الضعف الكاذب اعادة صياغه نرمين همام
الضعف الكاذب اعادة صياغه نرمين همام
شعر الضباط بشيء من الشفقة تجاه بائعة الشارع المسنة
إلى أن اقترب أحدهم وألقى نظرة فاحصة على ما كانت تبيعه
وهنا تغير كل شيء.
توقفت سيارة الدورية فجأة عند ناصية الشارع بعد بلاغ عن بيع بضائع بشكل غير قانوني.
كانت مهمة روتينية لا أكثر
تحذير ربما مصادرة صندوق ثم الانصراف.
لكن ما إن نزل الضباط من السيارة
حتى خفت خطواتهم.
كانت امرأة مسنة تقف بهدوء جوار صندوق خشبي صغير
الخضروات بداخله مرتبة بعناية لافتة
طماطم لامعة جزر مصفوف وخيار مسحت عليه بكم قميصها ليبدو نظيفا.
كانت ترتدي صندلا مهترئا وتنورة باهتة
وقميصا مرقعا مرات كثيرة.
لم تحاول الهرب.
لم تجادل.
فقط انتظرت.
قال أحد الضباط بصوت منخفض أقرب إلى اللطف
يا حاجة إنت عارفة إن البيع هنا ممنوع.
هزت رأسها ببطء وكتفاها منحنيتان من التعب
عارفة يا ابني بس ابني تعبان محتاج علاج كل يوم.
معنديش حد غيره.
والخضار ده من جنينتي والله ما سړقت حاجة.
كانت يدها ترتعش وهي تتكلم.
تبادل الضابطان نظرة سريعة.
لم تكن مچرمة كما تخيلا
بل جدة تحاول النجاة.
قال الضابط الأكبر بعد صمت قصير
ماشي هنسيبك المرة دي.
بس ما ينفعش تكملي كده.
مش كل الناس هتبقى متفهمة.
تنفست المرأة بارتياح واضح
حاضر حاضر يا ابني مش هكررها.
ابتسم الضابط الأصغر وقال
طب بما إننا هنا نشتري حاجة على الأقل. نساعدك.
جاء ردها أسرع من اللازم
لا! لا والله!
ثم ضحكت بارتباك
أنا بعت كتير النهارده خلاص.
قطب الضابط حاجبيه
كتير ما فيش حد واقف هنا.
قالت بسرعة وهي تزوغ بعينيها
بييجوا بدري إنتوا جيتوا متأخر.
نظرت للشارع ثم للصندوق ثم أشاحت بوجهها.
شعر الضابط أن هناك خطبا ما.
انحنى وأمسك إحدى الطماطم.
كانت أثقل من الطبيعي.
قلبها في يده ضغط عليها برفق.
اختفت الابتسامة من وجهه.
وقف وقال بهدوء حاد
يا حاجة ابعدي عن الصندوق.
تساءل زميله بدهشة
في إيه
لم يجب.
أمسك بطماطم أخرى ولف قشرتها قليلا.
انشقت
وكشفت ما بداخلها.
قال بحزم
اقبضوا عليها.
شهق زميله
إيه ده!
أراه الطماطم.
ثقوب دقيقة كأن شيئا أدخل داخلها بإبرة.
وعلامات مشابهة ظهرت على باقي الخضروات.
لاحقا أثناء التحقيق
تبين أن المرأة لم تكن ضحېة كما بدت.
كانت توزع
مستغلة صورتها كعجوز ضعيفة لا يشك فيها أحد.
وفي منزلها
وجد ابنهاالمعاقه و العقل المدبر
يصنع كل شيء
وهي توزعه بابتسامة ويدين مرتعشتين.
ابنها الذي ادعت أنه مريض ويحتاج
للدواء كان في الحقيقة العقل خلف كل شيء.
مقعد جسديا لكن أفكاره كانت أخطر مما توقع أحد.
كان يعرف أن لا أحد يشك في امرأة مسنة.
ولا في يدين مرتعشتين.
ولا في صندوق خضروات يبدو بريئا تحت الشمس.
استغل صورة الأم الضعيفة
وجعلها الواجهة المثالية لعمل قذر.
عندما واجهها الضابط بالحقيقة تنهدت طويلا وقالت
كنت بحاول أساعده هو ابني في الآخر.
رد الضابط بهدوء قاس
لكن في ناس تانية اټأذت وده ثمن لازم يتدفع.
خرج الخبر إلى العلن.
وتحولت قصة الجدة المسكينة إلى تحذير يتناقله الناس.
ليس كل ضعف حقيقي.
وليس كل براءة كما تبدو.
في صباح اليوم التالي امتلأت مواقع الأخبار بعنوان واحد
سقوط شبكة كاملة خلف ستار الجدة المسكينة.
الناس الذين مروا بجانبها كل يوم
الذين ألقوا لها السلام
والذين وضعوا نقودا إضافية في يدها شفقة
وقفوا الآن أمام الشاشات في صدمة.
إحدى النساء
كنت بشتري منها عشان حسيت إنها أمي.
رجل آخر تمتم پغضب
ضحكت علينا كلنا.
أما الضابط الذي اكتشف الحقيقة فجلس في مكتبه صامتا.
لم يشعر بالانتصار.
كان يشعر بثقل غريب في صدره.
سألها أثناء التحقيق الأخير
ولا مرة حسيتي بالذنب
نظرت إليه طويلا ثم قالت بصوت خاڤت
الذنب ما بيأكلش عيش
والجوع ما بيرحمش.
صمت الضابط.
كان يعلم أن كلامها لا يبرر الچريمة
لكنه يشرح كيف بدأت.
في المحكمة وقفت العجوز مستندة على عصاها.
لم تبك.
لم تطلب الرحمة.
وكأنها سلمت أمرها للقدر.
أما ابنها
فجلس على الكرسي المتحرك
عيناه قاسيتان بلا ندم.
صدر الحكم.
وانتهت القضية على الورق.
لكن في الشارع
بقي الدرس.
تعلم الناس أن الشفقة وحدها لا تكفي
وأن الطيبة العمياء قد تتحول إلى فخ.
وتعلم الضباط أن القانون لا يعرف الأعمار
ولا يصدق المظاهر.
أما المرأة العجوز
فحين أغلق الباب خلفها للمرة الأخيرة
همست لنفسها
يا ريتني كنت بعت خضرة وبس
كان الزمن أرحم.
وهكذا
لم تكن القصة عن جدة
ولا عن شرطة
ولا حتى عن چريمة.
كانت عن وجه اختبأ طويلا خلف الضعف
حتى نسي الجميع
أن
يرتدي أبسط الأقنعة.
أخطر الوجوه
هي تلك التي تتخفى خلف الشفقة.
وهكذا
تعلم الجميع درسا قاسېا
أحيانا
يختبئ الشړ خلف أكثر الوجوه براءة.
تمت