امبارح الضهر
امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا، والنهاردة بعد نص الليل، لقيتها باعتالي رسالة صوتية على الموبايل! كل اللي قالته فيها كان متكشفيش غطا خزان المية أنا سبت الولد جوه. كان الموضوع مستحيل وعقلي مش قادر يستوعبه، الست فاطمة ميتة مفيش من اتناشر ساعة، وابنها أحمد مختفي من أربع سنين،حرفيا فص ملح وداب.. من غير نقطة دم واحدة، ولا صرخة، ولا حتى فردة جزمة سابها وراه
أحمد
الصوت خلى جسمي كله يقشعر. مكنش صريخ، ولا حتى ندهة عادية، ده كان همس واطي أوي، كأنه خارج من بوق عيل تعبان واقف ورايا ومقرب مني لدرجة إني كنت حاسس بنفسه في قفايا.
اتجمدت مكاني.
لأن محدش هنا بيناديني أحمد.
من يوم ما أمي الله يرحمها ماتت، والاسم ده اختفى تقريبًا من حياتي. كل اللي في العمارة، وكل اللي يعرفوني في المنطقة، بينادوني حمودي.
الست فاطمة بس، أيام ما كانت بتبيع أيس كريم وغزل بنات، هي اللي كانت بتقولي أحمد، وكانت دايماً تقول الأسامي كمان ليها احترامها يا ابني.
امبارح الضهر دفنا الست فاطمة جارتنا، والنهاردة بعد نص الليل، لقيتها باعتالي رسالة صوتية على الموبايل! كل اللي قالته فيها كان متكشفيش غطا خزان المية أنا سبت الولد جوه. كان الموضوع مستحيل وعقلي مش قادر يستوعبه، الست
ملفتش ورايا، مش شجاعة مني، لأ.. ده عشان الرسالة الصوتية اللي فتحتها لسة حالا قايلالي مالتفتش ورايا. بصيت تحت في الأرض على آثار الرجلين المبلولة.. كانت صغيرة، وحافية، ومطبوعة على إسمنت السطوح كأن فيه عيل لسة خارج من المية حالا ووقف ورايا بالظبط.
خزان المية طلع صوت تاني.. خربشة.. خربشة.. خربشة.. والصوت رجع يكرر اسمي تاني أحمد.
ساعتها أنا جريت، كنت هتموت وأنا نازل على السلم من كتر السرعة. اتكعبلت في قلبة السلم الثالثة، وركبتي اتخبطت جامد في الحيطة، بس مأقفتش، فضلت نازل جري وأنا كابس على الموبايل في إيدي كأنه قنبلة وهتفرقع. فضلت أرزع على باب الست شادية في شقة ١ب افتحي يا ست شادية! أرجوكي افتحي!.
الست شادية خرجت وهي لابسة جلابية بنص كم قطيفة برسمة ورد، ورابطة شعرها، ولابسة سبحة سودا في رقبتها. الست شادية من نوعية الستات اللي شافت كل حاجة في المنطقة هنا، بس لسة بتولع شمع كل يوم إثنين وبتقرا قرآن عشان البركة تحل في البيوت اللي الناس هجرتها. جرى إيه يا حمودي؟ مكنتش قادر أتكلم، فتحت الموبايل وشغلت
مألتش ولا سؤال تاني، راحت جابت عم عبده السباك المتقاعد من شقة ٣ج، وبعدين الست ميرفت، اللي دايماً بتعرف كل حاجة في العمارة قبل ما أصحاب المشكلة نفسهم يعرفوا. في أقل من عشر دقائق، خمسة من الجيران كانوا واقفين في مدخل العمارة وباصين للسلم كأن السطوح ده بق وحش وهيبلعنا.
الست شادية قالت إحنا لازم نكلم الشرطة. عم عبده رد عليها وهو ماسك مفتاح إنجليزي كبير لو كلمناهم قبل ما نشوف بنفسنا، هيجوا ويعملوا عبيط ويقولوا مفيش حاجة.. زي ما عملوا من أربع سنين.
محدش قدر يجادل في الكلمة دي. الليلة اللي أحمد الصغير اختفى فيها، جت عربية شرطة فيها أمينين وضابط عينيه منفوخة من النوم، بصوا بصلة كدة على السطح، وسألوا لو فاطمة ليها أعداء، وفي الآخر كتبوا إحتمال خطف من طرف الأب، وخلال أسبوع كان الملف اتركن وبقى عليه تراب. في حتتنا هنا، حتى قضايا الاختفاء بيبقى ليها مواعيد عمل وبتتقيد ضد المجهول لو ملهاش ضهر.
طلعنا كلنا مع بعض. الست شادية كابسة على سبحتها وتدعي، وعم عبده شايل المفتاح الإنجليزي، وأنا ماسك موبايلي وبسجل فيديو. مكنتش
سطوح البناية كان زي ما هو. اللمبة الصفرا الميتة.. أحواض الغسيل الإسمنت القديمة.. اللحاف المبلول مرمي زي ما سبته.. وخزان المية الأسود في الآخر، ضخم ومغبر، ومهجور من يوم ما ركبوا خزانين جداد للعمارة من أربع سنين تقريبًا، والسلك الحديد المصدي ملفوف حولين غطاه.
بس آثار الرجلين المبلولة مكنتش موجودة! قلت وصوتي بيرتعش والله العظيم كانت هنا.. كانت واقفة هنا بالظبط!. الست شادية مقالتش عليا مجنون، بصت للارض وسمّت الله وقرأت المعوذتين.
صوت الخربشة رجع تاني.. خربشة.. الست ميرفت صرخت وكتمت بقها بإيدها، وعم عبده قرب بالراحة وقال ده مش صوت فار واصل.
الموبايل هز في إيدي.. فويس تاني وصل، واشتغل لوحده من قبل ما ألمس الشاشة. صوت فاطمة طالع وفيه شوشرة جامدة إياكم تكلّموا محروس.. هو عارف كل حاجة.
كلنا اتجمدنا في مكاننا. محروس ده يبقى البواب ومسؤول العمارة، هو اللي بيلم وصل المية، وبيصلح الكوالين، وهو اللي بيحدد مين ينشر على السطوح ومين لأ. ساكن في الأوضة اللي جنب المدخل، وعلطول قاعد على كرسي خشب بيبص على الرايح واللي جاي في الشارع بعينين زي عينين