بعد سنة من دفن جوزي
الحقيقة قاسية، خليكي قوية، لأنك استحملتي أكتر من كده.
لما قربت الساعة 10، سمعت صوت يناديني من وراء عمود طويل في المدخل هناء؟
التفت بسرعة، ولقيت رجل واقف، وشعره فيه شويه بياض، ووجهه متعب، وعينيه... عينيه كانت نفس العينين اللي كنت أحبها، نفس العينين اللي كنت أتمنى أشوفها كل يوم.
وقفت في مكاني مش قادرة أتحرك، والدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. همست بصوت ضعيف كريم؟
أومأ برأسه، واقترب مني بخطوات بطيئة، كأنه خايف يخدش مشاعري أو يصدمها. وقف قدامي، ورفع يده كأنه يريد يلمس وجهي، لكنه تردد وقال بصوت حزين ومكسور سامحيني يا هناء سامحيني على كل الألم اللي سببتهولك، وعلى كل الكذبة اللي عشتها سنة كاملة.
ما قدرت أتكلم، انفجرت في البكاء، وضربته على صدره بيدي وأنا أصرخ ليه؟ ليه عملت كده؟ ليه قلت لي إنك مات؟ ليه حرمتني منك ومن ابني؟ ليه خليتني أعيش في عذاب كل ده؟
مسك يدي بين يديه، وضغط عليها بلطف، وقال بصوت مرتعش تعالي معايا، هقولك كل حاجة، ومش هخبي عليك ولا كلمة من النهاردة.
الفصل الثالث خيوط المؤامرة
دخلنا معاه لغرفة صغيرة في جناح قديم مغلق، وقفل الباب ورانا، وجلسنا على كرسيين خشب قديمين. بدأ كريم يحكي لي القصة من أولها، وكل كلمة كان
كل ده بدأ قبل ما نتجوز بفترة، قال كريم، أمي كانت عندها فكرة معينة عن حياتي، وعن المستقبل اللي لازم أعيشه. كانت عايزة أتجوز بنت من عيلة غنية، تضمن لي مركز مرموق ومال كتير، تفتح لي أبواب الشغل والعلاقات. لما عرفت إنك دخلتي حياتي، وإننا قررنا نتجوز، رفضت من أول يوم. قالت لي إنك من عيلة بسيطة، وإنك مش هتقدري ترفعني، وإن الزواج ده غلطة كبيرة.
سكت شوية، واتنفس بعمق، وكمل لكن أنا حبيتك بجد، ووقفت قدامها وقلت لها إني مش هتخلى عنك مهما حصل. وافقت في النهاية، لكن قلبها ما كان معانا أبدًا. كانت بتتابع كل خطوة بنعملها، وبتحاول تخلق مشاكل بيننا في كل فرصة، لكن كنت دائمًا أمنعها وأحميك منها.
سألته وأنا مذهولة والحادث؟ الحادث اللي قالوا لي فيه إنك مت؟
هز رأسه بحزن، وقال ده كان بداية الخطة كلها. كنت مسافر في طريق الصحراوي، فعلاً، لكن ما وقعليش حادث. اللي حصل إن أمي اتصلت بي فجأة، وقالت لي إنها تعبانة جداً وإن حالتها خطيرة، وطلبت مني أرجع بسرعة. ولما وصلت بيتها، لقيتها مع رجل غريب، قال لي إنه محامٍ، وبدأوا يكلموني بطريقة غريبة.
قالت لي أمي إنها عرفت إن الشركة
سألته بصدمة وصدقتها؟ وافقت تختفي؟
رد بصوت يملأه الندم كانت لحظة ضعف وخوف، يا هناء. كنت خايف عليكِ وعلى الجنين اللي في بطنك، خايف لو دخلت السجن أو خسرت كل ما نملك، هتعيشوا في فقر وذل. قالت لي إنها هتدبر لكِ راتب شهري، وإنكِ هتعيشي مرتاحة، وإن الأمر ده مش هيدوم أكتر من سنة أو سنتين. وقلت في نفسي ده مؤقت، ولما تخلص الأمور، أرجع لكِ وأخبرك الحقيقة.
لكن وجهه اتغير، وبدأت الدموع تلمع في عينيه، وكمل لكن ما كنت أعرف إن ليها هدف تاني تمامًا، وما كنت أتخيل إنها هتصل لهذه الدرجة من القسوة والخداع. بعد ما وافقت واختفيت، بدأت تنفذ خطتها الحقيقية. رتبت مع ناس تانية، وجابت جثة رجل مات في حادث نفس الطريق، وكان شبهي في الطول والسن، وقالت إنه أنا. وطلبت منهم يكتبوا في التقرير إن الحالة متضررة جداً لدرجة ما تقدر تتعرف عليها، ورفضت تخلّيكِ تشوفيها،
الفصل الرابع المفاجأة الصادمة وعودة الحق
حسيت بقلبي يرتجف، وسألته بصوت ضعيف وابني؟ إيه اللي حصل في الولادة؟ ليه قالوا لي إنه مات؟
هنا كريم انهار تمامًا، وبدأ يبكي بصوت مسموع، وقال هنا كانت المصيبة الكبرى، واللي جعلني أندم على كل ما فعلته، وقررت أكشف الحقيقة مهما كانت النتيجة.
بعد ما عرفت إنك دخلتي المستشفى للولادة، طلبت من أمي تطمني عليكِ وعلى الطفل. قالت لي إن الولادة كانت صعبة، وإنكِ تعبتي، وإن الطفل مات بعد الولادة بوقت قصير. صدقتها أول الأمر، وكنت حزينًا جداً، لكنها قالت لي إنكِ بخير، وإنكِ هتتعافى، وإنها هتقوم بكل اللازم. لكن بعد كام شهر، وأنا أراقب الأمور من بعيد، سمعت حاجة غريبة. واحد من الموظفين اللي كانت تتعامل معاهم في المستشفى، اتصل بي وقال لي إنه مش مرتاح لما حصل، وإن أمي دفعت له مبلغ كبير ليقول إن الطفل مات، وإن الحقيقة غير كده.
قاطعته بسرعة وأنا لا أصدق ما أسمع غير كده؟ يعني إيه؟ ابني عايش؟
أومأ برأسه وعينيه مليئة بالدموع، وقال عايش يا هناء ابننا عايش، وحتى هذه اللحظة، وبيعيش في مكان آمن، لكنه محتاج لنا، واحنا محتاجين له.
حسيت