فرصة تانية حكايات مني السيد
كانت قاعدة برضه ساكتة. رميت كلمة الطلاق هو الحل لأني كنت تعبان ومحبط من فكرة البيت الفاضي. كنت فاكر إنها هتعيط، هتمسك فيا، هتقولي لأ يا كريم إحنا تعبنا سوا. لكن هي وافقت بهدوء كسرني. وافقت وكأنها كانت مستنية الضربة دي عشان تمشي.
نص الليل جيه، وأنا منمتش ثانية. الشكوك ا تبدلت بوجع ضمير رهيب. أنا سبت مراتي وهي حامل؟ سبتها تشيل هموم الدنيا لوحدها؟ فستانها الباهت، وشها التعبان، قعدتها لوحدها في كافيه شعري صغير.. كل ده كان بسببي؟
تاني يوم الصبح، مروحتش الشغل. كلمت المدير وقولتله إني تعبان. ركبت عربيتي وروحت لبيت أهل مريم في مصر الجديدة. البيت القديم اللي كنت بدخله وأنا معزز مكرم، النهاردة رجلي كانت تقيلة وأنا بقرب من الباب.
وقفت قدام الباب دقايق، بظبط نفسي. خبطت.
دقيقة.. واتنين.. والباب اتفتح.
كانت والدتها، طنط هدى. ست طيبة وملامحها دايما بشوشة، بس أول ما شافتني، الابتسامة اختفت تمامًا وعينيها اتملت بقسوة عمري ما شوفتها فيها.
كريم؟ إيه اللي جابك هنا يا ابني؟ إحنا مش خلصنا كل حاجة بالمعروف؟
طنط هدى.. أرجوكي، أنا لازم أشوف مريم. أنا شوفتها امبارح بالصدفة.
حاولت أدخل بس هي وقفت في نص الباب، سدا منيعًا.
مريم مش هنا، ومريم مبرقتش عايزة تشوفك. امبارح رجعت منهارة بسببك. سيبنا في حالنا بقى.
أنا شوفتها حامل يا طنط! صرخت والدموع بدأت تتجمع في عيني لأول مرة من سنين. حامل إزاي؟ مريم كانت حامل وإحنا سوا؟ ليه محدش قالي؟ ليه سبتوني أمشي وأنا فاكر إننا بننهي قصة فاشلة، وإحنا كان معانا الحلم اللي عيشنا عشانه؟!
طنط هدى بصتلي، ودمعة نزلت من عينيها، بس صوتها كان حاد زي الموس
الحلم ده مكنش بتاعك يا كريم. الحلم ده كان بتاع مريم لوحدها. إنت اتخليت عنها في أكتر وقت كانت محتجاك فيه. يوم ما قولت لها الطلاق هو الحل، هي كانت راجعة من الدكتور ومعاها التحليل
الكلام نزل عليا زي الصاعقة.
كانت.. كانت جاية تقولي؟
آه يا كريم. بس إنت مستنيتش تسمع. إنت هربت لشغلك وسبتها لسهدها وحزنها، ويوم ما اتكلمت، نطقت بالخراب. بنتي عزة نفسها كانت أكبر من إنها تترجاك تقعد معاها عشان خاطر عيل. قالتلي يومها لو كريم مش عايزني لشخصي، مش هخليه يقعد معايا عشان طفل.. وأهو الطلاق تم، ومريم شايلة ابنها لوحدها، وبتشتغل وبتعافر عشان متحتجش لمليم منك.
أنا عايز أشوفها.. أبوس إيدك يا طنط خليني أشوفها! كنت ببكي بجد، انهرت قدام الباب، البرستيج والموظف المحترم وال 34 سنة كلهم دابوا في لحظة.
مريم مش هنا يا كريم. مريم نقلت، سابت القاهرة كلها وقعدت في مكان هادي عشان تبعد عن أي حاجة تفكرها بيك وبأيامك. وأنا مش هقولك هي فين. سيبها تولد بالسلامة، وسيبها تنسى.
قفلت الباب في وشي.
الباب الخشب الثقيل اتقفل، وصوته سمع في ودني زي صوت حكم الإعدام.
قعدت على السلم، مش قادر أتحرك. الدنيا اسودت في عيني. أنا اللي باعت، وأنا اللي خسرت. خسرت الست اللي حبتني، وخسرت الابن اللي بكيت عشان يجي.
مر شهر كامل بعد اليوم ده. شهر عشته زي الأموات. كنت بروح الشغل وأرجع، عيني بتدور في كل كافيه، في كل شارع، في كل وش ست حامل جايز تكون هي. نزلت أسأل أصحابها، رحت الأماكن اللي كانت بتحبها، بس مريم كانت اختفت تمامًا. كأن الأرض انشقت وبلعتها.
لحد ما في يوم، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت بصوت مجهد
أيوة.. مين؟
صوت أنثوي، بس مش مريم. كانت ندى، صاحبتها الأنتيم من أيام الكلية.
كريم؟ أنا ندى. أنا بكلمك ومن ورا مريم، ولو عرفت هتقطع علاقتها بيا.
وقفت من على الكرسي بسرعة
ندى! أرجوكي قوليلي مريم فين؟ هي كويسة؟ البيبي كويس؟
صوت ندى كان متوتر وفيه عياط مكتوم
مريم في المستشفى يا كريم.
مستشفى إيه في طنطا؟ قوليلي الاسم بسرعة!
أخدت الاسم، وطلعت أجري. مخدتش معايا أي حاجة غير مفاتيح العربية ومحفظتي. سوقت على طريق مصر الإسكندرية الزراعي بسرعة جنونية. كنت بكلم ربنا طول الطريق يارب ارحمني.. يارب متقاقبنيش فيها.. يارب رجعهملي بالسلامة وأنا هكون خدام تحت رجليهم.
وصلت المستشفى بعد ساعتين ونص كأنهم سنين. جريت في الممرات لحد ما وصلت للدور الثالث، أوضة العمليات.
من بعيد، شوفت طنط هدى قاعدة على الكراسي الخشب، حاطة راسها بين إيديها وبتعيط بحرقة.
جريت عليها وارتميت تحت رجليها
طنط هدى.. مريم جرالها إيه؟
رفعت راسها، وشها كان باهت والتعب أكل ملامحها. ملقيتش فيها القسوة بتاعة المرة اللي فاتت، لقيت بس أم خايفة على بنتها.
كريم.. بنتي بتموت جوه يا كريم.. الدكتور بيقول الضغط عالي جداً والمشيمة اتفصلت.. يارب.. يارب احميلي بنتي.
قعدت جنبها، أخدتها في حضني وبكينا سوا. في اللحظة دي، مكنش فيه طليق وحماة، كان فيه شخصين بيموتوا من الرعب على نفس الروح اللي جوه الأوضة دي.
الساعات مرت كأنها دهور. اللمبة الحمراء
اللي فوق باب العمليات كانت زي عين الموت اللي بتراقبنا. كنت ببص لإيديا وأفتكر مريم وهي ماسكة كوباية الشاي، بطنها الكبيرة، فستانها الواسع.. كنت بغمض عيني وأتخيل لو كنت احتويتها يومها، لو كنت سألتها مالك؟ بدل ما أهرب للشغل.
فجأة، الباب اتفتح.
خرج دكتور لابس لبس العمليات الأزرق، ملامحه كانت مرهقة بس هادية.
جرينا عليه أنا وطنط هدى في نفس اللحظة
بشر يا دكتور.. مريم كويسة؟
الدكتور قلع الكمامة وابتسم ابتسامة خفيفة طبطبت على
الحمد لله.. عدينا مرحلة الخطر. الأم ضغطها بدأ ينزل وهي دلوقتي في الإفاقة. والبيبي.. ولد زي القمر، بس نزل بدري شوية، هو حالياً في الحضّانة عشان يطمنوا على تنفسه، بس حالته مستقرة.
أنا ركبي خانتني بجد المرة دي. قعدت على الأرض والدموع نازلة من عيني وزي الشلال. ولد.. جالي ولد.. ومريم عايشة.
بعد ساعتين، سمحوا لنا ندخل نشوف مريم في أوضة الرعاية المتوسطة.
طنط هدى بصتلي وقالت ادخل إنت الأول يا كريم. جايز ده الوقت اللي تتصلح فيه الحاجات اللي اتكسرت.
فتحت الباب ببطء شديد، كأني بدخل مكان مقدس.
الأوضة كانت هادية، وصوت الأجهزة بيعمل بيب.. بيب بانتظام.
مريم كانت نايمة على السرير، وشها شاحب جداً، وفي إيديها المحاليل. عينيها كانت مقفولة، بس أول ما سمعت حركة الباب، فتحت عينيها ببطء.
بصتلي. المرة دي مكنش فيه غضب. كان فيه بس نظرة تعب عميق.
قربت من السرير بخطوات مرعوبة، قعدت على الكرسي اللي جنبها، ومسكت إيدها اللى مفيهاش كانيولا. إيدها كانت سقعانة جداً.
حطيت إيدها على وشي وبدأت أعيط بصوت مكتوم
سامحيني يا مريم.. أنا آسف. أنا كنت حمار، كنت أناني وعمي. متسيبنيش تاني يا مريم.. ابننا محتاجنا سوا.. وأنا محتاجك أكتر منه.
مريم سكتت، بصت للسقف لفترة، ودمعة وحيدة نزلت من طرف عينيها على المخدة. وبعدين بصتلي، وبصوت ضعيف جداً كأنه همس، قالت
الولد سميته يوسف يا كريم.. عشان كنت دايما بتقول لو جالي ولد هسميه يوسف.
قلبي دق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيخرج من صدري. هي لسه فاكرة؟ لسه باقية على حلمنا القديم؟
يوسف.. أحلى اسم في الدنيا. قولت لها وأنا ببوس إيدها. هنربيه سوا يا مريم؟ هتديني فرصة تانية أكون الراجل اللي تستاهليه؟
مريم غمضت عينيها بتعب، بس صوابعها ضغطت على إيدي ضغطة خفيفة جداً.. ضغطة كانت كافية تقولي إن الرحلة لسه منتهتش، وإن البيت الهادي اللي اتهد،