كان ابني البالغ من العمر ست سنوات يبكي كلما خلع جوربه بعد زيارة خاله
رأسه.
وقال
كانت تعيش هنا قبل سنوات طويلة... ثم اختفت فجأة.
إلى أين؟
نظر إلينا باستغراب.
ثم قال
بعد حادث المستشفى.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
سألته
أي مستشفى؟
أجاب
مستشفى الولادة المركزي... قبل ستة عشر عامًا تقريبًا.
نظرت إلى آدم.
وكانت الصدمة مرسومة على وجهه.
لأن هذا هو العام نفسه الذي وُلد فيه.
أعطانا الرجل صندوقًا صغيرًا قال إن ليلى تركته لديه قبل اختفائها.
وقال إنها أوصته أن يسلمه يومًا ما لشخص سيأتي ومعه شاب يشبهها كثيرًا.
فتحنا الصندوق هناك.
وفي داخله صور ورسائل قديمة.
لكن أهم ما فيه كان دفتر مذكرات.
بدأنا نقرأ.
وكانت الصفحات الأولى عادية.
حتى وصلنا إلى صفحة مؤرخة بيوم ولادة آدم.
وهناك تغير كل شيء.
كتبت ليلى
اليوم أجبروني على الاختيار بين طفلين.
شعرت ببرودة في أطرافي.
وأكملت القراءة.
قالوا إن أحد الطفلين يجب أن يختفي.
رفضت.
فهددوني بقتل ابنتي.
توقفت أنفاسي.
ثم قرأت السطر التالي
أنقذت الطفل.
لكنني خسرت ابنتي.
لم أفهم.
واصلت القراءة بسرعة.
حتى وصلت إلى الجملة التي جعلت العالم يدور من حولي.
ابنتي التي اختفت ذلك اليوم اسمها...
وكان الاسم المكتوب هو اسمي.
اسمي أنا.
سقط الدفتر من يدي.
لم أستطع الكلام.
لم أستطع حتى التفكير.
لأن المعنى كان واضحًا.
ليلى لم تكن أم آدم.
كانت أمي أنا.
رفعت رأسي ببطء.
أما آدم فكان يحدق
فهم الحقيقة في اللحظة نفسها التي فهمتها.
طوال حياتي كنت أعتقد أنني أعرف من أكون.
أعرف عائلتي.
أعرف ماضيّ.
لكن فجأة اكتشفت أنني أنا أيضًا كنت طفلة اختفت يومًا ما.
طفلة سُرقت من أمها.
تمامًا كما سُرق آدم.
وبين صفحات الدفتر الأخيرة وجدنا صورة قديمة.
امرأة شابة تحمل طفلة صغيرة.
وعلى ظهر الصورة كتبت عبارة واحدة
إذا وجدَتني ابنتي يومًا... أخبروها أنني لم أتخلَّ عنها أبدًا.
ساد الصمت.
ثم قلب آدم آخر صفحة في الدفتر.
وكانت هناك ملاحظة قصيرة بخط مختلف عن خط ليلى
ليلى لم تمت.
إذا كنتم تقرؤون هذا الآن، فهي ما زالت على قيد الحياة.
ثم عنوان جديد.
في مدينة أخرى.
وعنوان دار رعاية للمسنين.
نظرت إلى آدم.
ونظر إليّ.
ولأول مرة في هذه القصة كلها...
لم نكن نبحث عن مجرم.
ولا عن سر.
ولا عن ميراث.
كنا نبحث عن أم.
أم فقدت ابنتها منذ سنوات طويلة...
ولا تعرف أن ابنتها أصبحت أمًا بدورها.
سافرنا في صباح اليوم التالي.
طوال الطريق لم أنطق بكلمة تقريبًا.
كنت أحدق من نافذة السيارة وأفكر في شيء واحد
ماذا لو كانت هناك فعلًا؟
وماذا لو لم تتعرف عليّ؟
أو الأسوأ...
ماذا لو لم تكن تريد رؤيتي؟
أما آدم فكان يجلس بجانبي صامتًا.
لكنه كان يمسك يدي بقوة.
وكأنه يخشى أن أختفي أنا أيضًا.
بعد ساعات وصلنا إلى دار الرعاية.
كان مبنى قديمًا تحيط به أشجار السرو.
استقبلتنا المديرة بهدوء.
وعندما سألتها عن ليلى ناصر، تغيرت ملامحها.
وقالت
أنتم متأخرون سنوات طويلة.
شعرت بأن قلبي سقط في صدري.
وسألتها بسرعة
هل ماتت؟
هزت رأسها.
وقالت
لا.
ثم أضافت
لكن ذاكرتها لم تعد كما كانت.
اقتادتنا إلى غرفة صغيرة في الطابق الثاني.
وكانت هناك امرأة مسنة تجلس قرب النافذة.
شعرها الأبيض منسدل على كتفيها.
وعيناها مثبتتان على الحديقة.
وقفت عند الباب.
لم أستطع التحرك.
لأنني شعرت بشيء غريب جدًا.
شيء لا يمكن تفسيره.
كأن جزءًا مفقودًا مني كان أمامي أخيرًا.
همست المديرة
ليلى... هناك من جاء لزيارتك.
التفتت المرأة ببطء.
نظرت إلينا.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة.
الابتسامة نفسها التي رأيتها في الصور القديمة.
شعرت بالدموع تملأ عيني.
تقدمت خطوة.
ثم أخرى.
وقلت بصوت مرتجف
أنا...
لكن الكلمات خانتني.
لم أعرف ماذا أقول.
هل أقول أنا ابنتك؟
هل أقول أنا الطفلة التي ضاعت؟
هل أقول لماذا تركتني؟
وقبل أن أنطق بشيء...
رفعت المرأة يدها المرتجفة نحوي.
وقالت بهدوء
سارة؟
تجمدت في مكاني.
ذلك كان اسمي.
لم يكن الاسم الذي يعرفه الجميع.
بل الاسم الأول الذي ظهر في دفتر المذكرات.
الاسم الذي لم يعرفه أحد غيرها.
وانهرت بالبكاء.
جلست أمامها.
وأمسكت يدها.
وقالت وهي تلامس وجهي
كبرتِ كثيرًا.
لم أعد أستطيع التحدث.
أما آدم فكان واقفًا خلفي والدموع
ثم نظرت إليه ليلى.
وظلت تحدق فيه طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم قالت
إنه يشبهك.
ابتسم آدم لأول مرة منذ أيام.
وقال
أنا حفيدك.
فبكت هي الأخرى.
وفي ذلك اليوم عرفنا الحقيقة الأخيرة.
بعد اختطافي، أمضت ليلى سنوات تبحث عني.
لكن الأشخاص المتورطين في التبديل زوّروا كل السجلات.
وجعلوها تبدو وكأنها امرأة مختلة تتخيل أشياء لم تحدث.
سُلبت منها ابنتها.
ثم سُلبت منها مصداقيتها.
ومع مرور السنوات تدهورت صحتها.
لكنها لم تتوقف عن البحث.
حتى آخر يوم كانت تكتب فيه المذكرات.
وقبل أن نغادر مساءً، طلبت مني شيئًا واحدًا.
أخرجت صندوقًا خشبيًا صغيرًا من خزانتها.
وقالت
هذا لك.
فتحته.
فوجدت داخله سوارًا قديمًا للمستشفى.
السوار الذي كان مربوطًا في معصمي يوم وُلدت.
وكانت قد احتفظت به كل تلك السنوات.
ثم قالت جملة لن أنساها ما حييت
كنت أخاف أن أموت قبل أن أعرف أنك بخير.
احتضنتها بقوة.
وأغمضت عيني.
وللمرة الأولى منذ بدأت هذه الرحلة كلها...
لم أشعر أننا نكشف سرًا.
بل أننا نعيد شخصًا إلى مكانه الصحيح.
وفي طريق العودة، كان الغروب يملأ السماء بلون ذهبي هادئ.
نظر آدم من النافذة.
ثم قال مبتسمًا
غريب...
سألته
ماذا؟
قال
كل القصة بدأت من جورب.
ضحكت وسط دموعي.
لأن كلامه كان صحيحًا.
بدأت الحكاية بطفل صغير يشكو من ألم في قدمه.
وبقع صفراء على جوارب قديمة.
لكنها
عائلة ضائعة وجدت بعضها من جديد.
وأم انتظرت سنوات طويلة لتحتضن ابنتها.
وابن تعلّم أن الحقيقة قد تتأخر...
لكنها أحيانًا تجد طريقها إلى النور مهما طال الزمن.
النهاية.