امبارح الضهر

لمحة نيوز

علبة لانش بوكس بلاستيك، متقفل عليها بأكياس ولزق. مكنتش بتاعة الولد، دي كانت بتاعة فاطمة! كان جواها موبايل قديم، وفلاشة، وقصاصات جرايد، وصور من محاضر الشرطة، وأجندة مكتوب فيها تواريخ.. أربع سنين من التواريخ! أربع سنين كاملة وهي بتجمع الفتافيت اللي محدش كان راضي يبص لها، وكأنها كانت مستنية اللحظة اللي تلاقي فيها الدليل اللي يثبت مكان أحمد نفسه، لأنها كانت عارفة إن التسجيلات والشكوك والكلام لوحدهم مش هيحمّوها لو قررت تواجه الناس دي. كل ليلة طلعت فيها السطوح كانت مكتوبة، وكل حاجة سمعتها كانت متسجلة، وكل مرة محروس قالها فيها بطلي أسئلة، وكل مرة حد من شقة ٤د شاف الراجل اللي لابس سديري أخضر داخل بشنطة وراجع من غيرها، وكل مرة حاولت تفتح بوقها وحد يفكرها إن أحمد مش العيل الوحيد في الدنيا كانت كاتباها كلها، سطر ورا سطر، كأنها بتحارب النسيان بإيديها.
أخدوني عشان أقول شهادتي في النيابة الصبح. المدينة كانت صحيت خلاص، وعدينا في شوارع ريحة الطعمية الساخنة مخلوطة بعادم الأتوبيسات. في الشارع الرئيسي كانت نصبات السوق بتتفرد واحدة ورا التانية، والتندات بتطلع، والحديد بيخبط في بعضه، والزعيق بيبدأ يملأ المكان كأن يوم عادي جدًا بيبتدي. محدش من الناس اللي ماشية تحت كان يعرف إن فوق، في العمارة القديمة دي، أم فضلت تدور على ابنها أربع سنين كاملة وإنها أخيرًا عرفته يرجعلها.
الفلاشة دي قلبت القضية كلها. فاطمة كانت مسجلة لمحروس.. مش مرة، دي مرات كتير! في واحدة منهم، كان صوتها طالع هلكان وتعبان وهي بتقول قولي ابني فين؟. وصوت محروس بيرد ابنك شاف اللي مكنش ينفع يشوفه.. سيبيه يرتاح يا فاطمة.. لو اتكلمتي
هتروحيله. وفي تسجيل تاني قديم، كان فيه صوت مطر ورعد، وعيل صغير بيعيط، وباب حديد بيقفل، ومحروس بيقول حطه جوه شوية.. لما الناس تمشي هنخرجه. وبعدين خبط، وبعدين سكات.
الراجل اللي لابس سديري أخضر مظهرش في الفيديوهات، بس فاطمة كانت كاتبة اسم في الأجندة أبو النضر. واحد من الأسامي اللي الناس في المنطقة بتقولها وهي بتبص ورا ضهرها وخايفة. الشرطة كانت عارفاها طبعاً، وده أكتر شيء حرق دمي وعصبني.. أحمد الصغير مماتش في الهوا، دول كانوا مخبينه تحت رجلينا وفوق دماغنا، في الخزان اللي كنا بنهرب منه عشان ميته طعمها وحش. الحقيقة كانت هناك.. جوه الخزان المهجور اللي محدش قرب ناحيته من سنين.. وإحنا كنا عايشين وبننام تحت عادي!
محروس اتقبض عليه في نفس اليوم الصبح. حاول يقول إن فاطمة مجنونة، وإن الفلاشة دي متببركة، وإن الولد وقع لوحده وهو خاف، بس لما واجهوه بالتسجيلات بدأ يرمي الكلام على أبو النضر. قال إن أحمد الصغير طلع السطوح ورا قطة، وشاف شكاير مخبية جنب الخزان، ف أبو النضر مسكه من دراعه وكتم بوقه. قال كنت عايز أخوفه بس.. بس.. يا لها من كلمة سهلة ومريحة للناس اللي بتبوظ وتدمر حياة غيرها.
فاطمة، زي ما فهمنا بعد كدة، عرفت كل حاجة بعد الموضوع بكام يوم. مش عارف ازاي، بس الأمهات بتشم ريحة عيالها حتى لو مفيش حياة. محروس جبرها تسكت، وقالها لو اتكلمت، أختها وعيال أختها وأي حد من قرايبها هيحصل الولد. وهي عملت الحاجة الوحيدة اللي كانت تقدر تعملها.. شالت الأدلة وشالتها لسنين.. زي اللي بيشيل العيش لحرب طويلة.
الرسائل الصوتية اللي جاتلي مكنتش جاية من العالم الآخر ولا حاجة زي ما الخبراء بتوع الاتصالات
قالوا بعد كدة. فاطمة كانت مخبية موبايل قديم على السطوح جوه علبة بلاستيك، وموصلاه بباور بانك خارجي، ومظبطة الرسايل تتبعت في وقت معين قبل ما تموت. كانت عارفة إن أختها مش هتفتش في الموبايل، وعارفة إن محروس عينيه على أوضتها وحاجتها، وعارفة إني أكتر واحد في العمارة بيطلع السطوح وقت الفجر تقريبًا كل يوم، فظبطت الرسائل تتبعت بشكل متكرر في نفس المعاد لحد ما حد يفتحها.
اختارتني أنا عشان جارها، ويمكن عشان كانت فاهمة حاجة أنا نفسي مكنتش فاهمها عن نفسي إن الواحد مهما كان خواف، بييجي عليه وقت ميعرفش يغمض عينه عن الحق حتى لو كان طالع له من بين الأموات.
بس محدش قدر يفسر آثار الرجلين المبلولة.. ولا الصوت اللي كان ورايا.. ولا العلامة الصغيرة اللي لقيتها الليلة دي على قميصي من ورا، كأنها إيد عيل مبلولة مية، علطول في المكان اللي حسيت فيه بالنفس في قفايا. م كتبتش الكلام ده في المحضر والشهادة.. في حقايق الورق مبيقدرش يشيلها.
بعد تلات أيام، طلعنا صوان وعملنا مقام صغير لفاطمة في مدخل العمارة. الست شادية حطت ورد وعم عبده جاب شمع، والست ميرفت عملت قهوة سادة للناس. أنا اشتريت قرص بعجوة من الفرن اللي على الناصية وجبت حلاوة طحينية عشان كنت فاكر إن أحمد الصغير كان دايماً يطلبها من أمها وهي بتبيع. وحطينا صورتها.. الصورة الوحيدة اللي كانت معاها هو بضحكة من غير سنان، وتيشرت ديناصورات، وفردة كوتشي زرقا صغيرة مرفوعة عن الرصيف.
اليوم ده، اتكلمنا عن فاطمة.. وبصوت عالي! قلنا إنها مكنتش مجنونة، ومكنتش بتهول.. ومكنتش مجرد أم متبتة في خيال.. دي كانت أم لوحدها في منطقة سابتها شايلة نعش مش شايفينه لأربع سنين.

محروس مرجعش تاني.. وأبو النضر
مسكوه بعد أسبوعين في مخزن جنب منطقة المصانع. قالوا كان معاه ورق مزور وفلوس وطبنجة. مكنش يهمني أشوفه في الأخبار، الحاجة الوحيدة اللي كنت عايزها إن اسم أحمد الصغير ميبقاش مجرد إشاعة وكلام ناس.
النيابة قعدت شهور، زي كل حاجة بتوجع وبتاخد وقت طويل. بس في يوم، طلبونا عشان نتعرف على الحاجات رسمي. فاطمة مكنتش موجودة عشان تعمل كدة، ف رحت أنا والست شادية. أول ما شفت فردة الكوتشي الصغيرة جوه الكيس الشفاف، رجلي سابت ومبقتش شايلاني.. الست شادية سندتني وقالت لي هو مع أمه دلوقتي. كنت عايز أصدقها.
في المدافن، مطرح ما كانوا دفنوا فاطمة بسرعة ومن غير ورد كتير، فتحوا مكان صغير جنبها. أختها عيطت بجد المرة دي.. الشيخ اتكلم تاني عن الراحة الأبدية، بس المرة دي الكلام مكنش مجرد واجب وعزا وخلاص. ولما رَموا أول كبشة تراب، الهوا حرك الورد.. ولثانية واحدة.. ثانية واحدة بس.. حلف بالله إني سمعت ضحكة عيل صغير ورا المدافن.
مقلتش لحد.. في حتتنا هنا، بتتعلم إن مش كل حاجة بتتحكي وتتقال. بس من ساعتها، كل ما بطلع السطوح، ببص على المكان اللي كان فيه الخزان الأسود. م بقاش موجود خلاص.. شالوه، وحطوا مكانه خزانين جُداد لونهم أزرق ونضاف، والغطا بتاعهم مقفول بكوالين حديد. والمية مبقاش طعمها مصدي واصل.
ساعات في الفجر، وأنا بنشر الغسيل واللمبة الصفرا بترعش، بلمح ريحة خفيفة أوي.. ساعتها بقول بصوت واطي تقدري ترتاحي دلوقتي يا ست فاطمة.. وإذا الهوا جه من ناحية أحواض الغسيل، علطول بحس إني سامع صوت صغنون، مبلول بس هادي، بيرد عليا من حتة مفيهاش أغطية، ولا سلك مرير، ولا كبار بيخبوا أسرار
شكراً يا أحمد.

تم نسخ الرابط