منذ أن كنت في الرابعة عشرة من عمري

لمحة نيوز

مكسور
كنتُ عائدًا من العمل مبكرًا ذلك اليوم وعندما دخلتُ البيت سمعتُ صوت رجل داخل غرفتي.
بدأت يداي ترتجفان.
وأبي يكمل
لم أصدق في البداية لكنني رأيته بعيني.
ثم صمت للحظات طويلة.
حتى إننا سمعنا صوت بكائه في التسجيل.
قال بعدها
حاولتُ أن أستر الأمر من أجلكما.
لم أعد قادرة على التنفس.
كل الذكريات بدأت تعود دفعة واحدة.
الصراخ ليلة الطلاق.
بكاء أمي.
صمت أبي.
ونظراته التي لم أفهمها يومًا.
ثم فتح حسام ظرفًا آخر بسرعة وكأنه يبحث عن دليل ينفي كل شيء.
لكن الصدمة كانت أكبر.
كانت هناك صور.
صور لأمي مع جارنا القديم.
الرجل الذي كان يسكن في البيت المقابل لنا سنوات طويلة.
الرجل الذي كانت أمي تقول دائمًا إنه مثل أخيها.
شعرتُ بالغثيان.
أما حسام
فوقف فجأة بعنف وأسقط الصور من يده.
ثم صرخ
مستحيل!
لكن الحقيقة كانت أمامنا.
واضحة.
وقاسية.
ولا يمكن إنكارها.
جلستُ أبكي بصمت، بينما أكمل حسام فتح
الرسائل بعصبية.
وفي إحدى الرسائل
وجدنا شيئًا حطمنا تمامًا.
كانت رسالة كتبها أبي لأمي بعد اكتشافه الحقيقة.
أقسم لكِ أنني مستعد أن أسامح فقط لا تدمّري الأولاد.
قرأتها بصوت مرتجف.
ثم أكملت
لن أفضحكِ أمامهم مهما حدث لأنني لا أريد لأبنائي أن يكرهوا أمهم.
انفجرتُ بالبكاء.
أما حسام
فضرب الحائط بيده بعنف حتى نزفت أصابعه.
وقال بصوت مخنوق
كل هذه السنوات ونحن نكرهه؟!
لم أستطع الرد.
لأنني كنت أتذكر كل شيء.
كل مرة أغلقتُ الهاتف في وجه أبي.
كل عيد تجاهلتُ رسالته.
كل مرة اتهمته بأنه دمّر حياتنا.
وأصعب ذكرى كانت حين مرض قبل ثلاث سنوات.
أتذكر أنه اتصل بي يومها وقال
أريد أن أراكِ فقط.
لكنني اعتذرت بحجة أنني مشغولة.
والآن
لن أراه أبدًا.
جلس حسام على الأرض فجأة.
ثم بدأ يبكي كطفل صغير.
كانت تلك أول مرة أراه ينهار بهذه الطريقة.
قال وهو يمسح دموعه
لماذا لم يخبرنا؟!
لكن التسجيل التالي أجابنا.

قال أبي فيه
كنت أعرف أن الحقيقة ستجعلكما تنظران إلى أمكما بطريقة قاسية ولم أرد ذلك.
ثم ضحك ضحكة حزينة وأضاف
يكفيني أن يكرهني أولادي ولا أحتمل أن يكرهوا أمهم أيضًا.
وضعتُ يدي فوق فمي وانهرت تمامًا.
أي رجل يستطيع تحمل كل هذا الظلم فقط حتى يحافظ على صورة أم أولاده؟
وفجأة
تذكرتُ شيئًا قديمًا.
يوم زفافي.
أتذكر أن أمي رفضت جلوس أبي معنا كثيرًا.
وكانت تراقبنا طوال الوقت.
ويومها
رأيته يقف بعيدًا وحده بعد انتهاء الحفل.
أتذكر نظراته جيدًا الآن.
لم تكن نظرات رجل مذنب.
بل نظرات رجل مكسور.
وبدأنا أنا وحسام نربط أشياء كثيرة لم نفهمها سابقًا.
لماذا لم يتكلم أبي يومًا بسوء عن أمي.
لماذا كانت زوجته الثانية دائمًا تتجنب الاحتكاك بنا.
ولماذا بقي أبي يحاول الاقتراب منا رغم قسوتنا.
وفجأة
وجد حسام مغلفًا صغيرًا في آخر الصندوق.
كان مكتوبًا عليه
لا يُفتح إلا بعد وفاتي.
فتحناه ببطء
فوجدنا داخله
عشرات الرسائل الصغيرة.
كل رسالة تحمل تاريخ عيد.
عيد الفطر.
عيد الأضحى.
أعياد ميلادي.
رسائل كتبها أبي لي طوال عشرين سنة
ولم يرسلها أبدًا.
فتحتُ أول واحدة.
كل عام وأنتِ بخير يا صغيرتي أتمنى أن تسامحيني يومًا.
ثم أخرى
اشتقتُ لكِ اليوم عندما رأيت فتاة تشبهكِ في السوق.
ثم أخرى
كنتُ أريد أن أحضر حفلة تخرجكِ لكن أمكِ قالت إن وجودي سيزعجكِ.
لم أعد أرى الكلمات من كثرة البكاء.
شعرتُ أن قلبي يتمزق حرفيًا.
كل تلك السنوات
كان يحبنا بصمت.
وكل تلك السنوات
كنا نعاقبه على ذنب لم يرتكبه.
وفجأة قال حسام بصوت غاضب
سأذهب إليها الآن.
عرفت فورًا أنه يقصد أمي.
حاولتُ منعه
لكنه خرج كالعاصفة.
ولحقتُ به وأنا أبكي.
وعندما وصلنا البيت
كانت أمي تجلس وحدها في الصالة.
وما إن رأت وجوهنا
حتى تغيّر لونها فورًا.
نظر إليها حسام بعينين ممتلئتين بالدموع والغضب
ثم رمى الصور أمامها.
وقال بصوت مرتجف
لماذا فعلتِ
هذا بنا؟!
شحب وجهها تمامًا.
ثم جلست ببطء وكأن قوتها اختفت فجأة.
ولأول مرة منذ عشرين سنة
رأيتُ الخوف الحقيقي في عيني أمي.
تمت

تم نسخ الرابط