اتصل بي ابني منتصف الليل
الصوت الذي سمعته قبل دقائق في الأسفل.
هذا صوتٌ هادئ طبيعي كأنه لم يكن يتآمر على دفني حيًّا.
ابتلعتُ ريقي ولم أُجب.
من داخل الصندوق
عاد الصوت.
أقرب هذه المرة.
أوضح.
عبد الرحيم لا تفتح.
تراجعتُ خطوة.
غطاء الصندوق ارتفع أكثر
وفي الظلام
ظهرت يد.
نحيلة شاحبة
أعرفها.
مستحيل أن أخطئها.
يد فاطمة.
صرختُ دون صوت.
في الخارج
بدأ راشد يطرق الباب بقوة.
أنا عارف إنك جوة! افتح!
وفي نفس اللحظة
انفتح غطاء الصندوق بالكامل.
وجلست هي.
فاطمة.
بنفس ملامحها لكن بشيء ناقص
الحياة.
كانت تنظر إليّ لا تبتسم هذه المرة.
قالت بهدوء
ما ماتت الحقيقة بس اتدفنت.
تجمّدتُ.
قالت
اللي تحت مش أول واحد.
توقّف عقلي.
راشد ما جاء صدفة.
طرقات الباب أصبحت أعنف.
افتح الباب وإلا أكسره!
هنا
رنّ الهاتف مرة ثالثة.
مصطفى.
أجبتُ فورًا.
صرخ هذه المرة
أبي! اخرج من الغرفة حالًا! لا تثق بأي شيء تراه!
نظرتُ إلى فاطمة.
قالت بهدوء مخيف
حتى أنا.
ثم
اختفت.
اختفت كأنها لم تكن.
لكن
الصندوق بقي مفتوحًا.
وفارغًا.
وفي تلك اللحظة
انكسر الباب.
اندفع
لكن
لم يكن وحده.
خلفه
كان نفس الرجل الذي رأيته من الفتحة.
والأخطر
أنه كان يرتدي زيّ جهاز الأمن.
نظر إليّ مباشرة
وقال
متأخر يا حاج.
ثم أشار إلى الأرض.
فجأة
اهتزت الأرض تحتنا.
تشقق البلاط
وانفتح جزء منه
كاشفًا عن حفرة مظلمة.
ومن داخلها
خرجت رائحة موتٍ قديم.
ثم
يد.
ثم يد أخرى.
ثم
أكثر من يد.
تتشبث بالحواف
وتحاول الصعود.
تراجعتُ مذعورًا.
صرخ راشد
أغلقها! الآن!
لكن الرجل الآخر
لم يتحرك.
كان ينظر إليّ.
ويبتسم.
وقال
ابنك ما قال لك الحقيقة، صح؟
ارتجفتُ.
هو اللي فتح الملف من جديد وهو اللي دلّنا عليك.
شعرتُ أن العالم انهار.
مصطفى؟
ابتسم أكثر.
مش كل من يحذرك ينقذك.
في تلك اللحظة
رنّ الهاتف مرة أخيرة.
نظرتُ إليه.
مصطفى يتصل.
لكن
صوت مصطفى
خرج من خلفي
لا ترد.
استدرتُ ببطء
وكان يقف هناك.
خلفي مباشرة.
لكن
أنا لم أفتح الباب له.
ولم يكن هناك مكان ليدخل منه.
نظر إليّ
بنفس النظرة التي أعرفها.
لكن بعينين
لم تكونا له.
وقال
اختر يا أبي
وأشار إلى الحفرة
التي بدأت الأيادي تخرج منها أكثر
تنزل
ثم أشار إلى راشد والرجل
أو تظل هنا وتعيش الكذبة.
سقط الهاتف من يدي.
وما زال يرن
وعلى شاشته
اسم المتصل
مصطفى.
لكن
مصطفى كان يقف أمامي.
فمن
كان يتصل؟
ظلّ الهاتف يرنّ على الأرض
اسم مصطفى يلمع على الشاشة
ومصطفى يقف أمامي.
نظرتُ بين الاثنين وشعرتُ أن عقلي يتمزّق.
قلتُ بصوتٍ مكسور
أنت مين فيكم؟
ابتسم الذي أمامي.
وقال بهدوء
السؤال الخطأ يا أبي مش مين أنا السؤال من منهم تريد أن تصدّق؟
في تلك اللحظة
تذكّرتُ شيئًا.
ليس من الليلة
بل من ثماني سنوات.
ليلة الحفر.
ليلة الصوت الذي تجاهلته.
ليلة
لم أكن فيها بريئًا.
أغمضتُ عينيّ
فرأيتُها.
فاطمة.
لم تكن شبحًا.
لم تكن شيئًا خرج من صندوق.
كانت ذكرى
ووصيّة.
ما ماتت الحقيقة بس اتدفنت.
فتحتُ عينيّ.
ونظرتُ إلى الحفرة.
الأيادي لم تعد تحاول الخروج فقط
بل كانت تشير.
إليّ.
تريدني أنا.
فهمتُ أخيرًا.
ليس لأنني ضحية
بل لأنني شاهد.
وربما
شريك بالصمت.
رفعتُ رأسي نحو راشد والرجل.
قلتُ بهدوء لم أعرفه في نفسي
مين تحت؟
تبادلوا النظرات.
ثم قال راشد،
مش واحد
وأشار إلى الحفرة.
ثلاثة.
توقّف قلبي.
ثلاثة؟
قال الرجل الآخر
اختفاءات قديمة ملفات أُغلقت واسمك كان دايمًا قريب.
نظرتُ إلى مصطفى الذي أمامي.
قلتُ
وأنت؟
ابتسم.
لكن هذه المرة بحزن.
أنا الحقيقة اللي حاولت توصل لك متأخر.
ثم أشار إلى الهاتف على الأرض
وذاك هو ابنك لسه يحاول ينقذك.
نظرتُ إلى الهاتف.
الرنين توقف.
ثم
وصلت رسالة.
ارتجفت يدي وأنا أقرأها
أبي لو وصلوا لك، لا تنزل. البيت مش آمن. راشد مش لوحده. وأنا ممكن ما ألحق.
رفعتُ رأسي ببطء.
الذي أمامي
لم يعد يبتسم.
بل بدأ يتلاشى.
كأن وجوده مرتبط بقراري.
فهمت.
هذه ليست مواجهة بينهم.
هذه مواجهة داخلي أنا.
بين أن أواجه ما دفنته
أو أهرب منه حتى أموت.
نظرتُ إلى الحفرة.
ثم
خطوتُ نحوها.
صرخ راشد
لا! لو نزلت ما حترجع!
توقفتُ على الحافة.
ونظرتُ إليه.
قلتُ
أنا أصلًا ما رجعت من ثماني سنين.
ثم
نظرتُ إلى الهاتف.
وهمستُ
سامحني يا ولدي.
وأخذتُ نفسًا عميقًا
ونزلت.
في الصباح
استيقظ الحيّ على خبرٍ غريب.
اختفاء رجلٍ مسنّ من منزله
دون
لكن
عمال الصيانة الذين جاءوا بعد أيام
أقسموا أنهم عندما كسروا أرضية الغرفة
وجدوا شيئًا واحدًا فقط
هاتفًا قديمًا
ما زال يعمل.
وعلى شاشته
رسالة لم تُفتح بعد.
مرسلها مصطفى.
ومحتواها
أبي أنا وصلت متأخر
البيت كان فاضي من سنين.