نهايـة الأفاعـي كـاملة بقلـم منـي السـيد
الجزء الأول صدمة العمر
رجعت من غير ميعاد، كنت عايزة أفاجئ أبويا وأمي في البيت والأرض اللي اشتريتهم بدم قلبي وشقا سنين الغربة.. قلت خلاص، آن الأوان يرتاحوا ويحسوا بقيمتهم بعد العمر اللي ضاع في التعب.
أول ما وصلت القرية، عيني مدورتش على البيت الأبيض والشبابيك اللي بنتها بفلوس السهر والذل في بلاد بره.. عيني مشيت ناحية الأرض اللي حلمت إن أبويا الحاج إسماعيل يمشي فيها ملك، مش عشان يزرع ويقلع، لا، عشان يتنفس هوا ملكه هو.. لكن أول حاجة شفتها قطعت نفسي. شفت أبويا، الراجل اللي كان بيشيل الشيلة قد اتنين، اللي كان بيشيلني على كتافه عشان أطول بلح النخلة.. شفته ماسك مقشة قديمة، واقف تحت شمس الظهر اللي تحرق الحجر، بيكنس الحوش وهو ظهره محني، ورجليه بتترعش من التعب.
وفوق المصطبة، قاعدة الحاجة فوزية أم منى مرآة أخويا، قاعدة حاطة رجل على رجل، بتهوي على نفسها بالمنشة، وبتأزأز لوز وفستق، وبتصرخ فيه زي ما يكون خدام جابوه من الشارع
إخلص يا راجل أنت! الغبرة طلعت علينا، مابتعرفش تكنس عدل؟ غلبتونا في عيشتنا!
أنا مكاني في العربية، إيدي كلبشت في الدريكسيون، مش قادرة أتحرك.. كنت حاسة إن ده كابوس، بس الحقيقة كانت أمرّ بكتير.
وجع الأم.. وغدر الكنّة
وقبل ما أنزل، شفت أمي، الحاجة زينب.
وراها كانت منى، مرات أخويا، ماسكة الموبايل وبتبص في ضوافرها الملونة
شدي حيلك يا حماتي، البلوزات دي ماركة مش عايزة فيها كرمشة، انشريها عدل عشان عندي خروجة بالليل.
أمي ما ردتش، هزت راسها بس بكسرة نفس.. النفس اللي عمري ما شفتها فيها قبل كده. أبويا ساب المقشة وراح يقدّم كوباية مية ل فوزية، من تعبه ورعشة إيده، نقطة مية وقعت على طرف الجلابية بتاعتها.. الست قامت ونفضت الكوباية من إيده، الإزاز اتكسر ميت حتة
يا فقر! مابتشوفش؟ غرقتاي!
لمحت في إيدها خاتم دهب بصوص حمرا.. الخاتم ده أنا عارفاه، ده تمن العلاج اللي بعته لأبويا الشهر اللي فات! جبنا الدوا يا بنتي وماتقلقيش، ده اللي أمي قالتهولي في التليفون.. وأتاري الدوا اتحول لدهب على صوابع العقربة دي!
قسم الانتقام
في اللحظة دي، الدم غلى في عروقي. أنا ضيعت شبابي في الغربة، وكلت عيش بجبنة عشان أوفر قرش، واتحملت قلة القيمة من الغريب عشان أهلي يبقوا ملوك في بيتهم.. وفي الآخر يتحولوا لخدم عند شوية غجر؟
عرفت إن أبويا
نزلت من العربية، ملامحي كانت زي الحجر. خبطت كلاكيس واحد.. الكل اتجمد في مكانه. بقلم مني السيد
أمي خرجت تجري، وأول ما شفتني، ملامحها مكنش فيها فرحة.. كان فيها خوف. خايفة إن وجودي يزود العذاب عليها.
أيوة يا فوزية، أيوة يا منى.. أنا جيت.
فوزية قامت تجري بابتسامة صفرا
يا حبيبتي يا نورا! يا حمد لله على السلامة، ده البيت نور! كنا لسه بنقول يا ريتك كنتي معانا.
ما ردتش عليها، رحت لأبويا بست إيده اللي كانت خشنة ومشروخة من الشغل، أمي اللي ريحتها صابون وكرف وتعب.
وحشتوني يا أما..
نورتي بيتك يا بنتي.. نورتي بيتك.
الحقيقة المرة في أوضة الخزين
دخلت البيت، وكل خطوة كانت بتكشف غدر جديد. صور تخرجي وصورة فرح أبويا وأمي متشالة، ومحطوط مكانها صور لمنى وأمها وهما متزوقين.
قلت هدخل الحمام، بس رحت ناحية الأوضة الكبيرة اللي كنت مخصصاها لأهلي.. لقيتها مليانة فساتين وكريمات وريحة برفان منى، والسرير متبهدل، وكأنها أوضتها هي.
طلعت برا، رحت لأوضة الخزين الصغيرة اللي ورا، اللي كنا بنحط فيها الكراكيب.. زقيت الباب براحة، وانكوي قلبي.
مرتبة
استحملي يا زينب، بلاش نكسر بخاطر نورا لما تسأل.. المهم هي تكون مرتاحة.
طلعت الموبايل وصورت.. صورت كل حاجة. صورت المرتبة، صورت إيد أمي المشققة، صورت الهدوم المركونة في ركن الأوضة الضلمة.
صورت الوجع اللي خبيته عني سنين.. وقررت إن الليلة دي هتكون آخر ليلة للطفيليات دول في بيتي.
أنا رجعت.. والعدل هو اللي هيتكلم.
الجزء الثاني كشف المستور.. والحساب يجمع
فتحي أخويا وصل البيت بالليل، وشه باهت، وكتفه محني من الشيلة.. طول عمره كان الأضعف فينا، اللي بيصالح قبل ما يغلط، واللي فاكر إن السكوت على الظلم طيبة. لما شافني، حاول يبتسم، بس كانت ابتسامة مكسورة، طالعة من غلب. بقلم مني السيد
السفرة اتحطت، وعليها ما لذ وطاب.. فراخ محمرة، وشوربة، وفاكهة، والأكل ريحته تعمّر النفوخ، بس ملوش طعم في بوقي. قعدت وبصيت لمنى وأمها وهما بياكلوا بنهم، وقلت بصوت هادي
أمال فين أبويا وأمي يا فتحي؟
منى هزت كتفها ببرود
تلاقيهم ورا في المندرة، هما بيحبوا ياكلوا هناك براحتهم، بيقولوا السفرة بتتعب ضهرهم.
كدب.. كدب عيني عينك. قمت من غير استئذان ورحت المطبخ الجواني.. شفتهم. قاعدين على طبلية قديمة، بياكلوا