طليقي الدكتور من حكايات نور محمد
نزيف حاد بعد الولادة! نقل دم فصيلة O سالب فوراً!! الأوضة بتغرق دم!
الممرضات دخلوا يجروا، يوسف حط الولد بسرعة في الحضّانة الصغيرة، ورجعلي وهو بيضغط بكل قوته عشان يوقف النزيف، إيديه كانت غرقانة بدمي.
سلمى! خليكي معايا! بصيلي يا سلمى ماتقفليش عينكي! كان بيصرخ كأنه مجنون.
بس أنا كنت حاسة إني خفيفة أوي، الوجع بيختفي، والصوت بيبعد. بصيتله بابتسامة أخيرة وقولتله بصوت يادوب مسموع خلي بالك منه يا يوسف.. وقوله إن ماما.. حبته أوي..
غمضت عيني، وآخر حاجة سمعتها كانت صرخة يوسف اللي شقت المستشفى كلها لاااااااااااا!
بس قبل ما أغطس في الضلمة التامة، باب الأوضة اتفتح بعنف، وصوت ست زعق بغضب شديد
يوسف!! إيه المهزلة دي؟ إنت سايب كتب كتابك على بنت خالتك تحت عشان تولد طليقتك؟!!
ياترى سلمى هتموت والنزيف هيقضي عليها؟ ومين اللي دخلت الأوضة دي؟ إزاي يوسف كان بيكتب كتابه في نفس المستشفى ونفس اليوم؟!
يوسف!! إيه المهزلة دي؟ إنت سايب كتب كتابك على بنت خالتك تحت عشان تولد طليقتك؟!!
صوت حماتي والدة يوسف شق الأوضة زي الرعد، بس بالنسبة لي الصوت كان جاي من بعيد أوي، كأني تحت الماية. عيني كانت بتقفل غصب عني، بس كنت شايفة المشهد كأنه بالتصوير البطيء.
يوسف ماتلفتش وراه أصلاً، كأن صوت أمه ملوش أي وجود. إيديه كانت غرقانة بدمي وهو
حماته دخلت الأوضة بخطوات غاضبة، بس وقفت مكانها متسمرة لما شافت المنظر. الدم اللي مغرق السرير، والبيبي الصغير اللي بيعيط في الحضّانة، ويوسف اللي وشه عبارة عن كتلة رعب وانهيار.
إيه الدم ده كله؟! ومين العيل ده؟! قالتها بصوت مرعوب، بس الغرور لسه راكبها سيبها للممرضات وانزل، الناس تحت والمأذون بيكتب العقد، مش هفضح نفسي قدام العيلة عشان دي!
هنا.. يوسف رفع راسه، وبصلها بنظرة عمري، في كل سنين جوازنا، ما شفتها في عينيه. نظرة واحد اتحول لوحش بيدافع عن روحه.
صرخ بأعلى صوت عنده، صرخة هزت جدران المستشفى اطلعي بررررره! المأذون اللي تحت ده تمشيه، والجوازة الزفت دي تتلغي! دي مراتي، وده ابني اللي من صلبي! ولو جرالها حاجة، أقسم بالله العظيم ما هعيش دقيقة بعدها ولا هتشوفي وشي ليوم الدين! اطلعي بره وسبيني أنقذ عيلتي اللي دمرتيها ودمرتيني معاها!
الصدمة لجمت لسان أمه. رجعت لورا خطوتين وهي بتبص لابنها اللي لأول مرة في حياته يكسر كلمتها، ويقف في وشها عشان يحميني. بس أنا.. ماقدرتش أقاوم أكتر من كده، واستسلمت للضلمة التامة.
فتحت عيني ببطء شديد. ريحة المطهرات، إضاءة هادية، وصوت جهاز
حركت راسي بوجع، لقيت يوسف قاعد على الكرسي جنبي، ماسك إيدي بين إيديه وساند راسه عليها ونايم من التعب. هدومه لسه عليها بقع من دمي، ووشه شاحب زي الأموات.
حركت صوابعي بضعف، فرفع راسه بخضة. عينيه كانت حمرا ومورمة من العياط. أول ما شافني مفتحة، قام وقف وباس راسي وإيدي وهو بيبكي الحمد لله.. الحمد لله إنك رجعتيلي. كنت هموت يا سلمى.. روحي كانت بتطلع مني وأنا شايفك بتروحي مني.
صوتي كان يادوب طالع ابني.. فين؟
ابتسم وسط دموعه زي الفل.. في الحضانة بيكمل وزنه، بس صحته ممتازة. حتة منك يا سلمى، أخد ملامحك الجميلة.
سكت شوية، وسحبت إيدي من بين إيديه ببطء. بصلي بوجع وانكسار، وقال أنا لغيت كل حاجة يا سلمى. الجوازة اللي أمي كانت غاصبة عليا بيها عشان تقهرك وتقهرني اتلغت. أنا وقفت في وش الكل. أنا اشتريت بيت جديد، بعيد عنهم كلهم. مفيش حد هيدخل حياتنا ولا هيتدخل فيها تاني. أنا اتعلمت الدرس بأقسى طريقة ممكنة. أرجوكي.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إني بقيت الراجل اللي يستاهلك ويستاهل يكون أب لابننا.
بصيت في السقف وأخدت نفس عميق.. ورغم كل الضعف اللي في جسمي، كنت حاسة بقوة غريبة جوايا. قوة أم شافت الموت ورجعت عشان خاطر ابنها.
يوسف.. قلتها بصوت هادي بس قاطع اللي اتكسر مش بيتصلح بكلمتين، ولا ببيت جديد.
نزل راسه في الأرض، فكملت كلامي أنا مش هحرم ابني من أبوه، لأنك دكتور شاطر وأنقذت حياته وحياتي.. بس رجوعي ليك كزوجة مش هيبقى بالسهولة دي. أنا هرجع أعيش في بيتي اللي أنا أسسته، وإنت هتفضل بره لحد ما تثبتلي، وتثبت لنفسك قبلها، إنك بقيت راجل قادر يحط حدود صارمة لحياته، قادر يحميني أنا وابني من أي أذى، حتى لو كان الأذى ده من أقرب الناس ليك. الحب لوحده مش كفاية يا يوسف.. الاحترام والأمان هما اللي بيبنوا البيوت.
رفع راسه وبصلي باحترام شديد، احترام ممزوج بحب حقيقي المرادي، وقال بتصميم موافق.. موافق على أي شرط. هبدأ معاكي من الصفر، لو هفضل أخطب ودك سنين، مش هتنازل عنك إنتي وابني أبداً.
النهاية
الخلاصة والمغزى
القصة دي بتعلمنا إن الحدود في العلاقات مش رفاهية، دي أساس أي بيت سوي. الزوج اللي مابيقدرش يحمي مساحة بيته ومراته من تدخلات الأهل، بيهد بيته بإيده. والأهم، إن الست القوية هي اللي بتعرف قيمة نفسها، ومابتقبلش ترجع لمجرد إن الراجل اعتذر، لكن بتطلب أفعال وتغيير حقيقي يضمن كرامتها ومستقبل ولادها. الحب من غير أمان وكرامة..
الكاتبه_نور_محمد