عندها 66 سنه وراحت لدكتور النسا

لمحة نيوز


كلامها ضربهم كالصاعقة، وبدأ الندم يأكل قلوبهم. تذكروا كيف كانوا بيجوا ياخدوا منها الفلوس ويسألوها عن البيت وهم عارفين إن معندهاش غيره، وكيف كانوا بيتجاهلوا ألمها وشكواها، وكيف كانوا بيتريقوا عليها ويسخروا منها قدام الناس وحتى قدام نفسهم. مصطفى كان أول واحد انهار، قرب منها وقبل راسها وبكى بصوت عالٍ سامحيني يا أمي.. سامحيني.. كنت وحش وقليل الأدب.. مكنتش عارف قيمتك ولا عارف إيه اللي بتحسي بيه.. كل اللي حصل ده ذنبي وذنبنا كلنا..
منى وأحمد قربوا وراحوا في حضنها، واعترفوا بكل تقصيرهم وقسوتهم، وحلفوا لها إنهم هيعوضوها كل اللي فات، وإنهم هيعملوا كل ما بوسعهم عشان تفضل معاهم سليمة ومعافية. الدكتور شاف المشهد ده ودمعه سال، وقال لهم الندم والتوبة من الله، والله سبحانه وتعالى يقبل توبة عباده
مهما كانت ذنوبهم.. دلوقتي دوركم تثبتوا
إنكم صادقين في كلامكم، وتقفوا جنبها في محنتها دي.
الجزء الخامس
وصلوا المستشفى، وبدأت الإجراءات فوراً. الفريق الطبي بقي على أهبة الاستعداد، والعملية استمرت لما

يقارب الست ساعات كاملة. كانت عملية دقيقة جداً ومعقدة، لكن الحمد لله نجحت بفضل الله وبركاته، وتم استخراج الكتلة الكلسية بالكامل دون أي مضاعفات خطېرة.
عندما خرجت نادية من غرفة العمليات، كانت في حالة إعياء لكن حالتها مستقرة. أول ما فتحت عينيها لقت عيالها التلاتة واقفين حول السرير، وجوههم شاحبة وعيونهم مليانة قلق ودموع. أحمد كان ماسك كفها الدافئ، ومنى كانت بتعدل الغطاء فوقها، ومصطفى كان شايل كوباية عصير طازج بانتظار ما تقدر تشرب.
بعد يومين، طلب الدكتور منهم يشوف اللي كان جوا بطنها، وشرح لهم إن الكتلة دي عبارة عن بقايا جنين كامل تكونت حوله طبقات كلسية صلبة لحمايته، وإنها ظلت محفوظة بهذا الشكل طوال 30 سنة بقدرة الله تعالى. نادية بصت للعينة بحنان ودموع، وقالت كنتِ جوايا طول السنين دي يا روحي.. كنتِ أمانة عندي وربنا استردها في وقتها المناسب.. الحمد لله على كل حال.
خلال فترة العلاج، تغير عيالها تماماً. أحمد باع قطعة أرض كان يحتفظ بها ليدفع جزء من تكلفة العلاج، وقرر يترك شقته ويرجع يسكن
معاها في البيت الكبير عشان يخدمنا. منى تركت عملها المؤقت وكرست كل وقتها لرعايتها، ومصطفى ألغى السفر اللي كان هيقوم به وفضل جنبها، وبدأ يعمل في ورشة أبوهم القديمة عشان يوفر لهم احتياجاتهم.
كانوا كل يوم يجلسوا معاها ويحكوا لها كل صغيرة وكبيرة، ويسألوا عن رأيها في كل أمورهم، ونسوا تماماً الفلوس والمصالح، وعرفوا إن أغلى ما يملكونه هو وجود أمهم على قيد الحياة.
الجزء السادس والأخير
بعد أسبوعين، خرجت الحاجة نادية من المستشفى ورجعت لبيتها، لكن هذه المرة البيت كان مختلف تماماً.. ملأه الضحك والدفء والاجتماع اللي افتقدته سنين طويلة. عيالها كانوا حولها في كل وقت، وبناتها وأحفادها كانوا بيزوروها كل يوم، وكل واحد كان بيتسابق في خدمتها وإرضائها.
باعت الكلوك الصفراء اللي كانت عملته واشترت بدلها تحفة صغيرة من الفضة على شكل ملاك، ووضعتها في مكان ظاهر في البيت كتذكير دائم بالحكاية الغريبة اللي مرت بها، وكيف أن كل شيء بيدبره الله بحكمة، وإن ما ظننته عوضًا كان سببًا لكشف الحقيقة وصلاح حال عيالها.

الدكتور رامي كان بيزورها من وقت للتاني، وكل مرة كان يشوفها أكتر قوة وفرحة، ويقول لها أنتِ مثال للأم الصابرة القوية، والله سبحانه وتعالى جعل هذه المحڼة سبباً لصلاح أبنائك وجمع شملكم، فالحمد لله على كل حال.
ومرت السنين، وظلت قصة الحاجة نادية تُروى في كل مكان، لتكون درساً خالداً للناس جميعاً
أن الأم هي أسمى ما في الوجود، ومهما كبر أبناؤها يظلون في حاجة لحنانها ورعايتها.
أن الحكمة الإلهية تتجلى في كل شيء، فما يبدو لنا كمرض أو محڼة قد يكون سبباً للنجاة والهداية.
أن الندم الصادق قادر على تغيير النفوس، وأن العودة إلى الله وإلى الحق هو أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان.
وأن فلوس الدنيا ومصالحها زائلة، ولا يبقى إلا الخير والبر والترابط العائلي.
وظلت نادية تعيش في سعادة وهناء، محاطة بحب أبنائها وأحفادها، كل يوم تشكر الله على نعمه، وتقول لمن يسألها عن قصتها كل ما حدث لي كان خيراً.. حتى الألم والخۏف.. لأنه كشف لي اللي كان مستخبي، ورد لي أهلي وأعاد لي فرحتي.. الحمد لله رب العالمين
على كل حال.

والحمد لله رب العالمين

تم نسخ الرابط