قسوة لا تحتمل لمنال

لمحة نيوز


إسلام، جيب لي كشف بأسماء ال 120 ضيف اللي جايين حفلة مدام شاهيناز بكرة.. وعايزك تفتح الخزنة السرية في المكتب وتجيب لي الملف الأسود الخاص بحسابات عيلة شاهيناز والديون اللي سددتها عنهم.. بكرة الحفلة دي هتبقى تاريخية.
في الليلة التالية، تحول القصر في التجمع الخامس إلى ساحة أسطورية. الأنوار الساحرة كانت تلف الأشجار، والموسيقى الكلاسيكية الراقية تملأ الأجواء، وأفخم المأكولات والمشروبات تقدم للحاضرين. بقلم منال علي
كان هناك 120 ضيفاً من صفوة المجتمع المصري؛ رجال أعمال كبار، وزراء سابقون، سيدات مجتمع، وشخصيات عامة. وكانت شاهيناز تقف في وسط الحديقة كطاووس مغرور، ترتدي فستان سهرة أسود مكشوفاً من الظهر، سعره يتجاوز مئات الآلاف، وتضع مجوهرات ألماسية تخطف الأبصار. كانت تتنقل بين الضيوف بابتسامة عريضة وتتباهى بفخامة القصر وتنسب ذوق تصميمه لنفسها.
اقتربت منها صديقتها ليلى واحدة من اللواتي شهدن واقعة الأمس وهمست لها
شاهي، الحفلة واو! بس قولي لي، فين العجوزة بتاعة امبارح؟ خبيتيها فين؟
ضحكت شاهيناز بغرور وهمستبقلم منال علي
طبعاً خبيتها! طردتها من الصبح تروح تقعد في شقة قديمة لأحمد في مصر الجديدة.. مش ممكن هسيب الأشكال دي تظهر قدام ضيوفي المهمين، ريحة السمنة البلدي بتاعتها كانت هتبوظ البرستيج بتاعي!
في تلك اللحظة، وصل أحمد إلى الحفل. كان بكامل أناقته، يرتدي بدلة تكسيدو سوداء فاخرة، وكانت على وجهه ابتسامة هادئة وغامضة. فور رؤيته، ركضت شاهيناز نحوه وتعلقت بذراعه أمام الضيوف بدلال
تأخرت ليه

يا حبيبي؟ الكل بيسأل عنك.. تعال أعرفك على رئيس مجلس إدارة البنك الجديد.
طبطب أحمد على يدها ببرود تام وعيناه تلمعان بنظرة مخيفة بقلم منال علي
معلش يا شاهي.. كنت بجهز لك مفاجأة الحفل.. مفاجأة العمر اللي عمرك ما هتنسيها.
ابتسمت شاهيناز من أذن لأذن، ظناً منها أنه اشترى لها اليخت أو المجوهرات التي كانت تطلبها دائماً. وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، توقفت الموسيقى فجأة بناءً على إشارة من أحمد. تسلطت الأضواء كلها على المسرح الصغير المقام في وسط الحديقة بجوار حمام السباحة نفس البقعة التي أُهينت فيها الحاجة أمينة.
صعد أحمد إلى المسرح وأمسك بالميكروفون، فصمت ال 120 ضيفاً تماماً ووجهوا أنظارهم إليه بترقب بقلم منال علي
تحدث أحمد بنبرة قوية واثقة ملأت أرجاء القصر
مساء الخير يا جماعة، برحب بيكم في بيتي.. الحفل النهاردة مش مجرد سهرة عادية، الحفل ده معمول عشان أقدم الشكر والتحية لإنسانة عظيمة، إنسانة لولاها ولولا شقاها وعرقها، ما كانش هيبقى فيه وجود لشركة عبد الرحمن للتطوير العقاري، ولا كنت أنا هبقى واقف قدامكم بالبدلة دي النهاردة.
تقدمت شاهيناز بخطوات واثقة متبسمة نحو المسرح، وهي تظن أن أحمد يتحدث عنها وسيقدم لها الهدية أمام الجميع. لكن أحمد تابع وصوته يزداد قوة وحدّة
الست دي.. قضت 25 سنة من عمرها، بتصحى الساعة 3 الفجر في عز البرد وعز الحر، تعجن وتخبز فطير وتنزل تبيعه في سوق إمبابة عشان توفر لي قرش حلال لتعليمي.. الست دي هي شرفي، وأصلي، وتاجي اللي فوق راسي.. الست دي هي أمي، الحاجة أمينة!
بقلم منال علي
في
تلك اللحظة، انفتحت بوابات القصر الكبرى، وتسلطت الأضواء عليها. ودخلت الحاجة أمينة وهي ترتدي العباية الحريرية المطرزة بالذهب وحجابها الأبيض الناصع، والسلسلة الذهبية تزين صدرها، ويحيط بها اثنان من الحراس الشخصيين يساعدانها على المشي بهدوء ووقار كالملكات. بقلم منال علي
بدأ الضيوف يتهامسون بإعجاب شديد بأصل أحمد وبره بأمه. نزل أحمد من المسرح، وانحنى أمام ال 120 ضيفاً ليقبل يد أمه وقدميها، ثم صعد بها إلى المسرح وأجلسها على كرسي فخم ك العرش.
هنا، تحول وجه شاهيناز إلى اللون الأبيض كالموتى، وهرب الدم من عروقها. أخذ أحمد الميكروفون ونظر إليها بنظرة حادة كالشفرة وقال بصوت هز الحوائط
لكن للأسف.. وسط المظاهر الكدابة والفلوس، فيه ناس بتدخل بيوتنا بالوجاهة الاجتماعية، بس جواها غل وقذارة وفقر في الأخلاق والأصول.. ناس فاكرة إن لبس البراندات بيغطي على رخص نفوسهم!
أشار أحمد لل ويتر الرئيسي، فأحضر صينية فضية عليها كأس من العصير ومفرش أبيض. أخذ أحمد الكأس وبمنتهى الهدوء دلقه على الأرض الرخامية مباشرة أمام حذاء شاهيناز الثمين. صرخ أحمد في الميكروفون بقلم منال علي
من 24 ساعة بس، في نفس البقعة دي.. شاهيناز هانم، مراتي المصونة بنت الحسب والنسب، دلقت الكأس على الأرض وقالت لأمي الست الطاهرة دي المي العصير وأنتي راكعة على ركبك عشان ما تنسيش مكانك الحقيقي في بيتي! والنهاردة بقى، وقدام ال 120 ضيف اللي أنتي جايباهم تتمنظري عليهم.. أنا بقولك القصر ده، والفلوس دي، والعربيات دي، كلهم بتوع
الست الشقيانة دي.. وأنتي مالكيش هنا مسمار واحد، ومالكيش مكان وسط عائلة عبد الرحمن. بقلم منال علي
أخرج أحمد الظرف الأسود ورماه على الصينية المبللة بالعصير وتابع
ده ورق طلاقك يا شاهيناز هانم.. طلاق غيابي وبدون مؤخر ولا مليم، لأن الملف ده فيه مستندات تثبت كل الفلوس اللي سرقتيها من حساباتي وحولتيها لأهلك عشان تسددي ديونهم وبلاويهم.. يعني تخرجي من هنا شحاتة زي ما دخلتي. شنط هدومك هتلاقيها مرمية برة عند الباب مع الأمن.. والآن.. اتفضلي برة قصر أمي، ومن غير مطرود! بقلم منال علي
سادت حالة من الذهول والصدمة بين الحضور، وبدأ الجميع ينظرون لشاهيناز باحتقار واشمئزاز شديد. حاولت شاهيناز أن تتكلم أو تنظر لصديقاتها، لكنهن أدرن ظهورهن لها على الفور. ولم تجد أمامها سوى أن تجمع أطراف فستانها المتبلل بالعصير وتركض للخارج وهي تبكي وتصرخ من الخزي والفضيحة التي ألحقتها بنفسها، لتغلق خلفها البوابة الحديدية للأبد.
وبمجرد خروجها، وقف رجل أعمال عجوز ووقور من الحاضرين وبدأ يصفق بقوة، وخلال ثوانٍ، انفجرت القاعة كلها بالتصفيق الحاد والتحية لأحمد وللحاجة أمينة. ترك أحمد الميكروفون وارتمى في حضن أمه يقبل رأسها، بينما دموع الكرامة والفرح تنهمر من عينيها. همس أحمد في أذنها القصر قصرك يا أمي.. والبيت اللي ما يحترمش شقاكي وعرقك، ما يلزمناش نعيش فيه. بقلم منال علي
ومنذ ذلك اليوم، عاشت الحاجة أمينة في قصرها معززة مكرمة، وأصبح الجميع يحلف بأصلها وطيبتها التي أنبتت رجلاً حقيقياً عرف كيف يعيد الحق لأصحابه ويعطي
درساً في الأصول لا يُنسى.

تم نسخ الرابط