طليقي الدكتور من حكايات نور محمد

لمحة نيوز

بعد طلاقنا، خبيت حملي منه لحد يوم ولادتي.. ولما الدكتور نزل الكمامة كانت الصدمة!
الطلقة جات قوية لدرجة إنها حسيت إنها قسمت روحي نصين.
في ثانية كنت ماسكة بكل قوتي في حديد السرير في أوضة الولادة، بحاول أفتكر كلام الممرضة عن تنظيم النفس، وفي الثانية اللي بعدها حسيّت إن نار قادت في كل عضمة في جسمي. مابقتش مجرد ست نايمة على سرير مستشفى تحت إضاءة بيضا كئيبة.. أنا بقيت عبارة عن كتلة ألم، رعب، وصوت صريخي اللي شق سكون الأوضة.
خدي نفس يا سلمى.. بالراحة.. بالراحة.
حد كان ماسك كتفي بيطمني، وحد تاني بيظبط جهاز النبض على بطني، وصوت بيقول إن نبض الجنين كويس.
وفجأة.. باب الأوضة اتفتح ودخل الدكتور. عقم إيده، وشد الكمامة نزلها تحت دقنه عشان ياخد نفسه.. وهنا، أنا نسيت إزاي أتنفس أصلاً!
يوسف..
دكتور يوسف.. طليقي!
لثانية واحدة مرعبة، افتكرت إني بهلوس. يمكن وجع الولادة بيعمل كده. يمكن بعد 19 ساعة من الطلق والعذاب، عقلي بدأ يطلع أشباح الماضي من أضلم دراج الذاكرة. بس لأ.. كان حقيقي. نفس العيون السودا، نفس الملامح الحادة، نفس الجرح القديم الصغير اللي جنب دقنه من خناقة أيام الكلية واللي كان دايماً بيكابر ويقول إنها حاجة بسيطة. نفس الراجل اللي اعترفلي بحبه قدام كافتيريا الجامعة في يوم مطر، ووعدني وهو بيضحك إن حياتي معاه عمرها ما هتبقى مملة.
نفس الراجل اللي رمى عليا يمين الطلاق

في المطبخ، وأنا بجهز تورتة عيد ميلاد والدته!
سلمى؟! قالها وصوته اتكسر وحروف اسمي بتترعش على شفايفه.
طلقة تانية ضربت في ضهري وقطعت كلامه. صرخت بكل قوتي وعصرت إيد الممرضة لدرجة إنها اتخضت وبصتلي بقلق، بس ماقدرتش أسيب إيدها. كنت باصة ليوسف من ورا دموعي وعرقي وقمة غضبي.
الممرضة بصت لنا إحنا الاتنين باستغراب، وقالت إنتوا تعرفوا بعض يا دكتور؟
رديت أنا والكلمات بتطلع من بين سناني اللي بكز عليها من الوجع كنا متجوزين.. لحد ما طلقني عشان حماتي زعلت إني بطلب شوية خصوصية في بيتي!
وش يوسف جاب ألوان، والدم هرب منه تماماً. سلمى.. أنا..
قاطعته وأنا باخد نفس كأنه بيجرح في صدري ماتتكلمش! ولدني وبس.. اعمل شغلك وبس!
عينيه نزلت على بطني الكبيرة، ولأول مرة.. الحقيقة الكاملة نزلت عليه زي الصاعقة. شفته وهو بيستوعب، بيحسب الشهور والأيام في ثواني.. شفت الصدمة.. والانهيار في عينيه.
إنتي.. إنتي كنتي حامل؟ همس بيها وكأنه بيكلم نفسه.
ضحكت، وطلعت ضحكة مكسورة مليانة قهر مبروك يا دكتور.. لسه بتعرف تحسب صح تحت الضغط.
أخد خطوة لا إرادية ناحية السرير وهو بيقول بصوت مهزوز ليه مقولتليش؟!
وجع الطلقة اللي بعدها بلع ردي. صرخت وعضيت على شفايفي من جوه لحد ما دقتها طعم الدم. الممرضة فضلت تهديني وتوجهني، في الوقت اللي يوسف اتحرك فيه بشكل آلي، غريزة الدكتور المهنية اتغلبت على الكارثة الشخصية اللي
بيعيشها. بدأ يراجع الأجهزة وإيديه بتترعش.
ولما الوجع هدي شوية واداني فرصة أتكلم، بصيت في عينيه مباشرة وقولتله جملة واحدة
عشان إنت ماسألتش!
وفجأة.. قبل ما يرد، صوت جهاز نبض الجنين اتغير وضرب إنذار مرعب، الممرضة صرخت بخضة يا دكتور، نبض الطفل بيقع بسرعة!
يوسف بص للشاشة برعب، ومسك المشرط وهو بيبصلي بدموع وبيقولي بصوت بيترعش سلمى.. سامحيني على اللي هعمله دلوقتي
الكاتبه_نور_محمد
سامحيني على اللي هعمله دلوقتي
قالها يوسف وعينيه مليانة دموع، بس إيده كانت ثابتة بثبات جراح عارف إن كل ثانية بتمر معناها حياة أو موت. الممرضة ناولته الأدوات بسرعة، وفي لحظة، حسيت بوجع بارد ومرعب.. شق سريع ومدروس عشان يوسع طريق الخروج للبيبي اللي نبضه بيفارق الحياة.
بوش يا سلمى! ادفعي بكل قوتك دلوقتي! علشاني.. علشان خاطر ابننا! صرخ يوسف بصوت هز جدران الأوضة، صوت مفيش فيه ذرة من هدوء وبرود الدكتور يوسف اللي أعرفه، ده كان صوت أب مرعوب بيستنجد.
معرفش جبت القوة منين، بس مع آخر طلقة، صرخت صرخة طلعت من أعماق روحي، صرخة حسيت إنها خدت معاها آخر ذرة طاقة وروح في جسمي.. وبعدها، فجأة.. الضغط الرهيب اختفى.
بس الأوضة غرقت في صمت مميت. صمت يوجع الودن.
مفيش صوت عياط.
رفعت راسي بضعف لا يوصف، الرؤية كانت مشوشة من العرق والدموع. شفت يوسف ماسك حتة لحمة صغيرة مزرقة، إيديه بتترعش وهو بيحاول ينضف مجرى التنفس
بتاعه بسرعة جنونية. الممرضة بتجري تجيب جهاز الأكسجين الصغير.
يلا.. يلا يا حبيبي.. اتنفس.. اتنفس عشان خاطر بابّا كان بيهمس بيها يوسف وهو بيعمله إنعاش خفيف. كان بيعيط.. دكتور يوسف، الراجل اللي عمره ما نزلت منه دمعة، كان بيبكي زي الأطفال.
ثانية.. اتنين.. عشرة.. الوقت كان بطيء كأنه دهر.
وبعدين.. طلعت صرخة ضعيفة.. كحتين.. وبعدها صرخة قوية شقت الصمت وردت الروح فينا كلنا.
عيطت.. عيطت بصوت عالي من الفرحة والانهيار. يوسف ضم الولد لصدره، وقفل عينيه وهو بياخد أطول نفس في حياته، وبعدين لفه في الفوطة البيضا وقرب مني.
نزل على ركبه جنب السرير في مستوى وشي، والولد بين إيديه. ملامح البيبي كانت نسخة مصغرة منه. نفس الشعر الأسود الكثيف.
ولد يا سلمى.. قالها بصوت مبحوح والدموع بتغسل وشه. ابننا.. نسخة مني ومنك. أنا آسف.. أنا حمار، أنا ضيعتكم بغبائي، بس وحياة ابني ده ما هسيبكم لحظة بعد كده، هعوضك عن كل وجع، أمي، عيلتي، أي حاجة في الدنيا تولع، المهم إنتي وهو.
مديت إيدي المرتعشة عشان ألمس وش ابني.. ملمسه كان دافي وناعم. ابتسمت ابتسامة باهتة، بس فجأة.. حسيت بسخونة غريبة بتسحب من جسمي، الدنيا بدأت تلف بيا، وألوان الأوضة بدأت تبهت وتتحول لأبيض وأسود.
جهاز المراقبة اللي متوصل بيا أنا بدأ يدي إنذار متواصل ومزعج.
طوووووووووووووط
يوسف رفع عينه للشاشة، ووشه اللي كان لسه فيه شوية حياة،
قلب بلون الرماد. بص بسرعة لتحت، وصرخ برعب نزيف!
تم نسخ الرابط