مع سقوط آخر حفنة تراب فوق قبر زوجي
المحتويات
أمي... توقفي!
قفزت إلى داخل السيارة.
وانطلقت بنا مبتعدة عن المنزل.
وبينما كانت الأضواء تتلاشى خلفنا شيئًا فشيئًا...
اهتز هاتفي للمرة الأخيرة تلك الليلة.
نظرت إلى الشاشة.
كانت رسالة جديدة.
رسالة قصيرة جدًا.
ثلاث كلمات فقط.
لا تسألي الآن.
ظللت أحدق في الكلمات بصمت.
وأفكر في سؤال واحد فقط...
إذا كان حسام هو من يرسل هذه الرسائل...
فمن الذي دُفن في قبره ذلك الصباح؟
انطلقت السيارة القديمة تشق ظلام الليل بينما كنت أجلس في المقعد الخلفي أضم الرسالة إلى صدري كأنها آخر شيء يربطني بالحقيقة.
لم أتوقف عن النظر إلى أبو ياسر.
قل لي الحقيقة... أين حسام؟
ظل صامتًا لثوانٍ طويلة.
ثم قال بصوت منخفض
لو كنت أعرف مكانه الآن لكنت أخبرتك.
تجمدت.
ماذا تعني؟
تنهد وقال
قبل ثلاثة أشهر جاءني سيدي حسام وطلب مني شيئًا غريبًا جدًا. قال إن أبناءه يراقبونه، وإنه بدأ يكتشف أمورًا خطيرة تخص أموال الشركة والعقارات.
شعرت بصدمة جديدة.
وما هي؟
هز رأسه.
لم يخبرني بالتفاصيل كلها. لكنه قال إن خالد وهيثم دخلا في استثمارات خاسرة، وخسرا مبالغ ضخمة، ثم بدآ يسحبان الأموال من حسابات الشركة بطريقة غير قانونية.
ازداد نبضي.
وهل كان ينوي فضحهما؟
نعم.
ثم أضاف
وكان ينوي حرمانهما من إدارة معظم ثروته.
شعرت أن أجزاء كثيرة بدأت تتجمع أمامي.
الوصية.
الطبيب.
الاستعجال في الدفن.
كل شيء أصبح أكثر وضوحًا.
وصلنا بعد ساعة إلى منزل صغير يقع في أطراف المدينة.
كان منزلًا متواضعًا قديمًا.
دخلت وأنا ما زلت أرتجف.
وما إن أغلقت الباب حتى وصلت رسالة جديدة.
افتحي الذاكرة الإلكترونية.
أخرجت وحدة التخزين الصغيرة من جيبي.
أوصلها أبو ياسر بالحاسوب القديم الموجود في المنزل.
ظهر مجلد واحد فقط.
اسمه
إذا حدث لي شيء.
ضغطت عليه.
فظهر مقطع فيديو.
بدأ التشغيل.
وفجأة ظهر حسام على الشاشة.
حيًا.
يتحدث مباشرة نحوي.
شهقت بقوة حتى كدت أسقط.
قال
إذا كنت تشاهدين هذا الفيديو يا أم خالد، فهذا يعني أن مخاوفي كانت صحيحة.
كانت عيناه متعبتين.
وصوته مثقلًا بالحزن.
أبناؤنا تورطوا مع أشخاص خطرين. حاولت إنقاذهم مرارًا. دفعت ديونهم أكثر من مرة. لكن الأمور خرجت عن السيطرة.
توقفت الكلمات في حلقي.
وأكمل
قبل أسابيع اكتشفت أنهم زوّروا توقيعاتي، وحاولوا نقل بعض العقارات إلى شركات وهمية.
شعرت بالاختناق.
وعندما واجهتهما، أدركت أنهما لم يعودا الولدين اللذين ربيتهما.
انهمرت دموعي.
لكن الصدمة الحقيقية لم تأت بعد.
قال حسام
وإذا وصلتك هذه الرسالة بعد إعلان وفاتي... فاعلمي أنني لم أمت بشكل طبيعي.
تجمدت.
ثم ظهر ملف آخر بجانب الفيديو.
كان يحمل عنوانًا قصيرًا
الدليل.
فتحناه.
فوجدنا عشرات المستندات.
حوالات مالية.
عقود مزورة.
محادثات مصورة.
وتسجيلات صوتية.
أحد التسجيلات جعل الدم يتجمد في عروقي.
كان صوت خالد.
واضحًا تمامًا.
يقول
بمجرد أن يوقع الأب على التنازل سننتهي من كل شيء.
ثم جاء صوت هيثم
وإذا رفض؟
صمت قصير.
ثم قال خالد
لكل مشكلة حل.
نظرت إلى أبي ياسر.
كان وجهه شاحبًا كوجهي تمامًا.
وفي تلك اللحظة رن هاتفه.
رقم مجهول.
أجاب بحذر.
ثم تغير لون وجهه.
ماذا؟
صمت.
ثم أغلق الخط.
التفت نحوي.
لقد وجدوا مكاننا.
شعرت ببرودة قاتلة.
كيف؟
لا أعرف.
لكن بعد ثوانٍ سمعنا صوت محرك سيارة يتوقف خارج المنزل.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
اقترب أبو ياسر من النافذة بحذر.
وعاد مسرعًا.
إنهم هنا.
أطفأنا الأضواء فورًا.
واختبأنا في الغرفة الخلفية.
كانت أصوات الأبواب تُفتح في الخارج.
وخطوات ثقيلة تقترب.
ثم دوى صوت خالد
أمي... أعرف أنك هنا.
حبست أنفاسي.
نحن لا نريد إيذاءك.
لكن نبرته كانت تقول العكس تمامًا.
استمرت الخطوات تقترب.
ثم سمعنا صوت تحطم الباب الرئيسي.
شعرت بأن النهاية اقتربت.
لكن فجأة...
دوى صوت صفارات الشرطة.
واحدة.
ثم اثنتان.
ثم عشرات.
توقف كل شيء.
وصاح أحد الرجال في الخارج
الشرطة! لا أحد يتحرك!
عمّ الارتباك.
وتبعت ذلك أصوات ركض وصراخ.
مرت دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم طرق أحدهم باب الغرفة.
وقال
سيدتي
ارتجفت.
نعم؟
الشرطة. أنتِ بأمان الآن.
خرجت ببطء.
وكان المشهد أمامي أشبه بحلم.
خالد وهيثم مكبلان بالأصفاد.
ويقف حولهما عدد كبير من الضباط.
أما الرجل الذي كان يرتدي المعطف الطبي فقد كان هو الآخر معتقلًا.
اقترب مني ضابط كبير.
وقال
تلقينا منذ أيام ملفًا كاملًا يحتوي على أدلة خطيرة، مع تعليمات بعدم التحرك إلا إذا تعرضتِ لخطر مباشر.
سألته
من أرسل الملف؟
نظر إلي للحظة.
ثم قال
رجل يدعى حسام.
شعرت بأن قلبي توقف.
أين هو؟
لكن الضابط هز رأسه.
لا نعرف.
مرت الأيام التالية كأنها سنوات.
انفجرت القضية في وسائل الإعلام.
وتبين أن خالد وهيثم غرقا في ديون هائلة بسبب مشاريع فاشلة ومضاربات خطيرة.
وعندما رفض حسام إنقاذهما مجددًا، قررا السيطرة على الثروة كلها.
أما الطبيب فكان متورطًا في إعداد تقرير مزور لإثبات أنني أعاني من الخرف المبكر حتى يتم وضع أموالي تحت وصايتهما.
لكن السؤال الأكبر بقي بلا جواب.
أين حسام؟
وبعد ثلاثة أسابيع...
وصلني ظرف جديد.
دون عنوان مرسل.
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
فوجدت بداخله صورة حديثة.
كان حسام واقفًا أمام بحر أزرق.
يرتدي قبعة ونظارة شمسية.
ويبدو حيًا تمامًا.
وخلف الصورة كانت هناك جملة واحدة فقط
سامحيني لأنني اضطررت للموت كي أعيش.
انهرت باكية.
لكنني وجدت رسالة أخرى مطوية خلف الصورة.
قرأتها ببطء.
أم خالد...
عندما اكتشفت حجم الخطر أدركت أنني إن بقيت ظاهرًا فسوف يقتلونني أو يدمرون كل الأدلة.
ساعدني بعض الأشخاص على الاختفاء مؤقتًا.
أما الرجل الذي دُفن في قبري فكان مجهول الهوية توفي قبل أسابيع ولم يكن له أهل أو مطالبون.
قد يبدو ما فعلته جنونًا...
لكنه كان الطريقة الوحيدة لحمايتك وكشف الحقيقة.
عندما تنتهي المحاكمات سأعود.
أعدك بذلك.
مرت ستة أشهر كاملة.
وخلالها حُكم على خالد وهيثم بالسجن بعد اعترافات ووثائق لا يمكن إنكارها.
وفي مساء شتوي هادئ...
كنت أجلس وحدي في الحديقة.
أحتسي الشاي.
وأراقب غروب الشمس.
حين سمعت صوت البوابة
رفعت رأسي ببطء.
ورأيت رجلًا يقف عند المدخل.
شعره أصبح أكثر بياضًا.
وجسده أنحف مما أتذكر.
لكنني عرفته فورًا.
عرفت طريقته في الوقوف.
وعرفت نظراته.
وعرفت ابتسامته.
سقط فنجان الشاي من يدي.
وقف هو صامتًا للحظة.
ثم قال
اشتقت إليك يا أم خالد.
لم أجرِ نحوه.
لم أصرخ.
لم أقل شيئًا.
كل ما فعلته أنني بكيت.
وبكيت.
وبكيت.
لأن الرجل الذي ودعته تحت التراب قبل أشهر...
كان يقف أمامي حيًا من جديد.
ظللت أحدق في حسام وكأنني أخشى أن يختفي إذا رمشت بعيني.
اقترب ببطء.
أما أنا فلم أتحرك.
كان داخلي مزيج غريب من الفرح والغضب والصدمة.
وحين أصبح على بعد خطوات قليلة مني، رفعت يدي وصفعته.
صفعة قوية.
ارتجفت بعدها أصابعي.
لكنه لم يغضب.
بل أغلق عينيه للحظة وقال
أستحقها.
ثم انفجرت بالبكاء وارتميت بين ذراعيه.
بعد دقائق طويلة جلسنا داخل المنزل.
كان الصمت يملأ المكان.
وكلانا لا يعرف من أين يبدأ.
أخيرًا قلت
أريد الحقيقة كلها.
أطرق برأسه.
ثم قال
هناك شيء لم أخبرك به في الرسائل.
شعرت بانقباض في صدري.
ماذا؟
تنهد طويلًا.
القصة لم تبدأ بسبب المال فقط.
رفعت حاجبي باستغراب.
ماذا تقصد؟
قال
قبل عام تقريبًا اكتشفت أن خالد وهيثم لا يعملان وحدهما.
تسارعت أنفاسي.
ومن معهم؟
فتح حقيبة صغيرة كانت بحوزته.
وأخرج ملفًا قديمًا.
ثم وضع صورة أمامي.
وما إن رأيتها حتى شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي.
مستحيل...
كانت الصورة لشخص أعرفه جيدًا.
شخص يدخل بيتنا منذ سنوات.
شخص تناول الطعام معنا عشرات المرات.
شخص اعتبرناه فردًا من العائلة.
كان ابن أخي...
سامر.
همست
لا...
هز حسام رأسه بحزن.
للأسف نعم.
لم أصدق.
كان سامر دائم الزيارة.
كثير المساعدة.
كثير الاحترام.
أو هكذا ظننا.
قال حسام
هو من أدخل خالد وهيثم إلى تلك الاستثمارات المشبوهة.
وهو من أقنعهما بالحصول على قروض ضخمة.
وهو من ربطهما بأشخاص خطرين.
سكت لحظة ثم أكمل
وعندما غرقت الأمور، بدأ يبحث عن طريقة للاستيلاء على ثروتنا بالكامل.
شعرت بالغثيان.
لكنه ابن أختي!
وأنا كنت أعتبره ابني الثالث.
ثم دفع نحوي مجموعة أوراق.
كانت تحويلات مالية.
وعقودًا سرية.
وحسابات خارجية.
كلها تحمل اسم سامر.
لكن الصدمة الأكبر كانت في آخر ورقة.
كانت وصية مزورة.
مكتوبة باسمي.
وتمنح سامر حق إدارة جزء كبير من ممتلكاتي في حال إصابتي
متابعة القراءة