينات بقوا يتكلموا.
في البداية، كانت الشهادات بسيطة.
واحدة قالت إن فيكتوريا كانت بتاخد أكلها.
واحدة تانية قالت إن بريندا هددتها لما رفضت تنظف مكانها.
وبعدها بدأت تظهر روايات عن اعتداءات أقدم، وعن شكاوى اتقدمت قبل كده واترفضت، وعن حراس كانوا بيهددوا السجينات بعقوبات إضافية لو استمروا في الكلام.
صوفيا ميلر كانت من
أوائل اللي وافقوا يقدموا شهادة مكتوبة.
دخلت غرفة المقابلات، وقعدت قدام المحققة، وإيديها بتترعش.
المحققة قالت لها
خدي وقتك. محدش هيجبرك تتكلمي قبل ما تكوني مستعدة.
صوفيا سكتت شوية، وبعدها بدأت تحكي.
حكت عن أول مرة أجبرتها فيكتوريا على التنازل عن وجبتها، وعن المرات اللي كانت بريندا بتخوفها فيها، وعن الشكوى اللي حاولت تقدمها قبل شهور، لكنها اختفت بعد أيام.
ولما خلصت، كانت بټعيط.
أنا آسفة إني ما اتكلمتش من الأول.
المحققة هزت راسها.
إنتِ مش مسؤولة عن اللي حصل لك. إحنا محتاجين نفهم الوقائع علشان نقدر نتصرف.
لما خرجت صوفيا من الغرفة، لقت إليزابيث واقفة في الممر.
قربت منها وقالت
أنا اتكلمت.
إليزابيث ابتسمت ابتسامة صغيرة.
عارفة.
كنت خاېفة جدًا.
الشجاعة مش إنك ما تخافيش. الشجاعة إنك تقولي الحقيقة رغم إنك خاېفة.
صوفيا نزلت عينيها، وبعدها رفعتها تاني.
إنتِ كنتِ عارفة إن ده هيحصل؟
إليزابيث فكرت للحظة.
ما كنتش عارفة النتيجة. لكن كنت عارفة إن السكوت مش هيخلّي المشكلة تختفي.
وفي الأيام اللي بعدها، ظهرت تفاصيل جديدة عن مخالفات مالية وسوء استخدام للسلطة داخل المؤسسة.
بعض الموظفين اتوقفوا عن العمل لحين انتهاء التحقيقات، وموظفون آخرون تم استدعاؤهم للإدلاء بأقوالهم.
أما مدير السچن، فخضع هو كمان للاستجواب حول طريقة التعامل مع الشكاوى القديمة، وحول التقارير اللي اتقدمت له وما اتخذش بشأنها الإجراءات المطلوبة.
كان فيه فرق واضح بين الاتهام والإدانة، وفريق التحقيق كان حريصًا على جمع الأدلة قبل توجيه أي اټهامات نهائية.
لكن المؤكد إن المؤسسة اللي كانت بتظهر قدام الناس باعتبارها مكانًا منضبطًا، بدأت تواجه أسئلة ماكانش ينفع تتجاهلها تاني.
وبالنسبة لإليزابيث، كانت كل شهادة جديدة بتقربها من الحقيقة اللي حاولوا يدفنوها لما اتلفقت لها القضية.
لكن لسه كان فيه سؤال أخير لازم يتجاوب.
مين اللي دبّر القضية ضدها، وليه كان مصمم إنها تدخل السچن ده بالذات؟
الفصل العاشر الحقيقة اللي كانت مستخبية في الملف
بعد أيام من التحقيقات، طلب الفريق من إليزابيث حضور مقابلة رسمية.
دخلت غرفة صغيرة، ولقت الرجل اللي قابلها في المطبخ قاعد قدام مجموعة من المستندات.
قال لها
إحنا راجعنا المعلومات اللي وصلتنا منك قبل توقيفك، وقارناها بالأدلة اللي جمعناها من هنا.
إليزابيث قعدت.
وصلتوا لإيه؟
الرجل فتح ملفًا، وأخرج ورقة.
فيه تطابق بين بعض التحويلات المالية اللي كنا بنتابعها قبل كده، وتحويلات ظهرت في السجلات اللي لقيناها داخل المؤسسة. ولسه بنراجع مصدر الأموال والعلاقات بين الأشخاص المذكورين.
إليزابيث بصت للورقة.
كانت بعض الأسماء مألوفة.
أسماء ظهرت في التحقيق الأصلي، واختفت من الملف قبل ما القضية تتقدم للمحكمة.
الرجل كمل
وفيه كمان تناقضات في المستندات اللي اتقدمت ضدك وقت المحاكمة. إحنا بنراجعها بالتنسيق مع الجهات المختصة.
إليزابيث فضلت ساكتة.
سنين من الشغل، وشهور من التهديدات، وبعدها اتهام وحكم بالسجن.
كل ده كان ممكن يتلخص في ورقة واحدة لو ثبت إن الأدلة اللي اتقدمت ضدها مزورة.
لكنها ما سمحتش لنفسها إنها تفرح قبل الأوان.
إيه الخطوة الجاية؟
الرجل قال
هنرفع نتائج التحقيق للجهات القضائية المختصة، وهنطلب مراجعة القضية على ضوء الأدلة الجديدة.
إليزابيث هزت راسها.
كويس. بس لازم كمان تتراجع شكاوى السجينات، مش بس القضية بتاعتي.
الرجل بص لها باهتمام.
ده جزء من التحقيق بالفعل.
عايزة أتأكد إن شهاداتهم مش هتختفي تاني.
هنوثق كل شهادة، وهنحافظ على الأدلة وفق الإجراءات القانونية.
لأول مرة من وقت دخولها السچن، إليزابيث حسّت إن فيه فرصة حقيقية إن الحقيقة تظهر.
لكنها كانت عارفة إن المعركة مش انتهت.
لأن الشخص اللي قدر يلفق لها قضية ماكانش بالضرورة هو نفسه اللي كان بيحرك كل حاجة، وإن كشف تجاوزات في مؤسسة واحدة مش معناه إن الشبكة كلها انتهت.
في نفس الأسبوع، بدأت الإجراءات الخاصة بمراجعة حكمها.
المحكمة اطلعت على المعلومات الجديدة،
وظهرت أسئلة خطېرة