مكالمة بنتي من حكايات زهرة
بارزة من العصبية.
أمي.. إحنا قربنا على المركز بتاعهم، هندخل البيت إزاي؟ دول ناس صعايدة وعزوة، ومدحت وسط أهله وناسه، لو دخلنا بغشم وعملنا مشكلة، ممكن يقلبوا الترابيزة علينا ويقولوا بنتهكم على بيتهم. أحمد قالها وهو بيمسح العرق من على وشه.
بصيت له وقولتله بثبات غريب نزل عليا من السما إحنا مش رايحين نتخانق.. إحنا رايحين نزور بنتنا في الساكت. الشنطة ورا فيها الفراخ المستوية، وفيها البلطة.. البلطة دي مش هنطلعها غير لو شفنا وِش منكر. ادخل الهو الخارجي للبلد من غير ما تعمل صوت.
وصلنا البلد على الساعة سبعة الصبح. البيوت كانت هادية، والناس لسه بتبدأ يومها في الغيطان. بيت مدحت كان بيت كبير من دورين مبني بالطوب الأحمر، وله بوابة حديد ضخمة. أحمد ركن العربية بعيد شوية تحت شجرة جميز كبيرة عشان م نلفت الانتباه.
نزلت من العربية، وجمود غريب اتمكن مني. أحمد فتح الشنطة، أخد كيس الفراخ في إيد، وتحت الجاكيت الرياضي بتاعه، حط البلطة الصغيرة اللي سنها كويس في طنطا. ملامح ابني في اللحظة دي مكنتش ملامح الشاب الضحوك بتاع ألعاب القوى.. كانت ملامح راجل ناوي على شر لو حد مس أخته.
مشينا لحد البوابة، خبطت تلات خبطات جامدين. ثواني وفتحت لنا أمه.
عينيها وسعت من الصدمة، ووشها جاب ألوان يا مري! أم أحمد؟! إيه اللي جابكم في الوكت ده ومن غير سيرة؟!
دخلت من جنبها من غير ما أستأذن، وبصوت عالي وهادي قولت جيت أشوف بنتي يا أم مدحت.. وحشتني، وجبتلها معايا لقمة تاكلها من إيد أخوها.
البيت من جوه كان ضلمة ورياحه غريبة.. ريحة كمكمة وغم. أم مدحت بدأت تبرجل وتزعق تنادي على ابنها يا مدحت! يا مدحت الحق، حماتك وأخو مرتك اهنه!
في ثواني، نزل مدحت من على السلم وهو لابس جلابيته، وشه كان أصفر ومخطوف، بس حاول يرسم ابتسامة صفرا على بقه يا مرحب يا حماتي، يا مرحب يا أحمد.. منورين قنا، بس مش كنتوا تقولوا طيب؟ ده مريم تعبانة ونايمة جوه.
أحمد خطى خطوة لقدام، وبص لمدحت عينه في عينه، وبصوت جهوري قالي تعبانة برضه يا مدحت؟ مش أنت قولت لأمي امبارح إنها بقت بومب وزي الفل؟
مدحت اتهز وبلع ريقه ها؟ اه.. هي صِحت شوية امبارح وعاودت تعبت تاني في الليل.. دور برد واعر يا جماعة، سيبوها ترتاح واقعدوا اضيفكم الأول.
في اللحظة دي، سمعت صوت كتمة ونحيب مكتوم جاي من الأوضة اللي في أرضي.. صوت أنين ضعيف مفيش حد في الدنيا يعرفه غير الأم اللي
مريم! صرخت بأعلى صوتي وجريت على باب الأوضة.
مدحت وقف في طريقي ومد إيده يمنعني يا حماتي مينفعش إكده! دي أوضة نومي، ومرتي تعبانة!
أحمد مكنش عنده وقت للكلام.. في لمح البصر، مسك مدحت من ياقت جلابيته وبقوته الجسمانية رفعه لفوق وزقه في الحيطة خلى عضم ظهره يزيق وربنا لو ما بعدت عن طريق أمي ل أكون دافنك مكانك يا مدحت!
أم مدحت بدأت تصوت وتلطم على وشها يا فوتنا.. الحقونا يا ناس! الضيوف جايبين معاهم قلة قيمة!
أنا مكنتش سامعة صويت أمه، ومكنتش شايفة أحمد وهو كابس على نفس مدحت. مسكت أكرة الباب وفتحتها بقوة.. الأوضة كانت ضلمة كحل وريحتها دوا ومطهرات. فتحت النور، وعيني وقعت على السرير.
في اللحظة دي.. قلبي اتخلع من مكانه، وجسمي كله جمد.
مريم بنتي.. حتة من قلبي، كانت مربوطة في السرير من إيديها ورجليها بحبال قماش تخينة عشان متجرحهاش، بوقها مكنش مربوط، بس كانت حاطة شاش عليه دم ناشف. وشها كان منفوخ ومزرق من الضرب، والعباية مقطوعة من عند كتفها ومبينة علامات حرق ب سجاير!
أول ما شافتني، عينيها اللي كانت دبلانة لمعت بالدموع، وحاولت تصرخ بصوت مبحوح ومكتوم ماما.. الحقيني يا ماما!
يا مرار يومي! يا قلب أمك! صرخت ورميت نفسي
أول ما شاف أخته بالمنظر ده.. أحمد اتعمى. ملامحه اتقلبت لوحش كاسر. طلع البلطة من تحت الجاكيت وهو بيصرخ صرخة هزت أركان البيت كله يا ابن الكلب!! عملت في أختي إيه يا مجرم؟! دي الأمانة اللي اؤتمنيت عليها؟!
مدحت جرى يستخبى ورا أمه وهو مرعوب، بعد ما شاف البلطة في إيد أحمد، والشرار اللي نازل من عينه. أحمد كان رايح عليه يفرتكه فعلاً، بس أنا وقفت في النص وزعقت فيه أحمد!! فك أختك الأول! أختك بتموت في إيدينا!
أحمد اتنفس بصعوبة، ونزل البلطة وضرب بيها الحبال اللي في السرير قطعاها في ثانية. شيلنا مريم، البنت كانت زي الريشة.. خسست النص، وجسمها كله بيرتعش، وبطنها كانت بارزة شوية زي ما توقعت.
حضنتها ودموعي بتغسل وشها أنتِ كويسة يا مريم؟ البيبي كويس؟
مريم كانت بتعيط بهستيريا وتترعش في حضني الحقيني يا ماما.. كان هيموتني ويموت ابنك اللي في بطني.. كان حابسني بقاله أسبوع، وكل ما أصرخ يضربني ويقولي مش هتشوفي أهلك تاني.. لما قولتي هتبلغي الشرطة، جابلي الموبايل بالعافية وحط السكينة في ضهري وقالي اتكلمي كأنك طبيعية