بعت رساله بالغلط لرقم غريب
الكاملة، ومستعد تصلح الغلط، فالموضوع ممكن يبقى تحت السيطرة، لكن بشرط واحد إنك تفي بكل وعدك، وتعمل كل ما يلزم ليرد لها حقها وسمعتها بالكامل.
هز محمود رأسه بسرعة، وقال وهو ينظر إلى سارة أنا مستعد أعمل أي شيء، أي شيء تطلبينه. سأذهب معكِ غداً للشركة، ونصحح كل السجلات، ونمحو أي أثر للاتهام، ونصدر بياناً رسمياً يوضح براءتك. وسأقوم بتعويضكِ مادياً عن كل الفترة اللي اتحرمتِ فيها من الدخل، وعن كل الضرر النفسي والمعنوي اللي تعرضتِ له. وسأكتب لكِ توصية قوية جداً، وسأساعدكِ في الحصول على وظيفة أفضل وأعلى من اللي كانت عندكِ، عشان تعوضي كل ما فاتكِ.
ظلوا يتحدثون لوقت طويل، ويناقشون كل التفاصيل، وكيفية إجراءات التصليح، وكيفية استعادة سمعتها. وسارة كانت تستمع بتركيز، وتشعر للمرة الأولى منذ ثلاثة أشهر بالراحة والأمان. نظرت إلى ابنتها ملك التي نامت بهدوء في سريرها الصغير، وعرفت أن الأقدار كتبت لها شيئاً مختلفاً تماماً عما كانت تتوقعه.
قبل أن يغادر الرجلان، ترك عمر رقم هاتف مساعده، وقال لها أي مشكلة تقابلكِ، أي حاجة تحتاجينها، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، اتصلي فوراً بهذا الرقم، وسنكون معكِ فوراً. لا تقلقي من أي شيء بعد اليوم.
شكرتهم مرة أخرى، ووقفت عند الباب حتى نزلوا السلم، وعادت لتجلس على الكنبة، وتمسك بالملف، وتنظر إلى الأكياس الممتلئة، والمال الموضوع أمامها، وشعرت أن حياتها بدأت تتغير من هذه اللحظة.
في صباح اليوم التالي، ذهبت سارة بصحبة محمود وعمر إلى مقر الشركة الكبرى. كان قلبها يدق بسرعة، لكنها كانت تحمل الأوراق التي تثبت براءتها، وتشعر بالقوة. في مكتب رئيس مجلس الإدارة الجديد، عرض محمود اعترافه الكامل، وقدّم كل الأدلة، وشرح كيف حدث التلاعب، وكيف ألقى اللوم على سارة لينقذ نفسه.
استغرق الأمر عدة ساعات لمراجعة الأوراق، والتأكد من صحتها، وفي النهاية، تم إصدار قرار رسمي بمحو جميع الاټهامات الموجهة إليها، وإصدار شهادة براءة رسمية، وتعويض مالي كبير
خرجت سارة من الشركة وهي تشعر وكأنها تحمل جبلاً فوق كتفيها ثم أزيل عنها. الهواء كان يبدو أنقى، والشمس ألمع، والأمل بدأ يدب في قلبها من جديد.
بعد مرور أسبوع، تلقت سارة اتصالاً هاتفياً من شركة محاسبة ومالية كبرى في القاهرة، تعرض عليها وظيفة رئيسة حسابات براتب يفوق ضعف راتبها السابق، مع تأمين صحي شامل لها ولابنتها، ومزايا عديدة. وعندما سألت عن سبب ترشيحها، عرفت أن عمر المنصوري هو من رشحها، وطلب منهم الاطلاع على سجلها الحقيقي وخبراتها، وضمن لها كفاءتها.
بدأت سارة العمل في وظيفتها الجديدة، وبدأت حياتها تستقر شيئاً فشيئاً. دفعت الإيجار المتأخر، واشترت كل ما تحتاجه من ملابس ومأكل، وانتقلت بعد فترة قصيرة إلى شقة أكبر وأفضل، في منطقة آمنة ونظيفة، توفر لابنتها بيئة مناسبة للنمو.
لكن سارة لم تنسَ أبداً تلك الرسالة التي أرسلتها بالخطأ، وكيف تحولت من رسالة استغاثة في ليلة
أما عمر المنصوري، فقد ظل يتابع أخبارها بين الحين والآخر، واطمأن على استقرارها، ورفض دائماً
أي شكر منه، مؤكداً أن الخير هو ما يجب أن يُفعل. ومحمود، تعلم درساً قاسياً جداً في الأمانة والعدل، وعرف أن السمعة والضمير أهم بكثير من أي منصب أو مال، وظل يحاول إصلاح ما أفسده طوال حياته.
ومع مرور السنين، كبرت ملك، وأصبحت فتاة ذكية ومتفوقة، وكانت سارة تحكي لها دائماً قصة تلك الليلة، وكيف أن رسالة أرسلت لرقم خاطئ غيرت مجرى حياتهم، لتعلمها أن لا تيأس أبداً، وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن الخير موجود دائماً في الدنيا، ولو جاء من حيث لا نتوقع.
وهكذا، انتهت القصة ببداية جديدة، حيث تحولت محڼة إلى منحة، وظلم إلى عدل، ورسالة خطأ إلى معجزة غيرت حياة أم وابنتها إلى الأبد.
تمت