بعد ٣ شهور من طلاقنا
كمان، وشه بقا أصفر زي الليمونة، ولسانه اتقل وهو بيقول فريدة.. ردي عليا.. الولد ده ابن مين؟ وعنده كام سنة؟ مش ده اللي قولتِ لي إنك
قاطعته وأنا برفع راسي وببتسم ابتسامة سخرية، نفس الابتسامة اللي هو ضحكها ليا من ست سنين في التليفون
ده يوسف يا عمر.. ابني.. وعنده ست سنين.. زي ما أنت شايف كده، داخل أولى ابتدائي.
عمر حسيت إنه هيقع
من طوله فعلاً، رجله مكنتش شايلاه، ساند بإيده على سور المدرسة وضغط على دماغه كأنه مش مستوعب، وقال بصوت مكتوم ومليان صدمة ست سنين؟ يعني.. يعني ده ابني؟ إزاي.. والدكتورة.. والتحاليل؟
ضحكت بصوت واطي وقولتله التحاليل اللي أنت فرحت بيها دي كانت غلط يا عمر، أو يمكن ربنا أراد يوريك إن مش كل حاجة بتمشي بحسابات البشر. بس أنت اخترت تصدق الورق وتكذبني.. اخترت تتهمني وتقفل السكة في وشي وتعملي بلوك عشان تلحق فرحك اللي كان بعد أسبوع!
عمر كان بيبص ليوسف ودموعه نزلت لأول مرة، حاول يمد إيده يلمس وش يوسف، بس أنا سحبت يوسف ورا ضهري بسرعة. يوسف بصل ومستغرب وقالي مين عمو ده يا ماما؟ وليه بيعيط؟
نزلت لمستوى يوسف وقولتله ده واحد يا حبيبي كنا نعرفه زمان.. يلا اركب الباص مع المستر عشان متتأخرش. يوسف جرى برأته المعهودة وركب الباص وهو بيشاورلي، وعمر عينه متعلقة بيه ومش قادر ينطق.
أول ما الباص تحرك، عمر لف ليا وزعق بصوت مبحوح ومليان ندم حرمتيني من ابني ست سنين يا فريدة؟ ده ابني أنا.. من صلبي أنا.. أنا لازم أصلح كل حاجة، لازم يرجع لحضني وبيتكتب باسمي!
بصيت له بكل قوة وقولتله
ابنك؟
عمر قعد على الرصيف وهو بيعيط بحرقة، الندم كان بياكل فيه صاحي، وقال كنت غبي.. صدقت الدكاترة وخفت من كلام
الناس.. فريدة، مراتي اللي اتجوزتها مخلفتش منها، وبقالي ست سنين بلف على الدكاترة ونفسي في حتة عيل.. يوسف هو أملي الوحيد.. أرجوكي سامحيني.
بصيت له لآخر مرة وأنا حاسة بنصر ملوش مثيل، بس في نفس الوقت حاسة بنظافة من ناحيته، مبقاش يفرق معايا.. قولتله بكلمات حاسمة
سبحان الله.. ربنا حرمك من الخلف منها، وحرمك من ابنك اللي من صلبك بذنبي وبذنب الكلمة اللي قذفتني بيها. يوسف هيعيش وهيكبر، وعمرك ما هتعرف تلمسه ولا هتقدر تقول له أنا أبوك، لأنك بنظره مجرد غريب.. زي ما أنت شطبتني من حياتك بلوك، أنا شطبتك من دنيتنا للأبد.
سيبته واقف مكانه مكسور، ولفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وسريعة، حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي طول الست سنين فاتوا انزاح، وربنا جابلي حقي لحد عندي ومن
غير ما أعمل أي حاجة.
مشيت فريدة من قدامه من غير ما تلتفت، بينما عمر فضل واقف مكانه، حاسس إن الدنيا كلها بتنهار حواليه.
ولأول مرة في حياته، فهم معنى إن كلمة واحدة ممكن تدمر عمرًا كاملًا.
مرت أيام
ثم أسابيع.
وفريدة كانت تظن أن الأمر انتهى.
لكن عمر لم يختفِ
بدأ يرسل رسائل عبر معارف مشتركة.
مرة يطلب أن يراها.
ومرة يطلب فقط صورة ليوسف.
ومرة يطلب أن يساهم في مصاريفه.
لكنها كانت ترفض في كل مرة.
لم تكن تريد منه مالًا.
ولا اعتذارًا.
ولا حتى دموعًا.
كانت ترى أن بعض الجروح لا يمحوها الندم.
وفي إحدى الليالي، وبينما كانت ترتب حقيبة يوسف المدرسية، رن هاتفها.
كان الرقم غريبًا.
ترددت قليلًا ثم أجابت.
جاءها صوت رجل مسن
السلام عليكم أنا والد عمر.
سكتت للحظة.
لم تسمع صوته منذ سنوات.
قال الرجل بصوت متعب
أعرف أن ابني أخطأ بحقك خطأً كبيرًا وأعرف أن أي كلام لن يغير الماضي.
ثم أضاف
لكنني مريض يا ابنتي والأطباء يقولون إن أيامي أصبحت قليلة.
شعرت فريدة بانقباض في قلبها.
وأكمل الرجل
لا أطلب منك أن تسامحي عمر هذا حقك وحدك. لكن أرجوكِ دعيني أرى حفيدي مرة واحدة قبل أن أموت.
أغلقت الهاتف بعد المكالمة وهي في حيرة.
طوال الليل لم تنم.
كانت تتذكر الإهانة.
والبكاء.
والوحدة.
لكنها كانت تتذكر أيضًا أن يوسف لا ذنب له في شيء.
وبعد أيام طويلة من التفكير
وافقت.
في عصر يوم الجمعة، دخلت إلى بيت عائلة عمر للمرة الأولى منذ ست سنوات.
كان البيت هادئًا بشكل غريب.
وحين دخل يوسف، ركض في الصالة ببراءته المعتادة.
أما الجد، فبمجرد أن رآه
بكى.
بكى كما لم يبكِ رجل كبير من قبل.
ضم يوسف إلى صدره وهو يرتجف.
وقال
سبحان من أعاد إليّ روحي قبل رحيلي.
وكان عمر واقفًا بعيدًا في زاوية الغرفة.
لم يقترب.
لم يتكلم.
كأنه فهم أخيرًا أنه فقد
وأن وجوده هناك نعمة لا يستحقها.
مرّت الزيارة بهدوء.
وقبل أن تغادر فريدة، استدعاها والد عمر إلى غرفته.
فتح درجًا صغيرًا وأخرج ظرفًا قديمًا.
وقال
هذا يجب أن يكون عندك.
فتحت الظرف باستغراب.
فوجدت بداخله نسخة من تقرير طبي قديم.
تاريخ التقرير كان قبل زواجها بأشهر.
وتحت اسم عمر كانت هناك عبارة واضحة
احتمال الإنجاب ضعيف جدًا، لكنه ليس مستحيلًا.
تجمدت.
وأخذت تقرؤها مرة ثانية.
وثالثة.
ورابعة.
رفع الرجل رأسه وقال بحزن
عمر لم يكن عقيمًا كما أخبرك.
كان فقط
يعاني من ضعف شديد في الخصوبة.
لكنه عندما قرأ التقرير، لم يفهمه جيدًا، ثم أقنع نفسه أنه مستحيل أن ينجب.
وأطرق الرجل رأسه قبل أن يضيف
وعندما أخبرته يوم حملك أنه ربما أخطأ، رفض أن يسمع أحدًا.
خرجت فريدة من البيت وهي تحمل الظرف بين يديها.
لم تشعر بالانتصار.
بل بشيء يشبه الأسى.
كل هذا الخراب
كل هذه السنوات
كل تلك القسوة
بسبب غرور رجل خاف من الحقيقة أكثر مما خاف من خسارة عائلته.
وبعد شهرين فقط
توفي والد عمر.
وفي الجنازة، وقف يوسف بجوار أمه وسألها
ماما ليه الناس كلها زعلانة؟
مسحت على شعره وقالت
لأن رجلاً طيبًا رحل يا حبيبي.
ثم نظر يوسف إلى عمر الواقف بعيدًا وحيدًا، وقال
والعمو ده بيعيط ليه؟
سكتت فريدة طويلًا.
ثم أجابت بهدوء
بعض الناس يا يوسف لا يبكون عندما يخطئون.
يبكون عندما يكتشفون أن الوقت انتهى قبل أن يصلحوا خطأهم.
رفع يوسف رأسه الصغير كأنه لم يفهم المعنى كاملًا.
أما عمر
فقد سمع
وانخفض رأسه أكثر.
لأنه أدرك أخيرًا أن أكبر عقوبة لم تكن أن يخسر فريدة.
ولا أن يحرم من ابنه ست سنوات.
بل أن يعيش بقية عمره وهو يعرف أن كل ذلك حدث بسبب كلمة قالها في لحظة قسوة ولم يستطع سحبها أبدًا.
النهاية.